تأتي هذه المداخلة التربوية الحوارية مع الدكتور عماد بن سيف العبداللطيف المشرف التربوي بوزارة التربية والتعليم السعودية، وعضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ضمن اللقاءات الأسبوعية المتجددة في ندوة «الوفاء» الثقافية في الرياض لعميدها الشيخ أحمد باجنيد رحمه الله، إذ حدثنا في عدة محطات عن التأثير الكبير لحفظ القرآن الكريم في التحصيل الدراسي، وترسيخ القيم الأخلاقية الفاضلة.

مجلة البيان: يثار أحياناً في وسائل الإعلام المتنوعة المغرضة ارتباط حفظ القرآن الكريم بالعجز والتأخر الدراسي. ما ردك على ذلك؟!

لقد ثبت عكس ذلك تماماً علمياً، لأن هذا القرآن مبارك كما أنزله الله سبحانه وتعالى:{وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ} [الأنعام: 92]، ولأنه يهدي للتي هي أقوم: {إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: ٩]، لذا فإن حفظ القرآن الكريم له تأثير عظيم في سمو الأخلاق الفاضلة من صدق، وبر بالوالدين، وأمانة، وأدب في الحديث، ونظافة، وكذلك تقدم في الدراسة، وليس هذا ظنوناً وخيالاً بل ثبت من خلال دراسة علمية جادة قمت بها بعون الله وفضله، وجاء تحليلها ورصدها من خلال كوكبة من خبراء التربية، وعلماء الدراسات الحديثة. ومن هنا ندرك المعنى العظيم لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم  في قوله عن ترتيل القرآن الكريم: «اقرأ ورتل وارتق كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرأها»[1].

مجلة البيان: ما الأسئلة التي طرحتها؟ وما المنهج الذي اتبعته في دراستك؟

طرحت عدة أسئلة في مجال تأثير حفظ القرآن الكريم على القيم الأخلاقية والتحصيل الدراسي منها:

ما العلاقة بين الطالب بحلقات القرآن الكريم وتقديره الدراسي العام؟

ما مدى اتصاف الطلاب الملتحقين بحلقات تحفيظ القرآن الكريم بقيم: الصدق، بر الوالدين، الأمانة، النظافة، أدب الحديث؟

هل توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين أفراد عينة الدراسة في اتصافهم بهذه القيم الأخلاقية، باختلاف صف التحاقهم بحلقات تحفيظ القرآن الكريم؟

أما منهج الدراسة الذي طبقته فقد التزمت بثلاثة مناهج هي:

أ- المنهج المسحي الوصفي (أي قياس الموجود وغير الموجود من القيم).

ب- المنهج الارتباطي (أي قوة الارتباط: أهي سلبية أم إيجابية؟).

ج- المنهج التتبعي (أي بالمسح المستعرض للفصول من الرابع إلى الأول المتوسط).

مجلة البيان: دعنا نتحدث عن مجتمع الدراسة وسبب اختيارك للصف الأول المتوسط.

كان مجتمع دراستي هذه هو طلاب الأول المتوسط في حلقات تحفيظ القرآن الكريم إذ كان عددهم (6516) طالباً، وزعوا على (عشرة مراكز) في (946) مسجداً، وعدد الحلقات كان (4171) حلقة، أما سبب تحديد طلاب الأول المتوسط فكان لما يأتي:

أ- الحد من كثرة المتغيرات التي تؤثر على الطالب كلما تقدمت به المرحلة العمرية.

ب- ليكون للطالب تاريخ في الحلقات، فيمكن قياس التحاق الطالب بحلقة تحفيظ القرآن الكريم، وربطه بمتغيرات النتائج في هذه الدراسة حيث إن بعض الطلاب كانوا في الصف الرابع وآخرون في الصف الأول المتوسط.

مجلة البيان: لكن السؤال: لماذا جاء تحديد اختيار القيم الخمس هذه دون غيرها؟!

في حقيقة الأمر أنه تم حصر القيم الأخلاقية بما يقارب (18) قيمة، وعرضت على خبراء تربويين ومشرفين، وقد حددوا خمس قيم وهي: الصدق، بر الوالدين، الأمانة، النظافة، أدب الحديث.

وعمدت إلى عينة مقدارها (1000) طالب، وكانت العينة في (164) مسجداً تتبع لثمانية مراكز لتحفيظ القرآن الكريم، وعدد الطلاب كان (848) طالباً.

مجلة البيان: أخيراً.. لعلك تستعرض لنا بإيجاز نتائج دراستك النهائية.

لا شك أن نتائج الدراسة تثبت ارتفاع التحصيل الدراسي للطلاب كلما طالت مدة التحاقهم بحلقات تحفيظ القرآن الكريم بنسبة 6.3% كما انخفضت نسبة الطلاب الحاصلين على تقدير مقبول من 6% إلى 1%، وكذلك كان التأثير واضحاً في اتصافهم بالقيم الأخلاقية، وارتفاع هذه النسبة لديهم بمجرد التحاقهم بالحلقات. وهي قيم الصدق، وبر الوالدين والأمانة، والنظافة، وأدب الحديث، كما تبين من الدراسة أنه لا توجد فروق أخلاقية باختلاف صف التحاقهم، بل بمجرد ارتباط التلميذ بحلقات تحفيظ القرآن الكريم الذي يهدي للتي هي أقوم يبدو التأثير الأخلاقي مباشرة، ولا يحتاج إلى وقت، ولعل هذا بالتأكيد من إعجاز القرآن الكريم في مضمونه وقيمه وتأثيره.

بينما نجد أنه كلما زادت مدة التحاق التلاميذ بحلقات تحفيظ القرآن، زاد حفظهم وقويت ذاكرتهم واستيعابهم، مما يجعلهم يتفوقون دراسياً.

أما تأثير حفظ القرآن الكريم ومراجعته على البعد عن المعاصي والجرائم فيبدو واضحاً وجلياً، فنجد أن نسبة العودة للجريمة في السجون السعودية لمن لم يلتحقوا بتحفيظ القرآن الكريم هي 18%، بينما أصبحت نسبة العودة للجريمة لمن حفظ جزءين 1.5%، وكانت نسبة العودة للجريمة لمن حفظ القرآن الكريم كاملاً هي صفر.

بينما نجد في السجون الغربية نسبة العودة للجريمة 50%.

 


[1] رواه الترمذي 2914، وأبو داود 1464، وصححه الألباني في صحيح أبي داود.