يعد الفتح الإسلامي للأندلس، كما لبقية الأمصار، بداية عصر جديد، لما ترتب عليه من نتائج دينية، وثقافية، واجتماعية، واقتصادية، وسياسية. وبرغم إدراك المؤرخين العرب لأهمية الفتوحات، إلا إن اهتمامهم قد انصب على رصد الجوانب العسكرية والسياسية لهذه الفتوحات، ولم يمتد ليشمل الجوانب الثقافية، والاجتماعية، والحضارية، والاقتصادية، إلا نادراً.

دور الفتوحات في نشر اللغة العربية:

ترتب على الفتوحات الإسلامية أن انتشر الإسلام انتشاراً واسعاً وعفوياً بين سكان البلاد المفتوحة، حيث انبثقت ظاهرة حضارية فريدة من نوعها، انتشرت بفضلها اللغة العربية لغةً حضارية عالمية، وأصبحت لغة مشتركة في تلك المناطق، التي كانت تشكل نحو ثلثي الربع المسكون حينذاك[1]. ومن هذا الواقع الجديد فإن اللغة العربية أصبحت لساناً عاماً لجميع المسلمين، ولغة علمية مشتركة بين العلماء الموحدين[2]. وكانت لغة العلم والتعليم والثقافة والأدب والتأليف في أنحاء العالم الإسلامي، وامتد باعها إلى كل بقعة وصل إليها الإسلام، وكان انتشارها أكثر بكثير مما هي عليه الآن، وبلغت من سعة الانتشار ما لم تبلغه اللغة اليونانية ولا غيرها من اللغات. ويقارن بيرين (1935م) بين فتح الجرمان للعالم الروماني والفتوحات الإسلامية، ويقول: عندما انتصر الجرمان على الرومان، فإن الجرماني (المنتصر) هو الذي انجذب تلقائياً، إلى الروماني (المغلوب) وتخلّى تدريجياً عن جرمانيته، وتَرَوْمَنَ لأنه لم يكن يحمل ديناً أو ثقافة ليواجه بها مسيحية الرومان، وحضاراتهم. أما بالنسبة إلى العرب المسلمين (المنتصرون)، فإن سكان البلاد المفتوحة هم الذين انجذبوا إلى الفاتحين المسلمين، واستعربوا، لأن الفاتحين كانوا يحملون عقيدة جديدة، ومبادئ حضارة وليدة، أي أخذت هذه الشعوب تعتنق دين الفاتحين المسلمين، وتتعلم لغتهم، دون استخدام البعثات التبشيرية، أو ممارسة أي ضغوط.. أما الجماعات التي بقيت على ديانتها السابقة، فقد دفعت الجزية، وتمتعت بحماية الدولة العربية الإسلامية[3]. ولا مجال لعبارات مثل فرض العرب دينهم ولغتهم وعاداتهم، مما يبدو منه أن هذا الانتشار كان بالقهر، وأن قبول الذميين الإسلام كان لأسباب اقتصادية، كالتهرب من دفع الجزية (بينما هي في الإسلام تقابل ضريبة الدفاع)[4]. ولذلك فإن أكثرية سكان البلاد المفتوحة قد وقفت موقفاً إيجابياً من الفاتحين المسلمين، ورحبت بهم ترحيباً حاراً، أملاً في التمتع بحريتها، ولاسيما أن ما حمله الإسلام من مبادئ المساواة والحرية والعدالة يستجيب لأماني هذه الشعوب المقهورة، ويجعل الإسلام أقرب إلى حياتهم، وأحرص على كرامتهم[5]. وقد مهد الفاتحون المسلمون، الذين تمثلوا مبادئ الإسلام الذي به نهضوا وسادوا جميع الشعوب التي حكموها، الطريق للاندماج في مجتمعهم، وأفسحوا لهم المجال لتقلد جميع الوظائف المؤهلين للقيام بها. وعلى أيديهم دخلت أمم لم يكن لها مساهمات ملموسة في تكوين الحضارات الإنسانية إلى التاريخ بقوة.

