إن إخلاص العمل لله تبارك وتعالى من أعظم أصول هذا الدين، فهو مسك القلوب وعماد الدين، مدار الفلاح كله عليه، علمه خير علم، فيه رضا الرحمن وراحة القلوب ونجاة النفوس، وهو ركن العمل وأساسه.

ويُعَدُّ الإخلاص من أهم أعمال القلوب، وأعظمها قدراً وشأناً، فبحسب الإخلاص يُقبل عمل العبد أو يُرَدّ عليه. وهذا الدين كله يقوم على الإخلاص، يقول الله جل وعلا: {وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5]، وقال تبارك وتعالى: {قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ} [الزمر: 11]، وقال سبحانه: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي} [الزمر: 14].

والإخلاص لُبُّ الأعمالِ وروحها، وله ثمراتٌ عظيمة في دنيا المسلم وآخرته؛ إذ بالإخلاص تطمئن القلوب، وتهدأ النفوس؛ لأنها تعامل علام الغيوب، الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، والذي يعلم السر وأخفى، فيرجون بعملهم كله وجه ربهم سبحانه، شعارهم دائماً قوله تعالى: {إنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا} [الإنسان: 9].

وإن تحقيق الإخلاص مهم جداً للمسلم؛ لأن أغلب الناس يعيشون في صراعات داخلية ويعانون من أشياء، فحُرموا البركة والتوفيق إلا من رحمه الله، فكيف يكون النصر وتعلم العلم إلا من المخلصين، فالإخلاص مهم في إنقاذنا من الوضع الذي نعيش فيه، فقد أصبح عزيزاً نادراً قليلاً، فهناك كثير من المشاريع المهمة والدعوات تلوثت بالرياء، فضلاً عن حركات إسلامية دُمِّرت بسبب افتقاد الإخلاص، إذ أريد بها الرئاسة والجاه والمال.

ولو فتشنا عن أعظم أمراضنا الاجتماعية في هذه الأيام لوجدناها: عدم إخلاص العمل لله سبحانه، وطلب رضا الناس بكثير من الأعمال الشرعية، فها هي كثير من واجبات الدين من صلة الأرحام وزيارة المريض والإحسان إلى الجيران، وغيرها صارت تُؤَدَّى للناس، وصار يُطلب بالزيارة والإطعام والإحسان رضا الناس، دون التماس الأجر من الله سبحانه، فيذهب الرجل يعزي في وفاة جار أو صديق أو قريب وربما يقطع المسافات طلباً لرضا أو رؤية الناس، وربما ينفق في الإطعام والاتصال والهدايا وزيارة المريض، طلباً لرضا الناس.. وهكذا.

معنى الإخلاص وحقيقته:

الإخلاص: تصفية العمل لله تعالى؛ فيخلص من كلِّ شائبة. قال ابن القيم: «الإخلاص هو إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة»[1].

وقال ابن رجب: الإخلاص في اللغة ترك الرياء، وفي الاصطلاح: تخليص القلب عن شائبة الرياء المكدر لصفائه[2].

وقال ابن القيم: «نبه سبحانه بقوله: {إلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى} [الليل: ٠٢]، على أن من ليس لمخلوق عليه نعمة تُجزى لا يفعل ما يفعله إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى؛ بخلاف من تصور نعم المخلوقين ومننهم، فإنه مضطر إلى أن يفعل لأجلهم ويترك لأجلهم، ولهذا كان من كمال الإخلاص أن لا يجعل العبد عليه منّة لأحد من الناس؛ لتكون معاملته كلها لله ابتغاء وجهه وطلب مرضاته، فكما أن هذه الغاية أعلى الغايات وهذا المطلوب أشرف المطالب فهذا الطريق أقصر الطرق إليه وأقربها وأقومها»[3].

وإذا علم العبد أن كل نعمة أصابته، وكل فضل ناله، وكل خير جاء له، وكل شر صُرف عنه، وكل سوء نجا منه، أن فاعل كل ذلك على الحقيقة هو الله الواحد سبحانه.. وإذا أيقن أن الله سبحانه هو الخالق الرازق، الرب المحيي المميت المعبود، فلا معبود بحقٍ سواه، صرف العبادة كلها إليه وحده دون سواه، فكل حركة وسكنة إنما هدفها الأعلى رضا الله سبحانه، وهذا ما أرشد إليه قول الله تعالى: {قُلْ إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ صلى الله عليه وسلم ٢٦١صلى الله عليه وسلم ) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْـمُسْلِمِينَ} [الأنعام: ٢٦١، ٣٦١].

