عندما نناقش علاقة الدين بالنقد الأدبي، فإننا نلج إليه في ضوء نهج الدراسات الثقافية، التي لا تتعامل مع النصوص بوصفها نصوصاً مجردة منعزلة عن بيئاتها الثقافية، بل بوصفها ممارسات خطابية تأتي إلينا على شكل أبنية نصية مرتبطة بالمعرفة والسلطة ومختلف القوى المؤثرة في تكوين الخطاب النقدي الغربي.

فيجب أن نولي اهتمامنا للمضمرات الدلالية الكامنة وراء الخطاب الأدبي بكل جمالياته الظاهرة، لأن هذا الخطاب الجمالي قد صنعه أشخاص انتموا لمؤسسات ساهمت في تشكيل الخطاب النقدي؛ لذا لا بد من إلقاء الضوء على علاقة المعرفة النقدية بالسلطة والمؤسسات الدينية. فإذا كان النص هو غاية الغايات في النقد الأدبي بحيث لا يُنظر إليه بمعزل عن الظواهر الأخرى ولا يُقرأ لذاته أو لجمالياته فقط، بل يعامل النص بوصفه حامل نسق، وهذا النسق هو الذي يسعى النقد الثقافي إلى كشفه متوسلاً بالنص، فالنص مجرد وسيلة لاكتشاف حيل الثقافة في تمرير أنساقها، وهذه نقلة نوعية في مهمة العملية النقدية؛ ذلك أن الأنساق هي المراد الوقوف عليها، وليست النصوص. وبمعنى آخر فمن المهم الغوص في ما وراء النص، من أجل الكشف عن كل ما يمكن تجريده منه[1].

وبالتالي لا ننظر إلى النقد الأدبي بمعزل عن سياقاته الحضارية وتقاطعاته الثقافية، بل نقرأ ما في داخل النص، وما تبوح به شفراته، في ضوء العصر والزمان والمكان والإنسان والبيئة التي أُنتِج من خلالها وتوجه بالخطاب إليها.

 النقد الأدبي والمركزية الحضارية:

إذا طُرِح السؤال حول مدى حضور الدين في النظريات الأدبية والنقدية المعاصرة، فإن الاعتراض والرفض سيكونان علامتين في الردود التي ستصوب أسهمها نحو مثل هذه الأسئلة، فالتوجه السائد (أو المعهود) يقصي الدين تماماً عن أي حضور في التيارات الأدبية والفكر النقدي أسوة بالعلوم الطبيعية، وهذا عائد لاعتبارات عديدة، أهمها: أن النظرية النقدية الحديثة والمعاصرة هي نتاج الحضارة الغربية وفكرها، بكل ما تعنيه من دلالات متصلة بالجوانب النظرية والمنهجية والأدوات والإجراءات، فالحضارة الغربية تأسست على العلمانية Secularism أو اللادينية، التي – من المفترض أنها - تقصي الدين (أياً كان) عن الحياة المدنية بكافة جوانبها، وتنتصر لكل ما هو إنساني دنيوي أرضي؛ على قناعة أن الدين المسيحي بسلطاته الكنسية والبابوية؛ كان العائق الأساسي في نهضة أوربا وتحرير العقل فيها. إذن النقد الحديث مؤسس - نظرياً - على الفلسفات العلمانية والطروحات والمقولات المتصلة بها، وهذا ما نجده في كثير من الأصول الفلسفية والمرجعيات للنظريات النقدية الحديثة، مثل فلسفة ديكارت، وماركس، ونيتشه، وسارتر، وغيرهم، من إعلاء سلطة العقل ضد سلطة النقل، ورفض كل ما هو ديني، لأنه مغلاق للعقل مفتاح للجمود.