انتشار الإسلام في الأندلس:

إذا طبقنا هذا على الأندلس فسنجد أنه غداة الفتح الإسلامي سنة 92هـ لهذا الإقليم كانت الأغلبية الساحقة من سكانه إما نصارى مذبذبين، أو وثنيين، أو يهوداً. ومن هنا سنجد أن أكثرية هؤلاء السكان قد أقبلوا منذ سنوات الفتح الأولى، ودون أن تحكمهم عقد الخوف والتهويل، على تقبل عقيدة الإسلام، والتحول إليه[6]، عن قناعة، فلم يرغم إنسان واحد على أن يترك دينه من غير قناعة. فانتشار الإسلام في القرن الأول الهجري كان خاطف السرعة وسلمياً على وجه العموم، في كل مكان كانت فيه العقيدة السائدة إما يهودية وإما مسيحية «مهرطقة» كما يُدعى حينئذ المسيحيون الذين اختاروا رفض معتقد نيقية بالـ«هرطقة»، ولم تكن حالة إسبانيا استثنائية[7]. وقد جاء ذلك الإقبال على الإسلام، بعد أن علموا بمحاسن الإسلام وعظمته وفطرته، وبعد أن شاهدوا بأم أعينهم سماحة الفاتحين وسمو أخلاقهم، وتحطيمهم للنظام الطبقي غير العادل الذي فرضه القوط عليهم، ونشرهم لمبدأ المساواة بين الناس، وعدم التمييز بين مسلم وآخر إلا بالتقوى، وبعد أن تنسموا على أيديهم نسيم الحرية، التي اكتملت بها إنسانيتهم، وأبدعت في ظلالها عقولهم، وجادت أنفسهم بالخير والبذل والعطاء، وقد أشار اثنان من المؤرخين الأندلسيين، وهما: أبو بكر ابن القوطية في القرن الرابع، وابن عذاري المراكشي في القرن السابع، إلى أن تواجد الإسلام ديناً في شبه الجزيرة الأيبيرية، وبصورة فاعلة، في حوالي سنة 100 للهجرة، أي في مطلع ولاية السمح بن مالك الخولاني، أمير الأندلس للخليفة عمر بن عبد العزيز  (رمضان 100هـ - ذو الحجة 102هـ)، وذلك بعد تسع سنوات فقط من مباشرة أعمال الفتح والغزو[8]. ثم إن الأندلس يبدو لنا عند دخول عبد الرحمن الداخل - سنة 138هـ - بلداً إسلامياً استبحر الدين واستقرت قواعده فيه. وتلك ظاهرة فريدة في بابها، فإن الفتح الإسلامي للأندلس، لم يكن قد مر به نصف قرن[9]. ويفسر بعض المستشرقين مبادرة أهل البلاد للتحول إلى الإسلام بأنه كان خوفاً من الجزية. وهذا خطأ، فالإسلام صريح في معاملة من يؤثر البقاء على دينه، وذلك بدفع الجزية، وهي مبلغ ضئيل جداً، ويعفى منه الشيخ والمرأة والطفل والعاجز، كما أعفي منها الرهبان المنقطعين في أديرتهم، كذلك من الممكن تأجيل تحصيلها من المعسر حتى تتحسن أحواله.

عوامل سرعة انتشار التعريب في الأندلس:

كان ذلك التحول إلى الإسلام من قبل السكان الأصليين في الأندلس بداية التخالط السكاني والتمازج الثقافي، ولم تبقَ على عقيدتها سوى قلةٍ من الكاثوليك، إلى جانب قلةٍ من اليهود. ولكن حتى هؤلاء وأولئك لم يلبثوا أن استعربوا ثقافة ولساناً وأسلوب حياة، بعد عدة عقود، وذلك بلا ضغينة ولا تململ. وهكذا، فمع دخول أهل البلاد الأصليين في دين الله أصبح المسلمون من العرب والبربر قلة بينهم، وأصبح المسلمون من أهل البلاد جند الإسلام، وهم الذين حملوا بعد ذلك أمانة نشره وحمايته في تلك الأصقاع، كما حدث في الأصقاع المفتوحة الأخرى. بيد أن العرب، وإن كانوا الأقل عدداً، ظلوا يمثلون مركز الثقل في هذا المجتمع، وتقع على عاتقهم أعظم المسئوليات، وفي مقدمتها نشر الإسلام واللغة العربية، هذه الأخيرة التي انتشرت مع انتشار الإسلام في جميع أرجاء الأندلس، وحلَّت تدريجياً محل اللغات (الأجنبية) التي فرضتها الدول السابقة، من ناحية، ومحل اللهجات المحلية التي كان يتحدث بها سكان البلاد غداة الفتح. وذلك نظراً للارتباط الوثيق بين الإسلام واللغة العربية. ويمكن القول إن العوامل التي ساعدت اللغة العربية ومن ثم الثقافة العربية الإسلامية على هذا الانتشار، هي:

