بقيت اللغة العربية مقاومةً لمحاولات الطمس والإماتة التي تراد لها، الأمر الذي أهّلها أن تبقى حيّة منتشرة، مقارنة بكثير من اللغات التي اندرست أو تكاد مثل اللغة المهرية، أو تلك التي انحصر استخدامها على نطاق ضيق جداً مثل اللغة العبرية. ولعل ارتباط العربية بالإسلام والقرآن هو الذي جعلها كذلك، إضافة إلى كونها غنية جداً بالمفردات التي قلّ أن توجد في لغة أخرى، كما أنها استطاعت أن تستوعب كل جديد وحديث مع المحافظة على نقائها من الدخيل[1]، فهي القائلة على لسان حافظ إبراهيم:

وسعتُ كتاب الله لفظاً وغايةً

 وما ضقتُ عن آيٍ به وعظات

فكيف أضيقُ اليوم عن وصف آلة

 وتنسيق أســماء لمخترعات

في هذا المقال سنتناول إحدى مشكلات اللغة العربية، التي ظهرت في الآونة الأخيرة وارتبطت بالتقنية الحديثة، تلك هي مدى تأثر اللغة العربية وتأثيرها في مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر.

إن معرفة حال اللغة العربية مع مواقع التواصل الاجتماعي سلباً وإيجاباً لها أهمية كبيرة؛ نظراً للأعداد الكبيرة من متابعي هذه المواقع، حيث أصبحت أعداد المشتركين تحسب بمئات الملايين من الأشخاص بعدما كانت بالآلاف خصوصاً مع المواقع الشهيرة كفيسبوك، وتويتر وإنستغرام ولينكد إن، حيث يستطيع هؤلاء الأشخاص أن يتواصلوا فيما بينهم ويتبادلوا المعلومات بمختلف صورها وأشكالها وبشكل آني. هذا إضافة إلى المؤسسات سواء التابعة للقطاع الحكومي أو الخاص، فعلى سبيل المثال، أكثر من 81% من المؤسسات في السعودية تمتلك صفحة على فيسبوك، و52% منها تمتلك حساباً على تويتر[2].

ولعل أهم إيجابية لهذه المواقع أن عدداً من منصات التواصل الاجتماعي دعمت اللغة العربية، وهذا أدى إلى تواجد كبير للمحتوى العربي على الإنترنت عموماً وإن كانت جودة المحتوى لا تزال ضعيفة. ولا شك أن دعم منصات التواصل الاجتماعي للغة ما سواء كانت العربية أو غيرها ليس حباً في اللغة أو أهلها بقدر ما هو كسب لمزيد من المتابعين والمشتركين والذي يؤدي في الأخير إلى زيادة الأرباح المادية. ومع ذلك فلا مانع أن يستفيد الناطقون بالعربية من هذا الدعم وأن يسخروه في المزيد من الحضور على الإنترنت.

السلبيات:

أما أهم سلبيات مواقع التواصل الاجتماعي على اللغة العربية فيمكن عرضها في ما يلي:

أولاً: عدم اكتراث المشتركين بهذه المواقع من وقوعهم في الأخطاء اللغوية سواء كانت نحوية أو إملائية. وليس مقصودنا تلك الأخطاء اللغوية التي قد لا يستطيع أن يتجنبها إلا المتخصص في اللغة، ولكن حديثنا عن الأخطاء التي تدل على عدم إلمام بأبجديات العربية كعلامات إعراب الفاعل والمفعول به أو المبتدأ والخبر (أخطاء نحوية)، وكذلك عدم التفريق في الاستعمال بين بعض الحروف التي قد تتشابه في الظاهر وتختلف في الوظيفة مثل عدم التمييز بين التاء المربوطة والهاء، وبين التاء المربوطة والتاء المفتوحة، وبين الألف الممدودة والألف المقصورة، وبين الضاد والظاء وهذه أمثلة على الأخطاء الإملائية، ومما يدخل في عدم الاكتراث بالأخطاء اللغوية نطق الكلمات خطأ خصوصاً مع انتشار ظاهرة الكتب الصوتية وهي ظاهرة حسنة، ولكن الإشكال فيها هو قراءة الكثير من كلمات الكتاب بشكل خاطئ نظراً لأن الكلمات غير مشكولة في الكتاب المقروء، الأمر الذي يجعل القارئ لا يعرف الصواب في نطقها، فيجتهد في نطقها كيفما اتفق معه.