فهذا هو الإخلاص، أن تكون الحياة لله، وأن يكون الممات لله، وأن تكون الصلاة لله، وأن يكون النسك والعبادة كلها خالصة لوجه الله، لا تُصرف لأحدٍ، ولا لبشر، ولا لحجر، ولا لبقر، ولا لطاغوت، ولا لوثن، ولا لأحد من الناس كائناً من كان، هذه هي العبادة لله: {إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: ٥].

منزلة الإخلاص وأهميته:

لا بد من إخلاص النية لله في أي عمل يعمله العبد؛ قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: ٥]، وقال صلى الله عليه وسلم : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»[4]، وقال صلى الله عليه وسلم : «قال الله أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ من عمل عملاً أشرك فيه غيري فأنا بريء منه؛ وهو كله للذي أشرك»[5].

ولا بد في إخلاص العمل من أن يكون هذا العمل مما شرعه الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، يقول تعالى: {قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: ١٣] ، ويقول صلى الله عليه وسلم : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»[6]، وفي لفظ في صحيح مسلم أيضاً: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».

وبالإخلاص والمتابعة يتحصن المسلم من ألد أعدائه ألا وهو الرياء والبدعة والشرك. يقول ابن أبي العز الحنفي رحمه الله: «فهما توحيدان، لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرسل، وتوحيد متابعة الرسول»[7].

 ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وبالجملة فمعنا أصلان عظيمان؛ أحدهما: أن لا نعبد إلا الله. والثاني: أن لا نعبده إلا بما شرع. لا نعبده بعبادة مبتدعة. وهذان الأصلان هما تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، كما قال تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: ٢]. قال الفضيل بن عياض: أخلصه وأصوبه. قالوا. يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإن كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل حتى يكون خالصاً صواباً. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة. وذلك تحقيق قوله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِـحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: ٠١١].

ولذلك اشترط رسول الله صلى الله عليه وسلم  الإخلاص شرطاً أساسياً لقبول العمل، فبيّن صلى الله عليه وسلم  أن من أشرك في نيته وقصده لله ولغيره، فإن الله سبحانه لا يقبل منه هذا العمل حتى لو كان عظيماً، فعن أبي موسى عبدِ اللهِ بنِ قيسٍ الأشعريِّ رضي الله عنه، قَالَ: سُئِلَ رسولُ الله عَنِ الرَّجُلِ يُقاتلُ شَجَاعَةً، ويُقَاتِلُ حَمِيَّةً، ويُقَاتِلُ رِيَاءً، أَيُّ ذلِكَ في سبيلِ الله؟ فقال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ قَاتَلَ لِتَكونَ كَلِمَةُ اللهِ هي العُلْيَا، فَهوَ في سبيلِ اللهِ»[8].

عن أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه - قال: جاء رجل إلى النبي فقال: أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر، ما له؟ فقال رسول الله: «لا شيء له». فأعاد ثلاث مرات، ثم قال: «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتُغِيَ به وجهه»[9].

 ومن هذه الأحاديث يتبين لنا عظيم أمر الإخلاص وأنه أساس قبول العمل، وأن نوايانا هي التي تشكّل أعمالنا وتوجهها، والعمل مهما تكن ضخامته وخطره، لا يكون جليلاً ولا يُكتب له القبول الحق إلا بقدر ما تكون النوايا جليلة وصادقة.

من علامات الإخلاص:

1- أن يبتغي المسلم الأجر من الله تعالى وحده:

فلا يبحث عن شهرة، ولا مكانة اجتماعية، ولا زعامة، ولا ثناء الناس عليه، قال تعالى على لسان بعض الأنبياء في القرآن الكريم: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إنْ أَجْرِيَ إلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: ٩٠١]، وقال الإمام الشافعي - رحمه الله -: «وددت أن الناس انتفعوا بهذا العلم، وما نسب إليَّ شيء منه»[10].

2- أن يكون عمل السر عنده أفضل من العلانية:

 ففي الحديث عن أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها فلا تعلم شماله ما أنفقت يمينه»[11]، فلما أخفى صدقته وأخلص فيها لله تعالى، رفع الله قدره وأظله في ظله.