وقد نبّه الفيلسوف الألماني «يورجن هابرماس» إلى أهمية فصل العلم والأخلاق والفن عن الرؤية الموحدة للعالم المستمدة من الفكر الديني والغيبيات، فلا معنى لثبات الحقيقة، وإنما الحقيقة نسبية، وترتبط أكثر بالعلوم الطبيعية، فيما تنسب مفاهيم الخطأ والصواب والتي تتأسس عليها العدالة إلى علم الأخلاق بأصوله الفلسفية، ويتم تحديد مجالات الفنون بحسب الذائقة، وتنبع مما هو جمالي وتعبيري، أي تخضع هذه العلوم إلى النظرة الإنسانية الذاتية، التي هي متغيرة بطبيعتها، كما تكون مرتهنة لتطور المجتمعات وتقدمها، فالمجتمعات التقليدية (التي يشكل الدين مرجعية عليا لها) دوجماطيقية، أما المجتمعات الحديثة فقد أقصت الدين، وجعلت الفرضية والبرهان أساساً لتطورها، فيما يسمى اصطلاحاً «العقلنة»[2]، والذي سعى في قراءته للتراث الأدبي الغربي إلى تغييب المسلمات، سواء ما يدين له بها أو ما انغرس فيها، وبالتالي تتآكل هذه المسلمات في عقر دارها وهو التراث الأدبي الغربي، مما يؤدي إلى قلب النظرة إلى التراث نفسه[3]، وقراءته بعيداً عن أية نوازع دينية متوارثة، أي تكون قراءة جمالية فكرية بالأساس.

وفي سبيل ذلك، فإن النقد الغربي يرفع شعارات عديدة منها: المنهجية العلمية، والموضوعية، ونزاهة الباحث، وحياده، وسلامة إجراءاته، ومتانة المنهجية ذاتها. وهي شعارات براقة دون شك، تجعل من يتلقاها في المرة الأولى يفترض الحياد التام في البحث النقدي، ومساءلاته النصية، وأسئلته الفلسفية. وهكذا، تم الترويج للنظريات الغربية الحديثة من قبل النقاد الحداثيين العرب، رافضين أي طرح ديني أو نقاشات من مرجعية دينية تقيم النص وتسائله.

ولكن واقع الممارسات النقدية والمذهبية الأدبية، والذي يبدو في التراكم المعرفي الهائل للنقد الأدبي الغربي؛ يشير إلى ما حواه خطاب النقد والنقاد الغربيين في مدارسهم ونظرياتهم وتطبيقاتهم ونماذجهم؛ من انحيازات عديدة للمركزية الفكرية الغربية بشكل عام، وكل ما يتصل بها من أسس معرفية ولاهوتية ولغوية وقومية بشكل خاص، وفي ما يختص بالديانة المسيحية والتراث اليهودي.

وبالتالي علينا أن ندرك جيداً البون الشاسع بين المبادئ والشعارات المرفوعة، وواقع التطبيق والنظرة، أي نقرأ النقد الأدبي الغربي ضمن سياقاته الحضارية التي أنتج فيها، فلا معنى بأية حال أن نتلقى المدارس الأدبية والنقدية الغربية ونعيها وندرسها، دون الانتباه إلى طبيعة المركزية الحضارية المنبتة لها.

فالمركزية الحضارية الغربية هي محصلة للتطور الفكري المتكون عبر قرون عديدة، لتشكيل الذات المعرفية الغربية، وأساسها منهج غربي قوامه: الوحدة والاستمرارية، منحته فكرة شرعية السيطرة على العالم، وأن التاريخ خاضع لسيطرة قارة تسير باتجاه غاية مرسومة، يقف الغرب على قمتها. فغاية الفكر الغربي هي سيطرة الإنسان على الطبيعة والعالم، على أساس أن المعرفة قوة[4]، وقد أسهم الفيلسوف الألماني «هيجل» في تعميق التمركز الغربي، ووصل معه الفكر الغربي إلى ذروة شعوره بالتفوق، القائم على الإحساس بالتفاوت بين عالم غربي سامٍ علمياً وثقافياً ودينياً وعرقياً، والعالم الآخر (باقي شعوب العالم) الأدنى والأحط[5].

فالنقد الأدبي الغربي فرع من أصل، أي إن جذوره الفكرية نابعة من المركزية الحضارية الغربية بكل نظرتها الاستعلائية للعالم، والتي بررت لها استعمار الشعوب ونهب ثرواتها، ونلاحظ الفرق بين الشعارات الاستعمارية المرفوعة، وواقع ممارسة الرجل الأبيض المستعمِر في تعاملاته مع السكان المحليين.