ثانياً: التعريب والترجمة في مقاطع الفيديو المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، فالعديد من المقاطع غير العربية والتي قد يكون بعضها مفيداً، يتم ترجمتها للعربية ومن ثم نشرها على مستوى الناطقين بالعربية، ونظراً لأن الترجمة تمت من غير المتخصصين وفضلاً عن كون الترجمة غير دقيقة فإن الترجمة ذاتها يكتنفها الكثير من الأخطاء اللغوية.

ثالثاً: ظهور لغة جديدة لا تلتزم بقواعد العربية، وهذا يشمل أمرين: الأول ظهور لغة هجينة بين العربية والإنجليزية، وبين الحروف والأرقام، وهو ما اصطلح عليه «العربزي»[3] أو «العربتيني»[4]. الأمر الثاني: ظهور لغة عربية مختصرة، بحيث يتم إسقاط عدد من حروف الكلمة الواحدة كما هو الحال مع حروف الجر وحروف النداء.

حلول مقترحة:

إن مجرد التحذير من سلبيات مواقع التواصل الاجتماعي على اللغة العربية لن يحل المشكلة، فلا بد من حلول ومقترحات تساعد على حل المشكلة، الأمر الذي سيؤدي بإذن الله إلى تعزيز مكانة اللغة العربية في عالم التواصل الاجتماعي وسيحفظ منزلتها التي تبوأتها ردحاً من الزمن. من تلك الحلول ما يلي:

أولاً: الاستثمار والوقف في كل ما يتعلق باللغة العربية في عالم التقنية، ومن ذلك الاستثمار في مجال البرمجيات العربية وتعريب الأنظمة المهمة التي يحتاجها الأفراد والمؤسسات، ومن ذلك أيضاً الوقف على خدمة اللغة العربية في مواقع التواصل الاجتماعي، والناظر في تاريخ الوقف عند المسلمين يجد أنهم تفوقوا على الأمم المعاصرة، فقلّ أن تجد أمراً من أمور الخير عموماً إلا وللمسلمين وقف عليه[5]، ولا شك أن لغة القرآن أولى بالوقف من غيرها.

ثانياً: تطبيق اللوائح الرسمية والتي تنص أغلبها على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية في كل المجالات، والأحسن هو عدم الاكتفاء بسن التشريعات التي تلزم الناس باستعمال اللغة العربية بل الواجب تطبيقها على أرض الواقع وسن التشريعات لمعاقبة من يخالف ذلك.

إن أخذ هذا الموضوع بجدية في التطبيق يستلزم استعمال العربية بشكل صحيح في حسابات الجهات الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، فمن غير المنطق أن حساباً رسمياً في مواقع التواصل يمثّل وزارة أو هيئة أو جمعية لا يستخدم اللغة العربية الصحيحة، أو أن تكون ردودهم على متابعيهم مليئة بالأخطاء اللغوية، فإن كان مثل هذا يُقبل أحياناً من الأفراد فإنه لا يقبل من الجهات الرسمية التي هي ملزمة باستخدام العربية كلغة رسمية خصوصاً أن تلك الجهات تهتم إلى حد كبير باللغة في معاملاتها الورقية، واليوم تعتبر حسابات التواصل الاجتماعي بمثابة وثائق رسمية لتلك الجهات.

ثالثاً: إيجاد برامج عملية، ومن تلك البرامج العملية المقترحة ما يلي:

1- عقد الدورات التدريبية: فالمشاهَد اليوم هو عقد دورات لتعليم الإنجليزية أو الحاسب الآلي أو تنمية الشخصية، وتكاد تنعدم الدورات التدريبية لتعليم اللغة العربية، ومثل هذه الدورات يحتاجها غير الناطقين بالعربية إضافة إلى أعداد كبيرة من الناطقين بها نظراً لقلة تمكنهم في لغتهم الأم خصوصاً إذا كانت مِهَنُهم تستلزم نوع اهتمام باللغة كما هو الحال مع الإعلاميين، والصحفيين، وكذلك المشاهير في مواقع التواصل الاجتماعي.