انتشار الإسلام أسهم إسهاماً مباشراً في انتشار اللغة العربية، لأنها لغة القرآن، وكان على كل مسلم أن يتعلم العربية، كي يفهم كتاب الله، ويقوم بواجباته الدينية. ويمكن القول إن الإسلام والعربية سارا جنباً إلى جنب، وأسهما في تحطيم الحواجز النفسية، والمعنوية واللغوية، التي تفصل المسلمين الفاتحين عن السكان الأصليين.

علاقات المصاهرة والجوار بين الفاتحين والسكان الأصليين: «فقد ارتبط الكثيرون من العرب والبربر بعلاقات المصاهرة مع أهل البلاد، وعاشوا معهم متجاورين متساوين وعن طريق هذا التجاور انتشر الإسلام بين أهل الجزيرة»[10]، وبانتشاره انتشرت اللغة العربية والثقافة العربية.  

وصول ذلك السيل المتصل من الفقهاء والمحدثين وحفظة القرآن ورواة أخبار العرب وشعرهم وتاريخهم، من المشرق، وخاصة من الحجاز، ساعد على انتشار لغة العرب وثقافتهم، في وقت مبكر نسبياً[11]، وذلك: أن مهاجري العرب إلى الأندلس كانوا من أعرق القبائل العربية، وأعرفها بالدين واللغة[12].

كانت العربية لغة الفاتحين، والدولة العربية الإسلامية الناشئة، وغدت لغة الدواوين بعد أن تم تعريبها على أيدي الأمويين، ولهذا كان على كل من يتعامل مع الدولة أن يتعلم لغتها، وفي مقدمة هؤلاء رعاياها من أهل البلاد من المسلمين الجدد وغيرهم. 

مظاهر التعريب:

ومع ذلك، فلا يمكننا تتبع انتشار التعريب في الأندلس في هذا العهد لعدم وجود النصوص التي تعيننا على تتبع ذلك، ولكن يمكننا الاستئناس ببعض المظاهر التي شاعت في هذا الوقت، ومنها:

1- شيوع استخدام اسم الأندلس:

لقد كان أهم مظهر من مظاهر انتشار التعريب في هذا العهد المبكر في شبه الجزيرة الإيبيرية، هو شيوع استخدام اسم الأندلس للولاية الإسلامية الجديدة بدلاً من إسبانيا. وهو الاسم الذي كان شائعاً ومستخدماً بُعيد الفتح. لقد أطلق المسلمون على هذه البلاد منذ البداية اسم «الأندلس». ويبدو أنهم تبنوه وأشاعوه في سنوات الفتح الأولى، بدليل أننا نجده على قطعة نقدية وصلتنا، تعود إلى سنة 716م (98هـ)[13]، وهي عبارة عن دينار مزدوج اللغة نقش على أحد وجهيه باللاتينية «ضرب في أسبانية»، وعلى وجهه الآخر نقش باللغة العربية «ضرب في الأندلس»[14]. والأندلس: تسمية اشتقها العرب من «الوندال»، أو «الفندال»، وهو اسم القبائل الجرمانية، التي غزت إسبانيا في أواخر القرن الرابع، واستقرت في سهلها الجنوبي، قبل أن يقوم القوط من القبائل عينها، بإجلائهم منها إلى الشمال الإفريقي، في القرن الخامس ( 428-429م). ولكن بعد أن كانت قبائل الوندال تلك قد أعطت اسمها لهذا الإقليم، وهو واندلوس. ثم جاء العرب وعربوا هذه الكلمة إلى الأندلس، وجعلوه عاماً لجميع إسبانيا. أما إسبانيا فهو الاسم اللاتيني الذي أطلقه الرومان على شبه الجزيرة الأيبيرية، وأصله هسبانيا: ولعله مشتق من هسبريا المأخوذ من إيبيرية: نسبة إلى أمة يقال لها «الإيبير» كانت أقدم أمة عمرت تلك البلاد[15]. ومهما يكن المصدر الحقيقي لهذه التسمية (الأندلس) فإن من المحقق أن الفاتحين العرب استخدموه دون غيره، وفضلوه على «هسبانيا» أو «سبانيا» أو كما يلفظونه «إشبانيا»، وهو ما كانوا يعرفونه جيداً، والذي كان ممكناً أن يستخدموه بالطريقة نفسها، التي استخدموا بها كلمة أفريقية، ليدلوا بها على منطقة أفريقية، التي عرّبت في المغرب[16].