ونتوقف هنا عند دور الدين في التمركز الحضاري الغربي، فقد مارست النزعة التطورية في دراستها لتاريخ الأديان المقارن التأصيل لتفوق الغرب دينياً، فقد وضعت الدين المسيحي بعد أن أوربتها في قمة التطور الديني، وبلور هيجل وجهة نظره في الأديان من خلال جدول، وضع المسيحية على قمته، وجعل سائر الأديان في إفريقيا وآسيا واقعة أسفله، وأعطاها نقاطاً باهتة منحطة[6]، وهذا غير بعيد عما تطرحه الكنيسة الكاثوليكية في رؤيتها للعالم، والمتمثلة في ترسيخ ثنائيات متضادة: مملكة الله - مملكة الدنيا، البابا - الإمبراطور، وشدد مؤسسوها على خضوع السلطة الأرضية للسلطة الكنسية، وأن العالم بكل أبعاده الجغرافية والتاريخية والثقافية؛ لا يكتسب مشروعيته الأخلاقية إلا ببصمات الكنيسة الكاثوليكية وبصماتها. فلا عجب أن يجوب المبشرون مع المستعمرين الأوربيين، حاملين الأناجيل جنباً إلى جنب مع السلاح، لتخيير المقهورين بين المسيحية أو القتل[7]. فـ«مع أن السلطة التي طورتها الكنيسة واللاهوت في مجال الفكر والأخلاق؛ قد اُستبعدت إلى الوراء في العصر الحديث، فإن القول بانتهاء كل ما له علاقة باللاهوت والكنيسة في شبكة الفكر الحديث يحتاج إلى براهين غير متوافرة... فقد قام الدين (المسيحي) هنا بتكييف نفسه مع نموذج الفكر الحديث (مما يعني) أن احتجاب لا يعني أنه فقد الأثر في توجيه مضامين الفكر، فحضوره أكبر من أن يوصف في الفلسفات الغربية الحديثة»[8].

 وبالنسبة للفيلسوف هيجل فمعلوم عنه أنه يمثل مرجعية كبرى في العصر الحديث في فلسفة الجمال عامة وفي النظريات الأدبية والنقدية خاصة.

أما عن رؤية هيجل للدين، فإننا نجده يُعلي شأن المسيحية، حيث يرى في فلسفته للجمال أن الشكل الفني يحوي في طياته أبعاداً روحية، تتجاوز التشكيل المادي الذي يقدمه، وأن «النظرة المسيحية للحقيقة هي من هذا النوع، وفوق كل شيء فإن روح عالمنا اليوم أو بصفة أدق فإن روح ديانتنا وتطور عقائدنا تتبدى على أنها تتجاوز المرحلة التي عندها يكون الفن هو النمط الفائق لمعرفتنا بالمطلق.. لقد تجاوزنا تبجيل الأعمال الفنية كأعمال إلهية وعبادتها، والانطباع الذي تخلفه هو من النوع التأملي على نحو أكبر»[9].

ويشدد على أن هدف الفن في النهاية جمالي، تحسيني، تطهري، أخلاقي، يرتقي بالروح والذائقة، وأن رسالة الفن هي كشف الحقيقة في شكل تشكيل فني حسي، ينبض بالجمال، ويعزز روح الإنسان، ولا يتعارض مع العقل الحديث، ويمنع الثنائيات العديدة التي يعاني منها الإنسان في العصر الحديث، والمتمثلة في الصراع بين الروح والمادة، المنفعة والفكر، الأخلاق والغاية[10].

 إن هيجل يعترف هنا بدور المسيحية في الفن، مرتكزاً على الأبعاد الروحية المتولدة في العمل الفني، والتي هي سمة أساسية في الديانة المسيحية، ويؤكد أن عصر التقديس للعمل الفني المتمثل في عبادتها قد انتهى ويقصد - دون شك - الديانات الوثنية، ولكن روح الفن نابعة من روح التأمل الذي هو سمة أساسية في المسيحية، ولا ضير في ذلك، فهيجل متوائم مع ثقافته المسيحية التي انتمى إليها ديانة، وشكلت وجدانه وروحه، واستلهمها في تنظيراته الفلسفية والجمالية.

