يقول أحد من تنزه عن الغلو:

وأقتل داءٍ رؤية العين ظالماً    

 يسيءُ ويتلَى في المحافل حمدُه

ومحل تلك التلاوة هنا أن في الدعاء للأئمة من فوق المنابر معنى الثناء والرضا والتولي، وليس وراء ذلك مذهب لخطباء الود وطلاب المجد، وإنما مذهبهم نفي تلك الحقيقة، والزعم أن للدعاء معنى واحداً لا يتعدد، هو معنى الطلب والرغبة والتضرع، وأنه متوجه إلى الله بما تشتد الحاجة إليه، وأي حاجة أشد من حاجة الناس إلى الأئمة والسلاطين؟ وهل يصلح الدين والدنيا إلا بهم؟ وهل صانَع الفُضيل حين قال: «لو أن لي دعوة مستجابة ما جعلتها إلا في السلطان»؟! 

لا جديد في الغلو وجهةً ومسلكاً واعتلالاً، إنما هو أصل يحرف عنوةً، وفرع يُستنبت استكراهاً، آفة في فهم أو خبيئة في ضمير؛ وقديماً أثبت «العز» ما أنكروا، وعكسه مستدبراً ما تيمموا: وقع ذلك حين مشى إليه أهل الدين يستفتونه في ما أتاه صاحب دمشق[1] من إذنه للصليبيين بدخولها ليشتروا السلاح، بعد أن سلمهم من القلاع ما سلَّم، معتضداً بهم على أخيه سلطان مصر، فما كان من الشيخ إلا أن أفتى بتحريم بيع السلاح لهم، وصعد المنبر فأنكر على السلطان ما أنكر، وقطع الدعاء له من خطبته، وصار يدعو: «اللهم أبرم لهذه الأمة إبرام رشد، يعز فيه أولياؤك، ويذل فيه أعداؤك، ويعمل فيه بطاعتك، وينهى فيه عن معصيتك»[2]، ولو لم يكن يفهم من معنى الدعاء إلا الطلب والتضرع والرجاء، فما كان أحراه - وحال السلطان هكذا - أن يسأل الله له الصلاح، والسداد، والتوفيق وغيرها مما يُسأل للملوك، لكن للدعاء على المنابر معنى آخر، علمه الرجل، هو المعنى الذي من أجله دام حرص الخلفاء قبلُ أن يدعى لهم بأسمائهم في الجمع والأعياد.

وذلك المعنى هو عينه مقصود ما أحدثه الفاطميون من أول جمعةٍ نودي لها في جامع الأزهر؛ إذ ألزموا الخطباء أن يطنبوا في الخطب بصلواتٍ محدثاتٍ على السبطين والأبوين وأئمة آل البيت والحفَدة الخلفاء، لا تنفك تتلى بصيغةٍ معلومةٍ، في أثناء العظات وفواتح الدعوات، لا ريب إن تليت تبركًا بذكر عليٍ وفاطمةَ والحسنين - عليهم الرضوان - أنها ضرِبت قبلُ حين ضرِبت لمعنى آخر غير التبرك[3].

ومن الإنصاف القول أن محل الإنكار خلطٌ بين حالين: حالٍ كحال سلطان العلماء وسلطان دمشق، حيث الأجواء معتكرة، والأسماع مستشرفة، ولكل أمةٍ رأي، والبيان قاضٍ لأصحابه أو عليهم، وكل حرفٍ مستنطَق بما وراءه؛ فالقول فيها فعلٌ، والذكر فكر، والدعاء ثناء؛ وحالٍ ليست كحالهما، الضراعة بالتأييد فيها ضراعة بتأييد الدين، أو إحسان المحسن وإن كان في نفسه مسيئاً، لا يشكل على الناس فيها أن الله «يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر»[4]، ولا يختلط عليهم ما علق به ابن المنيِّر على الحديث من قوله: «ومن هذا الوجه استحسان الدعاء للسلاطين بالتأييد والنصر، وغير ذلك من الخير، من حيث تأييدهم للدين، لا من حيث أحوالهم الخارجة»[5]

هذا؛ وقد أطال الغزالي القول في قبول أعطياتهم والدخول عليهم، أما الدعاء فقال فيه: «فلا يحل إلا أن يقول: أصلحك الله، أو وفقك الله للخيرات، أو طول الله عمرك في طاعته، أو ما يجري هذا المجرى. فأما الدعاء بالحراسة وطول البقاء وإسباغ النعمة مع الخطاب بالمولى وما في معناه فغير جائز»[6]، وما أجازه وما حرمه إنما هو في الدعاء بين أيديهم وفي مجالسهم، لما له من معنى غير معناه في الخلوات، وهو على المنابر بمعنى مثله بل يزيد.

 وفي ذلك غنى لمستغنٍ، وكفاية لمن يطلقون أمر الدعاء ولا يقيدونه بأحوال وعوائد، ولا يبصرون فيه معنى المدح والذم، ومن يسوون بين الدعاء فوق المنبر وتحته، ويجعلون دعاء القائم عليه كدعاء الساجد إليه!

 


[1] هو الصالح إسماعيل أخو الملك الصالح نجم الدين أيوب سلطان مصر وقتئذٍ.

[2] انظر «السلوك لمعرفة دول الملوك»، المقريزي (1/407)، و«طبقات الشافعية الكبرى»، السبكي (8/210)، و«البداية والنهاية» (13/134).

[3] انظر «مرآة الجنان»، اليافعي (2/311)، و«اتِّعاظ الحنفا»، المقريزي (1/117).

[4]  جزء من الحديث المتفق عليه: البخاري: عن أبي هريرة، ك الجهاد، ح3062 (2/376)، ومسلم: ك الإيمان، ح111 (1/105).

[5] المتواري على تراجم أبواب البخاري، ابن المنيِّر الإسكندراني، ص180.

[6] إحياء علوم الدين (2/206)، من باب أفرده للكلام «في ما يحل من مخالطة السلاطين الظلمة وما يحرم».