3- إساءة الظن بالنفس، واتهامها بالتقصير:

فالمخلص من العباد من يأتي بجميع العبادات على أحسن وجه، ومع ذلك هو خائف أن لا يتقبل الله منه عمله يوم القيامة، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون: ٠٦]، وقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم  هذا المعنى لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ الَّذِي يَسْرِقُ وَيَزْنِي وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ وَهُوَ يَخَافُ اللَّهَ؟ قَالَ لَا يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يُصَلِّي وَيَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ وَهُوَ يُخَافُ اللَّهَ[12].

4- استواء المدح والذم:

المخلص يقوم بجميع أعماله على ما يرضى الله تعالى ثم بعد ذلك لا يبالى أرضي الناس أم سخطوا، مدحوا أم ذموا. وكان بَعْض السَّلَفِ يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يُمْدَحُ فِي وَجْهِهِ، قَالَ: «التَّوْبَةُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ: اللهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ، وَاغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ، وَاجْعَلْنِي خَيْراً مِمَّا يَظُنُّونَ»[13].

ثمرات الإخلاص:

للإخلاص ثمرات عظيمة، تنفع العبد في دنياه، وتسعده يوم يلقى ربه سبحانه، ومن أبرز الشواهد على نفع الإخلاص في الدنيا ما يلي:

١- تفريج الكربات، وإزاحة الغموم:

 ومن ذلك ما ثبت في الصحيح في قصة أصحاب الغار أولئك الثلاثة الذين أخبرنا عنهم النبي صلى الله عليه وسلم  أنهم دخلوا غاراً فوقعت صخرة فسدت عليهم باب الغار فتوسلوا إلى الله بالإخلاص، وتوسل كل واحد من الثلاثة بإخلاصه في عمله لله تعالى، فكلهم يقول: «اللهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ»، ولما علم الله إخلاصهم فرّج عنهم الله ببركة إخلاصهم.

يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله وهو يستنبط الفوائد والعبر من هذا الحديث: «وفيه من العبر: أن الإخلاص من أسباب تفريج الكربات؛ لأن كل واحد منهم يقول: اللهم إن كنت فعلت ذلك من أجلك فافرج عنا ما نحن فيه». أما عمل الرياء فإنه كالزبد يذهب جفاء لا ينتفع منه صاحبه؛ نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الإخلاص.

ولما كان الإخلاص هو أساس كل عمل، فلا تجعل نصيباً من عبادتك لأحد، اجعلها كلها لله عز وجل حتى تكون مقبولة عند الله؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، في ما يرويه عن الله عز وجل أنه قال: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه»[14]، فكان الإخلاص في العمل سبباً لزحزحة الصخرة العظيمة في الجبل بإذن الله تعالى[15].

ومن الأدلة أيضاً على أن الإخلاص لله تعالى في العمل ينجّي صاحبه في الدنيا والآخرة، ما صح عن أمِّ المؤمِنينَ أمِّ عبدِ اللهِ عائشةَ رضي الله عنها، قالت: قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ فإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ. قَالَتْ: قلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ يُخْسَفُ بأوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ وَفِيهمْ أسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟! قَالَ: يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيّاتِهمْ[16].

ففي هذا الحديث إشارة إلى أن دور النية الصالحة والإخلاص لله تعالى يجعل المرء بمنجاة عن الهلكة في الآخرة.

٢- سكينة النفس واطمئنانها:

الإخلاص يُكسب صاحبه الأمن والسكينة، فيشعر بانشراح الصدر، وهدوء النفس، وفي الحديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ كانَتِ الآخرةُ هَمَّهُ، جعل الله غِناه في قلبه، وجمع عليه شَمْلَهُ، وأتَتْهُ الدنيا وهي راغِمَة، وَمَنْ كانت الدنيا هَمَّه، جعل الله فَقْرَه بين عينيه، وفَرَّق عليه شَمْلَهُ، ولم يأتهِ من الدنيا إلا ما قُدِّر له». زاد في رواية: «فلا يُمسي إلا فقيراً، ولا يُصْبِحُ إلا فقيراً، وما أقْبَلَ عبد إلى الله بِقَلْبِهِ، إلا جعَلَ الله قُلُوبَ المؤمنين تنقاد إليه بالوُدِّ والرحمة، وكان الله بكل خير إليه أسْرَع»[17].