نظرية التحيز وازدواجية النقد الغربي:

 إن الإبداع الأدبي، وما يتصل به من نظريات أدبية ونقدية إنما هو في البدء والمنتهى منتج معرفي حضاري، فلا يمكن التفكير بمعزل عن السياقات الثقافية التي أنتجته، ولا عن البيئة والإشارات والأيقونات والمصطلحات التي هي مبثوثة فيه، وبالتالي لا يمكن نزعها من بيئتها الثقافية، لأن الإنسان المفكر/ المبدع/ الناقد هو ابن لبيئته الثقافية في نهاية الأمر، فهو يفكر ضمن محصلته المعرفية ولغته ودينه وقوميته، فلا يمكن تخيل مبدع يكتب في الفضاء الثقافي المطلق، وإنما يمكن أن يكتب ضمن رؤية إنسانية رحبة، منطلقاً من رؤى وقناعات إيجابية، تحتضن ما هو كوني، ضد كل أشكال التعصب والاستعلاء على الآخرين.

وهو ما ينبه عبد الوهاب المسيري، في تحليله لظاهرة التحيز ضمن نشاط الإنسان، في المجتمعات الإنسانية المتعددة، إذ يقول: «إن كل شيء، وكل واقعة وحركة، له بعد ثقافي، ويعبر عن نموذج معرفي ورؤية معرفية»[11].

وهذا يعني أن افتراض وجود نظرية أو منهج أو نموذج أو منتج بدون بعد ثقافي؛ هو أمر غير عملي ولا مجدٍ، والأمثلة على ذلك لا تحصى، بل إن حياتنا الراهنة، تحمل بصمات العولمة في منتوجاتها ومظاهرها وعلاماتها، وكل منتج يحمل في طياته أو إشاراته ملامح الثقافة الغربية بشكل عام.

ونفس الأمر ينطبق على الظاهرة الأدبية والمنهجية النقدية، فقد نُقِلت كثير من المذهبيات الأدبية والنقدية إلى الثقافة العربية المعاصرة، بدون مناقشتها ومساءلتها من قبل ناقليها ومترجميها عن علاقتها بالأبعاد الثقافية للمجتمعات الغربية المنتجة فيها: إما على مستوى الفلسفات التي انبثقت منها، أو الظروف المجتمعية والاجتماعية التي ساهمت في ترسيخها وانتشارها، أو النماذج الأدبية التي عبرت عنها، أو من خلال تحليل الخطابات النقدية التطبيقية التي رافقت هذه النظريات بشكل دائم، فاقتصر النقل للمذهبية الأدبية والنقدية الغربية على الترويج للمذهب (نظرياً) بوصفه طرحاً جديداً، مع شعور بالتيه والفخر لازم الناقل/ المترجم/ المروّج، والاستعلاء على ما هو سائد في الساحة الثقافية العربية، واعتبروا النموذج الغربي هو الأعلى فكراً وإبداعاً، على قناعة من الناقلين أننا في حاجة إلى النقد من منظور غربي، والنقد يعني التشكيك والغربلة ويتم دوماً بروح متعالية، وبما يعنيه من نظرة أقل نحو ما هو تراثي أو نابع ومعبر عن أصالة الثقافة الإسلامية العربية.

وهي الظاهرة التي أشار إليها أحد الباحثين، وتتصل بالمذهبية الفكرية الغربية، ويعني بها ظاهرة «الأنفة الثقافية» ويمكن تعريفها: بكونها الوجه الوجداني لنظرية التحيز، ويقصد بها: الاعتزاز بالذات الحضارية إلى درجة النرجسية والتعالي، والإحساس بالكمال المتوهم، مما يجعل (الباحث/ المبدع/ الناقد الغربي) يمارس إبداعه وفق ثقافته ومزاجه الخاص، مع انفتاح محدود وتثاقف على العالم - خاصة العالم المتأخر/ المتخلف في منظوره - بكل تعال وأنفة ونرجسية[12]، وهذا ما تأثر به المبدع والناقد في الشرق، أو تسرب إلى عقله الباطن.

وقد توقف إدوارد سعيد أمام تلك الازدواجية التي وجدها في الواقع الأدبي والنقدي الغربي، حيث يرى أن دور موظفي الخارجية في السلطة/ الحكومات الغربية هو إضفاء مسحة الشرعية على السياسة الخارجية بكل ما فيها من عنفوان وإمبريالية، ومثل هذا القول الصحيح عن نقاد الأدب والكتاب الإنسانيين المحترفين.

