الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:

لا شك أن العالم يمر ببدايات تحولات دولية كبيرة، مع ما يمكن أن يصاحبها من صراعات وحروب لإعادة رسم خريطة عالمية جديدة بدأت تتشكل بشكل متسارع، بسبب رئيس وهو مرور أمريكا - القوة المهيمنة حالياً - بمرحلة اضطراب سياسي واجتماعي شامل يكبر يوماً بعد يوم. والملفت للنظر هو تزايد أثر الأوضاع الداخلية على السياسة الخارجية، أو تنامي اتخاذ إجراءات أو تصريحات تخص الخارج لأهداف انتخابية داخلية، وهي تصرفات خطيرة ستؤدي سريعاً إلى سلسلة من الإخفاقات التي لن تكون القوة العسكرية كافية لتداركها.

وحيث إن الرئيس هو محور رئيس، بل يمكن القول إنه العامل المشترك والفاعل في كل الأحداث الداخلية والخارجية؛ فلا بد من ذكر أهم ملامح شخصية وسيرة الرئيس بما يسمح به المقام ونعتذر مقدماً لتكرار معلومات يعرفها الكثيرون لضرورة تكامل الصورة المطلوبة.

 الرئيس الأمريكي ترمب من أسرة غنية، جده مهاجر ألماني، وكان والده رجل عقارات تقليدياً، نقله والده من مدرسته لما كان عمره ثلاثة عشر عاماً إلى أكاديمية عسكرية في نيويورك للمساعدة في ضبطه، وعمل بعد تخرجه في السلك العسكري، ثم أكمل تعليمه الجامعي ودخل في شركة والده وتولى إدارتها بعد وفاته، حيث بدل اسمها إلى منظمة ترمب، ودخل في مشاريع عقارية غالبيتها  فاشلة أغرقته بالديون، وبرغم أنه باع كثيراً من أصوله فقد احتفظت باسمه وبقي يديرها بطلب من المالكين الجدد، وهم في معظمهم من هونغ كونغ، وأيضاً يلاحظ تركيزه على مشاريع الفنادق والمنتجعات الترفيهية والكازينوهات، مثل «ترمب تاج محل» و«ترمب بلازا» و«ترمب مارينا»، وهو ما يفسر علاقته القوية بالملياردير اليهودي والصهيوني المتطرف شيلدون أديلسون ودعمه الكبير لترمب للوصول للرئاسة، وكان شيلدون ضيف الشرف بالصفوف الأولى في احتفال نقل السفارة الأمريكية في القدس المحتلة، وكذلك اشتغل مبكراً في مجال الإعلام، وكان مقدم برامج ناجح وله شركة تدير مسابقات اختيار ملكات جمال أمريكا، وهو ما يتناسب مع نظرته للمرأة، فهو متعدد العلاقات والزيجات، حيث يلاحظ أن الأولى والثالثة من دول أوربا الشرقية التي كانت خاضعة للاتحاد السوفيتي. وقد نشر باسمه مجموعة من الكتب كان آخرها «أمريكا العرجاء» الذي نشر عام 2015م. ومما يلاحظ أن زوج ابنته الأثيرة يهودي، وأنه محاط باليهود من المدير المالي إلى المحامي،  أي إن أسراره المالية والاجتماعية بيدهم، وبينما محاميه كان يتغنى أنه سيتلقى الرصاصة بدلاً منه فإنه سرعان ما باعه وتعاون مع المحقق مولر، وأظن أن مقدار الاعترافات ومجالها يتم بحسب مخطط ابتزاز يهودي للرئيس الذي برغم حياته الشخصية المنطلقة فقد تحول لمغازلة التيار الإنجيلي والمتطرفين البيض واعتمد على التحالف معهم. ومن الغريب أنه لا يذكر في سيرته متى انضم للحزب الجمهوري ولا ما هي المناصب السياسية التي أهلته لترشيح الحزب الجمهوري له بفارق كبير عن منافسيه، إنها علامة استفهام كبيرة، فهو من خارج الطبقة السياسية وحتى إن أحد مناصريه صرح في إحدى القنوات لتبرير أحد قراراته بأن ترمب رجل أعمال وليس سياسياً.

