لايزال الجرح نازفاً في أصقاع الوطن العربي منذ أن جثمت الغدة السرطانية الصهيونية على أرض فلسطين حيث المجازر والمذابح البشعة، فالنفسية الصهيونية تأبى إلا أن تبرز حقدها الملفوف بثوب اللاإنسانية واللاأخلاق، فلا يكتفون بإزهاق أرواح الشهداء ظلماً وبهتاناً بل يتجاوز ذلك إلى احتجاز جثامين الشهداء في خطوة لمعاقبة الفلسطيني حياً كان أو ميتاً بدون أي احترام للشعائر السماوية والقوانين الإنسانية، فاحتجاز الجثامين وعدم إكرامها بدفنها ما هو إلا إهانة للإنسانية جمعاء.

تساؤلات:

حيث تحتجز سلطات الاحتلال عدداً غير معروف من جثامين الشهداء الفلسطينيين والعرب الذين استشهدوا في مراحل مختلفة منذ احتلال فلسطين من قبل الصهاينة عام 1948م، وذلك في ما يسمى بمقابر الأرقام، فما هي تلك المقابر؟ وكم جثة محتجزة فيها؟ وأين تقع؟ وما الهدف الصهيوني من وراء ذلك؟ وماذا قال أهالي الشهداء المحتجزة جثامينهم في تلك المقابر؟ وهل احتجاز جثامين الشهداء موافق لما جاء في القانون الدولي والإنساني؟

أرقام ولا شواهد:

مقابر الأرقام هي مقابر سرية أنشأها الاحتلال الصهيوني، حيث تحاط القبور فيها بالحجارة دون شواهد، ومثبت فوق كل قبر لوحة معدنية تحمل رقماً معيناً، ومن هنا جاءت التسمية (مقابر الأرقام)، لأنها تتخذ الأرقام بديلاً لأسماء الشهداء، ولكل رقم ملف خاص تحتفظ به الجهة الأمنية الصهيونية المسؤولة، ويشمل المعلومات والبيانات الخاصة بكل شهيد.

أعداد كثيرة:

يبقى عدد الجثامين المحتجزة في تلك المقابر غير معروف بسبب التكتيم والتضليل الذي تمارسه سلطات الاحتلال بهذا الشأن، ولكن الكيان كان قد اعترف أنه يحتجز 119 جثماناً، في حين أكدت (الحملة الوطنية لاسترجاع جثامين الشهداء الفلسطينيين والعرب والكشف عن مصير المفقودين) في بيانها الصادر بتاريخ 27/8/2017م احتجاز الاحتلال لجثامين نحو 249 شهيداً في مقابر الأرقام و10 شهداء آخرين في ثلاجات، إضافة إلى وجود 67 مفقوداً، ولا تزال المصادر الفلسطينية تؤكد وجود أعداد أكثر من ذلك بكثير في تلك المقابر.

المقابر الأربعة:

كشفت بعض المصادر الصحفية العبرية والأجنبية في السنوات الأخيرة معلومات عن أربع مقابر أرقام أولها مقبرة الأرقام المجاورة لجسر بنات يعقوب، والتي تقع في منطقة عسكرية عند ملتقى الحدود الفلسطينية السورية اللبنانية، وأفادت تلك المصادر بوجود ما يقرب من 500 قبر فيها لشهداء فلسطينيين ولبنانيين، أغلبهم ممن ارتقوا في حرب 1982م، ومقبرة أخرى واقعة في المنطقة العسكرية المغلقة بين مدينة أريحا وجسر دامية في غور الأردن، وهي محاطة بجدار عالٍ فيه بوابة حديدية معلق فوقها لافتة كبيرة كتب عليها بالعبرية: مقبرة لضحايا العدو. ويوجد فيها أكثر من مئة قبر، وتحمل هذه القبور أرقاماً (من 5003 إلى 5107)، وهذا التسلسل الرقمي غير معروف ما إذا كان لتعداد القبور في مقابر أخرى أم كما يدعي الاحتلال أنها مجرد إشارات ورموز إدارية، لا تعكس العدد الحقيقي للجثث المحتجزة في مقابر أخرى، أما المقبرة الثالثة التي تم الكشف عنها فهي مقبرة ريفيديم وتقع في غور الأردن، والمقبرة الرابعة تقع في شمال طبريا وهي عبارة عن نحو 30 ضريحاً في صفين طويلين، ينتشر في وسطها نحو 20 ضريحاً، وتلك القبور قليلة العمق لا تليق بكرامة الإنسان كما أن تلك القبور معرضة للانجراف، فتظهر الجثامين منها، لتصبح عرضة للكلاب الضالة والوحوش المفترسة.

ماذا قالت حماس؟

حركة حماس وعلى لسان القيادي فيها د. ماهر صبرة قالت: «مقابر الأرقام هي صورة من صور المعاناة الفلسطينية المتجددة جراء الإجرام الصهيوني غير الإنساني الضارب بعرض الحائط كل الاتفاقيات والمعاهدات العالمية لحفظ كرامة الإنسان».