فخبرتهم قائمة على أساس عدم التدخل في ما دعاه  فيكو بمنتهى الروعة بعالم الأمم، أي ذلك العالم الذي يمكن دعوته أيضاً، بمنتهى البساطة، «بالعالم أو الدنيا». فنحن نقول لتلاميذنا وعموم جماهيرنا بأننا ندافع عن الآداب الكلاسيكية، مفخرة الثقافة الليبرالية ودرر الأدب النفيسة، حتى في الوقت الذي نكشف فيه عن أنفسنا بأننا صامتون - ولربما عاجزون - حيال العالم التاريخي والاجتماعي الذي تحدث فيه كل هذه الأشياء[13].

فالآداب الكلاسيكية تعبر عن قيم الحضارة الغربية: الحرية والمساواة والعدالة وحقوق الإنسان، ويدافع عنها الناقد الأدبي في كتاباته، ولكنه يتغافل متعمداً وبشكل احترافي في كتاباته عن الجرائم التي تتم في العالم الخارجي، وتمارسها الحكومات والسلطات الغربية، نحو الشعوب الأخرى. فإدوارد سعيد ينتصر لما يسميه «النقد الدنيوي»، المستمد من رؤية إدوارد سعيد التي تنحاز لكل ما هو إنساني دنيوي أي «الإحساس بالتاريخ وبالإنتاج البشري»[14]، وتتأسس على مبادئ ونظرة تاريخانية، محورها النظر بإنسانية إلى العالم، وتقوم على رؤية تحليلية للممارسات الإنسانية تعتمد على العقلانية وتسعى إلى نبذ التطرف ونصرة الحق للمساهمة في تكوين مجتمع بشري عاقل وعادل. إنها نظرة تنتصر في جوهرها لعلمانية النقد الأدبي، وتربطه بقيم إنسانية عليا، تتجاوز التعصب للأديان والأعراق والثقافات. ولكنه في نهاية كتابه وبعد دراسات عديدة، يرصد النظرة الغربية المستندة إلى المسيحية، والمنحازة إليها أيضاً.

ويتخذ «سعيد» نموذجاً تطبيقياً، من خلال نقاشه لكتابات المستشرق «ماسينيون»عن الحلاج، الشاعر الصوفي المسلم، الذي عانى كثيراً بسبب آرائه، وقد اُستشِهد في النهاية بسبب مقولاته، يرى سعيد أن المشكلة كامنة في تقييم ماسينيون وحكمه على القضية من منظور دينه المسيحي، فقد اتخذ من المسيح عنواناً للحكم، في ما أسماه المبادلة، أو بالأدق أن هناك في الأديان الأخرى ما يشابه المسيح في تضحياته من أجل البشرية، وما الحلاج إلا ضحية مثل المسيح، يقول: «إن ما يكمن خلف فكرة المبادلة هو النقيضة الموجودة أبداً بين الشيئين البديلين لبعضهما بعضاً. فالمسيح كقربان ما هو بمنتهى الجلاء إلا البديل الأسمى لكونه ضحية قربانية عن البشر أجمعين ولكونه ابن الله في آن واحد معاً. فالمسيحية كمنظومة دينية، كطقوس دينية، كلغة، مبنية من صميم تلك النقيضة الجوهرية. وإن صرامة منهج ماسينون لصرامة تطمح لنقل هذه النقيضة والمبادلة الدينية إلى ميدان اللغات ومن هناك إلى العربية والإسلام»[15].

ولنتوقف عند رؤية سعيد للمسيحية، حيث جعلها منظومة دينية، وطقوسية، ولغوية، انبنت عليها الكثير من الرؤى والأحكام نحو الثقافات الأخرى.

كما يرصد في موضع آخر مآخذ على ماسينيون وهو ينظر إلى اللغة العربية والإسلام في كتاباته، فيرى: دائماً نقيضة تستوجب المواجهة وقطباها يسمحان للمرء أن يقطع المسافة من اللغة إلى الدين وأن يعود أدراجه مرة ثانية: من العربية إلى الفرنسية، من الإسلام إلى المسيحية، ومن ثم عود على بدء مرة أخرى. وفي صميم كل قطب من النقيضة هنالك المزيد من النقيضات[16].

هنا حضرت المسيحية للحكم على الإسلام، مثلما حضرت الفرنسية للمقارنة بينها وبين العربية، فالنزعة المركزية الغربية متواجدة، لا يستطيع الناقد الغربي أن يخرج من إسارها، ليتعرف حقيقة الإسلام كما هي، وحقيقة اللغة العربية.