نعم، أمريكا رئيسها ليس سياسياً محنكاً، ولا رجل أعمال ناجحاً، بل رجل يطبق شعار إحدى شركاته التي أنشأها: «أنت مطرود»، على الطاقم العامل معه، المخير بين تنفيذ أوامر الرئيس أو الطرد، وأصبحت أمريكا وعلاقاتها مع الدول الأخرى تدار أو تتأثر بتغريدات الرئيس عبر تويتر، والتي لا يعلم هل هي ناتجة عن تصرفات ذاتية تسيطر عليها إرادة الانتصار والخروج من دائرة الحصار، أم نابعة عن فريق مستشارين غير معلن.

بغض النظر عن الشعارات الشعبوية من نحو «أمريكا عظيمة من جديد»، و«محاربة الهجرة»، ورفع شعار «أمريكا أولاً»، فإن الملاحظ أن الفشل الأكبر هو في إقناع حلفاء أمريكا وأتباعها أن أمريكا بلد يُعتمد عليه في بناء علاقات مستقرة سياسياً أو اقتصادياً، بعيدة عن الفوقية والاستعلاء، وكثرة لازمة «يجب أن»، والانسحاب من الاتفاقيات الموقعة، وعدم التوقيع على بيانات القمة المشاركة فيها.

لقد أعلنت أمريكا حرباً تجارية عن طريق رفع الضرائب على الواردات، بل والتهديد بخنق بلدان كانت حليفة إلى عهد قريب، وهو مما سيقوي سعي البلدان للبحث عن مظلة للتجارة أكثر أمناً ورفع شعار استبعاد الدولار من تسعير السلع، وهو في حالة تنفيذه ونجاحه يعد أكبر ضربة يمكن أن توجه لأمريكا، فمن يتباكى على أن الدول تسرق أمريكا يتناسى أن الدول تبيع ثرواتها ونتاج مصانعها وجهد عمالها بورق تنتجه المطابع ليس له رصيد سوى قوة أمريكا وسطوتها.

إنها مفارقة أن تجبر الدول على الابتعاد عن أمريكا ومحاولة بناء تكتلات اقتصادية وسياسية بل وعسكرية بسبب سياسات وتصرفات أمريكية، فهذا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يقول إن بلاده تسعى لإقامة شراكة إستراتيجية مع دول مثل تركيا وروسيا، لصالح علاقة مستقرة مع الاتحاد الأوربي. فهل يأتي اليوم الذي تجد فيه أمريكا نفسها وحيدة نتيجة سياسات صنع الأعداء وإشعال الفتن في المجتمعات والتي ارتدت حتى على الداخل؟ وعلى سبيل المثال هناك قضايا المهاجرين والسود، والجدار الحاجز مع المكسيك، ورفع الجمارك على الواردات من كندا، والصراع السياسي الاقتصادي مع دول الاتحاد الأوربي والصين، وتسخين العلاقة مع تركيا، وأخيراً التخبط والحيرة في إدارة ملف العلاقات الإستراتيجية مع الروس، وسنركز على العلاقة مع تركيا وروسيا لعلاقتهما الوثيقة بالوضع الداخلي.