وأضاف د. صبرة أن الشعب الفلسطيني لم يألُ جهداً لتحقيق مطالبه، ولا بد أن يوضع هذا الملف المؤلم في سلم أولويات القيادة الفلسطينية بكل أطيافها وكذلك في سلم أولويات المقاومة الفلسطينية بالضغط على الاحتلال لاسترجاع الجثامين المحتجزة.

ووجه د. صبرة رسالة إلى حكومة الاحتلال بأن هذه الطرق غير الإنسانية لن تثني الشعب الفلسطيني وقيادته عن مواصلة المسير النضالي بل ستزيده إصراراً على تحرير كامل فلسطين.

وختم د. صبرة حديثه قائلاً: «نشدد على ضرورة إيجاد دعم دولي في كافة الميادين السياسية والقضائية لإنهاء هذا الملف المؤلم لكل أحرار العالم الذين من المفترض أن يتعاملوا مع القضية كقضية إنسانية، فالشهيد هو إنسان له كرامة في حياته وبعد مماته أيضاً كما أن له أهلاً يتألمون ليل نهار لوجود ابنهم في تلك المقابر المهينة لكرامة الإنسان».

السادية الصهيونية:

من جانبه قال د. فيصل أبو شهلا، النائب عن حركة فتح في المجلس التشريعي: «مقابر الأرقام ما هي إلا وجه من أوجه السادية والتلذذ بتعذيب الضحايا والتي تمارسها سلطات الاحتلال كأيدلوجيا متبعة في الفكر الصهيوني».

وأضاف د. أبو شهلا أن استمرار الاحتلال في احتجاز جثامين الشهداء يجري في ظل تغافل وغض الطرف عن هذه الجريمة من قبل أغلب دول العالم.

وطالب د. أبو شهلا المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية العالمية بالعمل بشكل جدي على وقف هذه الجريمة الصهيونية ووقف الغطرسة الصهيونية المتزايدة يوماً بعد يوم.

الإرهاب المستحدث:

عن تلك المقابر قال المحلل السياسي د. حسام الدجني: «لعل الكيان الصهيوني هو من أكثر الدول إبداعاً في استحداث جرائم إرهابية، ولعل من الحالات الفريدة التي يتميز بها عن كل دول العالم هي امتلاكه سجوناً للموتى، ولعل هذا الكيان قد انفرد بطبعه الإجرامي في فرض عقوبات على الجثث».

الهدف الصهيوني:

أوضح الدجني أن هدف قوات الاحتلال من وراء حجز جثامين الشهداء يتمثل في زيادة استخدام تلك الجثث كوسيلة ضغط في صفقات التبادل التي تجري بينه وبين المقاومة الفلسطينية والحكومات العربية، وكذلك يهدف الاحتلال إلى قمع المقاومة الفلسطينية في محاولة منه لتهديد المقاومين الأحياء بعبارة: لن تخرجوا أحياء ولا أموات.

وأضاف الدجني أن قوات الاحتلال تستخدم سياسة الباب الدوار كما تفعل مع الأحياء تماماً، فتفرج عن جثمان ثم تعود لتأسر جثماناً آخر، في عملية لا تنتهي، وتحت إطار صمت المجتمع الدولي عن تلك الجرائم المخالفة لقواعد القانون الدولي والأعراف والقيم السماوية والأخلاقية.

وختم الدجني يديثه قائلاً: «إن الكيان العبري يستحق بجدارة ملاحقته كأداة إجرامية وإرهابية؛ فمقابر الأرقام أحد أشكال الإرهاب المتعددة التي يمارسها على الفلسطينيين، في حين يصنف العالم ضمن ازدواجية معايير منحازة إلى الاحتلال بينما تصف الفلسطينيين والعرب بالإرهاب».

حرقة وألم:

قال والد الشهيد مصعب السلول (23عاماً) والذي استشهد خلال مسيرات العودة التي اندلعت بتاريخ 30/3/2018م أنه فقد الاتصال بابنه مصعب في اليوم الأول من مسيرات العودة إلى صبيحة اليوم التالي دون أي أخبار عنه، ولكنه تفاجأ بنشر الاحتلال صورة ابنه عبر مواقع التواصل الاجتماعي وهو مضرج بالدماء.

وأضاف السلول أن مشاعر الحرقة والألم على فقدان ابنه زادت بعدما أخبرته مؤسسة الصليب الأحمر أن ابنه محجوز لدى سلطات الاحتلال، حيث كان يتمنى احتضان جثمان ابنه الشهيد، ومن ثم السير في جنازته وتلحيده في قبره لزيارته كل أسبوع لاسيما أن ابنه الحافظ للقرآن الكريم أوصى والده بزيارته في قبره والدعاء له.

 

هل من أمل لعودة الجثمان؟

يتوقع السلول عودة جثمان ابنه ضمن صفقة تبادل بين حركة حماس وسلطات الاحتلال لاسيما أن الحديث يتزايد عن وجود محادثات لصفقة تبادل يتم فيها الكشف عن مصير الجنديين شاؤول آرون وهدار جولدن المحجوزين لدى كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس.