2- تعريب النقود:

من مظاهر انتشار التعريب في الأندلس في وقت مبكر أيضاً تعريب النقود. وفي ما يبدو أن عملية إصلاح ضرب النقود، على الطراز العربي الإسلامي، قد استكملت في ولاية السمح بن مالك الخولاني، وذلك بعد أن كان القائد الفاتح موسى بن نصير، قد دشن هذه العملية بعد الفتح مباشرة، بضرب عملة ذهبية وأخرى برونزية في دار السكة القوطية بطليطلة، لصرف رواتب الجند. وقد ظهر في عهد السمح، أول دينار عربي معرّب. وكانت النقود قبل ذلك، تظهر منقوشة بحروف لاتينية، وتحمل بقايا شارات مسيحية، فكان يشار إلى دار السك على وجه القطعة بحروف لاتينية SPAN (إسبانيا). فتم التخلص من ذلك نهائياً. وقد لخص أحد الأكاديميين الإسبان المتخصصين في تاريخ العصور الوسطى إلى المراحل التي مرت بها عملية تعريب النقود في الأندلس، فقال: كانت أولى القطع النقدية الإسلامية المسكوكة في إسبانيا، في السنوات الأولى للفتح مكتوبة باللاتينية أولاً عام 93هـ/ 711-712م، وكذلك عام 94هـ/ 712-713م، ثم أصبحت بلغتين عام 98هـ/ 716م، وأخيراً أصبحت بالعربية، ابتداء من 102هـ/ 720-721م. ويظهر الاسمان المتنازعان في الكتابة المزدوجة اللغة «سبانيا» في النص اللاتيني و«الأندلس» بالعربية، ليدلا على الواقع نفسه، ثم تغلبت الأخيرة، أي الأندلس، بعد ذلك، بصفة نهائية[17].


 


[1] عادل زيتون، الفتوحات العربية الإسلامية، العربي، العدد 516، نوفمبر 2001م.   

[2] محمد موفاكو، عرض كتاب: همة الهمام في نشر الإسلام، العربي، العدد 325، ديسمبر1985م.

[3] عادل زيتون، المرجع السابق.   

[4] عبد العزيز كامل، الإسلام والاستقامة الفكرية، العربي، العدد 358، سبتمبر 1988م. 

[5] عادل زيتون، المرجع السابق.

[6] عبد المجيد نعنعي، تاريخ الدولة الأموية في الأندلس، دار النهضة العربية، بيروت. د.ت، ص93.

[7] روجيه جارودي، الإسلام في الغرب، ترجمة ذوقان قرقوط، دار دمشق - دمشق، ط1، 1995م، ص11-12.

[8] نعنعي، ص94، حسين مؤنس، فجر الأندلس، الشركة العربية - القاهرة، ط1، 1959، ص423-424.

[9] مؤنس، فجر الأندلس، ص424.

[10] المرجع السابق، ص416.

[11] نعنعي، ص94.

[12] مؤنس، فتح العرب للمغرب، مكتبة الآداب بالجماميز - مطبعة مصرية، د،ت، ص292.

[13] نعنعي، ص91-92.

[14] إ.ليفي بروفنسال، تاريخ إسبانيا الإسلامية، ترجمه إلى الإسبانية إميليو جارثيا، وإلى العربية علي عبد الرءوف وآخرون، المجلس الأعلى للثقافة - القاهرة، 2000م، ص78.

[15] شكيب أرسلان، الحلل السندسية، ج1، المكتبة التجارية - فاس، ط1، 1355هـ/ 1936م، ص31.

[16] بيير غيشار، التاريخ الاجتماعي لإسبانيا المسلمة، بحث منشور بكتاب الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس ج2، تحرير سلمى الخضراء، مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت، ط1، ديسمبر 1998م، ص962.

[17] بيير غيشار، ص963.