بالنسبة لتركيا فإن محاولة الخروج من الهيمنة الأمريكية كلفتها عدة انقلابات عسكرية وإعدام رئيس الوزراء عدنان مندريس، وكان فشل آخر انقلاب أدى إلى محاولة اجتثاث النفوذ الأمريكي والغربي من الجيش والإدارة، وبينما كانت الآلة الإعلامية التركية تؤكد الدور الأمريكي المباشر في دعم الانقلاب بل وتدبيره ورعاية مشروع كردستان الكبرى لتقسيم تركيا، فإن الخطاب الرسمي اكتفى بالمطالبة بتسليم جولن وقطع الدعم عن حركة سوريا الديمقراطية بدعوى ارتباطها بحزب العمال الكردستاني، والقبض على أمريكي يتقمص شخصية راهب واتهامه بعلاقات مع تنظيم جولن وحزب العمال، وفي أيام أوباما كانت أمريكا تسير حثيثاً في مشروع دعم الأكراد وتركيع تركيا مع الاستمرار في تخدير الأتراك وإظهار الحرص على علاقات التحالف، ومن ثم لم يسلم جولن، ولم يركز على المعتقل حتى لا يرتفع سقف الاتهامات التركية، ولما جاء ترمب وبعد فترة عسل بسيطة زاد الدعم المعلن للأكراد وانتهى بتوجيه أمر بإطلاق المسيحي الطيب المسجون بلا سبب! إنه خطاب غزل للتيار الإنجيلي في الداخل، فهل يكون ثمنه إظهار الأتراك رسمياً ما يعرفونه عن الدور الأمريكي المباشر في الانقلاب، وكشف حقيقة الكاهن المسكين ودوره الحقيقي في تركيا حالياً والعراق سابقاً، لقد أدى أسلوب ترمب المباشر في استهداف تركيا كبلد إلى زيادة الحس الشعبي ضد أمريكا، وزيادة المخاطر على عملائها وإحراج أصدقائها في تركيا، مما يطلق يد الحكومة في انتهاج سياسة مستقلة خالية من التنسيق والتشاور المفروضة سابقاً.

أما روسيا ففي رحلة الصعود من الهاوية كانت مضطرة لتقديم خدمات أمنية وعسكرية لأمريكا في أفغانستان والعراق وإفريقيا من أجل السماح لها بالجلوس على المائدة، ولا يخلو الأمر من احتكاكات في أبخازيا والقرم ومحاولة العودة تدريجياً لمنطقة نفوذها السابقة، وكانت آخر خدمة هي تعويم نظام الأسد في سوريا، بينما تفرغت أمريكا للمشروع الكردي، ولكن الذي حصل أن المخابرات الأمريكية اكتشفت قبيل الانتخابات محاولات تدخل خارجية للتأثير على النتيجة ودعم أحد المرشحين بأساليب تتعدى الدعم المادي إلى عمليات تجسس واختراق ودعاية سوداء ضد الخصوم. لقد أعلن فوز ترمب واستمرت التحقيقات ببطء وحذر شديدين أشبه بعملية جراحية دقيقة، فكيف تتم إدانة الروس وتبرئة اليهود؟ وكيف يمكن الحفاظ على النظام السياسي القائم وهو المخترق من جميع لوبيات الضغط؟ وكيف تتم إدانة مجرم وحيد قادم من خارج المنظومة السياسية؟ وما هي طبيعة العلاقة بين بوتين وترمب؟ وكيف يمكن قراءة تصرفات ترمب في قمة هلسنكي؟ وكيف بدا حملاً وديعاً وهو العنيد المتهور؟ وماذا دار في الاجتماع المغلق بينهما؟

إنها أسئلة لن يكون لها إجابة معلنة، لأن أمريكا تفهم أن استعداء الروس الذين بدأوا بالخروج عن النص والدخول معهم في صراع سيكون ثمنه باهظاً قد يفقد أمريكا مكاسبها أيام تفردها، ولذا فمن المرجح حصار ترمب وإرهاقه حتى يستقيل ويقفل الملف بأقل الخسائر، مع أن ترميم العلاقات واستعادة الثقة لن يكون سهلاً إن لم يكن مستحيلاً، ومن يصدق أن الرئيس الأمريكي ترمب يغيب مجبراً عن جنازة السياسي والنائب الجمهوري ماكين التي حضرها الجميع؛ فقد أوصى قبل موته تحديداً بعدم حضور ترمب جنازته، فهل يرتد عليه شعاره: «أنت مطرود»؟!