2 - الاستفادة من تجارب الآخرين من غير العرب: لا يخفى على ذي لب أن اللغة تعتبر ركيزة أساسية لهوية أي أمة من الأمم، ولذلك اهتم الكثير من أمم الأرض وشعوبها بلغاتهم خوفاً أن تندثر كما اندثرت لغات أخرى، ولذلك تجد أن عدداً من البلدان الغربية والشرقية كفرنسا وألمانيا والصين واليابان تطلب استخدام لغتها الأصلية في جميع الأحوال والمناسبات لكل من يقطن تلك البلدان، والملاحظ أنهم نجحوا إلى حد كبير في المحافظة على لغاتهم برغم هيمنة اللغة الإنجليزية على مجال التقنية. والحاصل هو أن نستفيد من تجارب أولئك الأقوام في المحافظة على لغاتهم في خضم بحر الإنجليزية المتلاطم.

3 -  إجراء المسابقات في مواقع التواصل الاجتماعي: مثل مسابقة أفضل محتوى عربي، ومسابقة أفدح خطأ لغوي، وهذه على سبيل التمثيل لا الحصر، وتوضع معايير تفصيلية لهذه المسابقات، وقد قام مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية[6] بمسابقة في عام 1438هـ قريبة في طبيعتها من هذا النوع الذي نحن بصدده، وقد لاقت استحسان الكثير على مستوى العالم الإسلامي، والمطلوب نقل الفكرة ذاتها ولكن على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي.

رابعا: ضبط حسابات المشاهير: أفرز لنا عصر شبكات التواصل الاجتماعي أعداداً كبيرةً ممن يوصفون بالمشاهير، وبغض النظر عن طبيعة شهرتهم، فإن تأثيرهم يكمن في الملايين من متابعيهم، الأمر الذي يجعل فئاماً كثيرةً من الناس يتشربون الأخطاء اللغوية التي قد تصدر من هذا المشهور أو ذاك، والعكس بالعكس، فلو استطعنا تقويم لسان ذلك المشهور لتشرّبت تلك الملايين من المتابعين اللسانَ العربي القويم، وعليه فالمقترح تنقيح مشاركات وتغريدات المشاهير من الناحية اللغوية حتى لا يتشرب متابعوهم أخطاءهم من حيث لا يشعرون. وعملية التنقيح هذه يمكن أن تتم عن طريق عامل بشري يكلّف بالمهمة أو برنامج حاسوبي يتولى الأمر بعد فحصه والتأكد أن تدقيقه اللغوي صحيح بنسبة عالية.

وفي الأخير، فإن اللغة العربية باقية ببقاء القرآن، وقد تكفّل الله تعالى بحفظ القرآن: {إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لَـحَافِظُونَ} [الحجر: ٩]، فالمسلم الغيور على دينه وقرآنه يكون له الشرف والكرامة في خدمة هذه اللغة العظيمة، والناظر في مواقع التواصل الاجتماعي هذه الأيام ليسر كثيراً حينما يرى جهوداً في خدمة لغة الضاد سواء كانت جهوداً فرديةً أو مؤسساتية، والمرجو هو دعمها وتشجيعها في الاستمرار وتحفيز المختصين على إنشاء الصفحات والحسابات والقنوات في هذا المجال، فإنه وبقدر ما في مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام الجديد عموماً من عبث باللغة إلا إنها تعد فرصة سانحة لخدمة العربية لم تتسنَ لمن قبلنا، حيث يمكن الوصول إلى الملايين من البشر دون تكاليف مادية كبيرة ودون كبير جهد، وإن كانت من وصية في هذا المجال فهي تنظيم العمل وترتيب الجهود حتى لا تتبعثر لأن المتابع لهذا الشأن قد يجد أن ثمة حسابات على مواقع التواصل تقوم بالغرض نفسه، فمثل هذا التكرار قد لا يستفاد منه والأولى صرفه إلى اتجاه آخر.

 

 


 


[1] أستاذ مساعد بقسم علوم الحاسبات بجامعة الحدود الشمالية. وأصل هذه المقالة محاضرة ألقاها الكاتب بالنادي الأدبي الثقافي بمنطقة الحدود الشمالية بتاريخ 22/12/1438هـ.

 الفصحى لغة القرآن، أنور الجندي.

[2] مشروع دراسة سوق تقنية المعلومات والاتصالات للعام 2014م، إصدار هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن.

 [3] ظاهرة العربيزي، صالح بن ناصر الشويرخ، إصدار مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز لخدمة اللغة العربية، 1436هـ.

[4] العربتيني: الكتابة العربية بالأحرف اللاتينية، سعد بن طفلة العجمي، إصدار مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز لخدمة اللغة العربية، 1436هـ.

[5]  الأوقاف وأثرها الاجتماعي في المجتمع المسلم، عبد الله السدحان.

[6]  http://www.m-a-arabia.com