قال العلامة المباركفوري في «تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي»: «(هَمَّهُ) أَيْ قَصْدُهُ وَنِيَّتُهُ. (جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ) أَيْ جَعَلَهُ قَانِعاً بِالْكَفَافِ وَالْكِفَايَةِ كَيْ لَا يَتْعَبَ فِي طَلَبِ الزِّيَادَةِ، (وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ) أَيْ أُمُورَهُ الْمُتَفَرِّقَةَ بِأَنْ جَعَلَهُ مَجْمُوعَ الْخَاطِرِ بِتَهْيِئَةِ أَسْبَابِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ بِهِ، (وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا) أَيْ مَا قُدِّرَ وَقُسِمَ لَهُ مِنْهَا، (وَهِيَ رَاغِمَةٌ) أَيْ ذَلِيلَةٌ حَقِيرَةٌ تَابِعَةٌ لَهُ لَا يَحْتَاجُ فِي طَلَبِهَا إِلَى سَعْيٍ كَثِيرٍ بَلْ تَأْتِيهِ هَيِّنَةً لَيِّنَةً عَلَى رَغْمِ أَنْفِهَا وَأَنْفِ أَرْبَابِهَا.

 (وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ) وَفِي الْمِشْكَاةِ: وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ طَلَبَ الدُّنْيَا، (جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ) الِاحْتِيَاجِ إِلَى الْخَلْقِ كَالْأَمْرِ الْمَحْسُومِ مَنْصُوباً بَيْنَ عَيْنَيْهِ، (وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ) أَيْ أُمُورَهُ الْمُجْتَمَعَةَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يُقَالُ جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ أَيْ مَا تَشَتَّتَ مِنْ أَمْرِهِ.

وَفَرَّقَ اللَّهُ شَمْلَهُ أَيْ مَا اِجْتَمَعَ مِنْ أَمْرِهِ، فَهُوَ مِنْ الْأَضْدَادِ، (وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ) أَيْ وَهُوَ رَاغِمٌ، فَلَا يَأْتِيهِ مَا يَطْلُبُ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى رَغْمِ أَنْفِهِ وَأَنْفِ أَصْحَابِهِ[18].

من صور إخلاص السلف الصالح:

 حرص السلف الصالح على ضرب أروع الأمثلة في الإخلاص لله سبحانه وإخفاء العمل عن الخلق، ومن ذلك أن مسلمة حاصر حصناً فندب الناس إلى نقب منه، من يدخل ليفتح لنا؟ فما دخله أحد، فجاءه رجل من عرض الجيش فدخله ففتح الله عليهم، فنادى مسلمة أين صاحب النقب؟ أين صاحب النقب؟ فما جاءه أحد، فنادى القائد بالجيش: إني قد أمرت الآن بإدخاله ساعة يأتي، فعزمت عليه إلا جاء، فجاء رجل فقال: استأذن لي على الأمير، فقال له: أنت صاحب النقب؟ قال: أنا أخبركم عنه، فأتى مسلمة فأخبره عنه، فأذن له، فقال له: إن صاحب النقب يأخذ عليكم ثلاثاً: ألا تسوّد اسمه في صحيفة الخليفة، ولا تأمروا له بشيء - يعني: من المال - ولا تسألوه ممن هو ولا تستخبروا عن اسمه، قال القائد مسلمة: فذلك له، فقال الرجل: أنا هو، هذا الرجل لأن أمر القائد لا بد أن يطاع، القائد قال: عزمت عليه أن يأتي، لا بد أن يطاع، فكان مسلمة لا يصلي بعدها صلاةً إلا قال: اللهم اجعلني مع صاحب النقب[19].

وهذا مثال رائع لإخلاص العمل لله تعالى، والحرص على إخفائه عن الخلق، فلم يطلب الرجل بهذا العمل الكبير حمد الناس، بل حرص على هدفه فناله، نسأل الله أن يرزقنا الإخلاص له في الأقوال والأعمال، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

 


 


[1] انظر: مدارج السالكين (2/ 91).

[2] انظر: القواعد (1/165).

[3] انظر: التبيان في أقسام القرآن (45).

[4] أخرجه البخاري (1).

[5] أخرجه مسلم (2985).

[6] أخرجه مسلم (1718).

[7] انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ص200.

[8] أخرجه البخاري (3126) ومسلم (1904).

[9] أخرجه النسائي (3140) وصححه الألباني.

[10] انظر: إكمال تهذيب الكمال (1/ 185).

[11] أخرجه البخاري (629) ، ومسلم (1031).

[12] أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (1/255/ رقم162): صحيح لغيره.

[13] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (4534).

[14] أخرجه مسلم (5300).

[15] انظر: شرح رياض الصالحين (1/14) للشيخ ابن عثيمين رحمه الله.

[16] أخرجه البخاري (2118).

[17] أخرجه الترمذي (2465) وصححه الألباني.

[18] انظر: تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي (7/ 139).

[19] انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر (58/ 36).