وناشد السلول منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية وكافة جمعيات حقوق الإنسان والجمعيات الدولية بالضغط على الاحتلال ومنع سياسة الاحتلال باحتجاز جثامين الشهداء.

منعوه من إكرام ابنه:

كان الشهيد محمد الربايعة (23 عاماً) قد استشهد برفقة صديقه مصعب السلول حيث قال والده إن الاحتلال قد حرمه من ابنه ومن إكرام ابنه بدفنه، وذلك ضمن عنجهية صهيونية ما غابت عن المشهد الفلسطيني منذ 1948م.

ويكمل الربايعة حديثه قائلاً: «لست أعلم أي شيء عن مكان تواجد جثمان ابني، وكل ما أتمناه أن يتم إرجاعه ليوارى في تراب الأرض التي لطالما عمل معي جنباً إلى جنب في زراعتها وفلاحتها».

وكانت عائلتا السلول والربايعة قد قدمتا شكوى إلى المحكمة الصهيونية العليا وذلك لإرجاع جثامين ذويهما، ولكن رد الاحتلال كان عسكرياً بأن هذه الجثامين لن تعود إلا بإعادة حماس للجنود الإسرائيليين المفقودين.

وأعلن الاحتلال على لسان منسق أنشطته يوآف مردخاي عن احتجاز جثماني الشهيدين (السلول والربايعة) مبيناً أن الجثمانيين انضما إلى 24 جثماناً تحتجزها سلطات الاحتلال منذ 2014م.

فحص الحمض النووي:

أما والدة الشهيد أنور سكر فما تزال منذ 24 عاماً تنتظر عودة جثمان ابنها الشهيد الذي تحلم في كل يوم أن تقبل جبينه وتقيم له عرس الشهادة، على حد تعبيرها.

وقامت عائلة الشهيد سكر قبل ما يقارب العام بإجراء فحص الحمض النووي في داخل معبر بيت حانون بين قطاع غزة والأراضي المحتلة، لمطابقة العينات على رفات وأشلاء ابنهم أنور المحتجزة في مقبرة شهداء الأرقام منذ عام 1995م، وجاء هذا الإجراء بعد قيام العائلة برفع دعوى قضائية لاسترجاع جثمان ابنهم.

 واعتمد الاحتلال في الفترة الأخيرة على طلب فحص الحمض النووي لعديد من أهالي الشهداء المحتجزة جثامينهم، ويتم ذلك دون إفصاح الاحتلال عن موعد محدد لتسليم الجثامين.

وطالبت والدة الشهيد سكر المجتمع العربي والدولي بضرورة التحرك ومساندة العائلة في استعادة جثمان ابنها معبرة عن ذلك بقولها: «ابني استشهد وهو يدافع عن فلسطين وآن الأوان أن يدافع الجميع عن جثمان ابني الطاهر».

انتهاكات للقانون الدولي:

قالت المحامية ميرفت النحال، منسقة وحدة المساعدة القانونية في مركز الميزان لحقوق الإنسان، إن سلطات الاحتلال تمارس منذ ستينات القرن الماضي انتهاكات مخالفة للقانون الدولي والإنساني وللعادات والتقاليد بخصوص الجثامين.

وأضافت النحال أنه تم العمل على تقديم مجموعة من الالتماسات القانونية أمام المحكمة الصهيونية العليا، ولكن الاحتلال اتبع سياسة المماطلة في الرد، كما تم العمل أيضاً على مخاطبة المستشار القضائي والمدعي العام العسكري في حكومة الاحتلال للحصول على معلومات بشأن الجثامين المحتجزة وكان الرد على تلك المخاطبة القانونية بوجود قرار وزاري في حكومة الاحتلال يقضي باحتجاز تلك الجثامين تحت بند جثث المخربين، واستخدامها في عمليات التبادل.

مخالف لاتفاقية جنيف:

أكدت النحال أن استمرار الاحتلال في احتجاز جثامين الشهداء مخالف لمبادئ القانون الدولي، ومخالف لاتفاقية جنيف.

 وشددت اتفاقيات جنيف الثلاث الأولى لعام 1949م على الحق في قيام أطراف النزاع بالبحث عن جثث القتلى وتسجيل هوياتهم واحترام جثثهم مع مراعاة الشعائر الدينية لهم عند دفنهم.

وتبقى جثامين الشهداء شاهداً على هذه الجريمة الصهيونية كما تبقى تلك الجثامين تنتظر شواهدها أن توضع عليها بشكل يليق بتضحيات أصحابها، كما تبقى صرخات الثكالى والآباء وأهالي الشهداء صادحة لعلها تجد من يسمعها ويقف الوقفة المطلوبة لإرجاع جثامين أبنائهم في ظل الانتهاكات الصهيونية للمعايير الإنسانية والقانونية.