ويسجل إدوارد سعيد في خاتمة كتابه خلاصة عنونها بـ«النقد الديني»، مشيراً إلى أن الإحساس بالانتماء الديني، وسيطرة هذا الإحساس على النشاط النقدي والفكري للناقد الأدبي يجعله منحازاً بشكل أو بآخر، وإن تظاهر بالحياد، ذلك أن «الدين يزودنا، كالثقافة، بنظم للسلطة وبمعايير للطقوس الدينية من تلك التي تخلص بشكل منتظم إلى فرض الخنوع أو إلى اكتساب الأشياع. وهذا الأمر بدوره يفضي إلى عواطف جماعية منظمة من ذوات النتائج المشؤومة فكرياً واجتماعياً في أغلب الأحيان. فإصدار هذه النتائج على بقائها، وإصدار غيرها من الآثار الثقافية/الدينية، يثبتان أكثر مما ينبغي ضرورة توفر اليقين والتضامن الجماعي وحس الانتماء إلى جماعة لدى تلك المقومات التي تبدو أنها من المقومات الأساسية للحياة البشرية[17].

وبالتالي، فإن الدين يصبح سلطة، وانحيازاً، وتكتلاً، ولم يعد إيماناً وقيماً وسلوكيات ورقياً أخلاقياً، فانتصار سعيد لاصطلاح النقد الدنيوي عائد إلى قناعته أن المؤمنين بالدين من النقاد والمثقفين وسائر المشتغلين يحولون الدين إلى سلطة ومرجعية، ومعايير وأحكام، فتضيع الحقيقة في النهاية.

إن الواقع يُظهر أن الدين لم يغب قط عن الساحة النقدية، حتى في أشد المواقف عداء للدين، وتعصباً للدنيا (العلمانية الشاملة) كما ظهر في إعلان نيتشه عن موت الله، فهو موقف ديني وإن كان متضاداً، باعتبار أن الإيمان المطلق بالإنسان مصدر للتشريع بدلاً عن الله يحمل في طياته رسالة تعبدية تفرض نفسها على ذوي النزعة النيتشوية، تجعل الدين هاجساً وسؤالاً ملحاً عليهم.

فإقصاء الدين من الممارسة النقدية إجراء مستحيل لأن الدين من المنظور الفلسفي البراغماتي عقيدة، واللادين عقيدة كذلك، بغض النظر عن شكليات العقيدة أو تلك. أما إذا نظرنا خارج نطاق الفلسفة، فالحجة تتمثل في أن كلاً من البداية والمنهج بالنسبة للنقد الغربي لم يعرفا المفارقة بين الدين والدنيا، بل إن طابعهما الأصلي كان دينياً بامتياز، وكل ما في الأمر أن ذلك النقد وهو يستلهم في مساره مدارس وتيارات ومناهج مختلفة؛ جعل حضور الخطاب الديني في كتابات النقاد يتراوح بين الجلاء والخفاء[18]. فعلينا الانتباه إلى ذلك، عندما نقرأ المبثوث في الكتابات النقدية الغربية وما أكثرها، وهي تتسرب بدورها إلى الوعي أو اللاوعي للمتلقي في الشرق أو باقي ثقافات العالم فينبهر بالفكر النقدي الغربي، ويسعى إلى الالتصاق الفكري بمرجعياته الفكرية والفلسفية، والالتصاق العاطفي المنبهر بالآخر.

وهو ما يرصده إدوارد سعيد حيث يرى أن الدين قد حضر بقوة في أعمال عدد من النقاد الدنيويين مؤخراً، وقد عاد الانحياز الديني بطرق مختلفة في كتاباتهم، وعلى أوضح ما يكون في أعمال بعض الصناديد الدنيويين السابقين من أمثال  دانيال بيل ووليام باريت، ممن يبدو إليهم الآن أن العالم الاجتماعي/ التاريخي لرجال ونساء حقيقيين صار بأمس الحاجة للتسكين الديني[19].

يبدي سعيد حزنه على تحول عدد من النقاد الدنيويين إلى النقد بقناعات دينية، ويربط ذلك بحاجة المجتمع والناس إلى تسكين ديني، وهو دال على فشل المشروع الحداثي ذاته، فلم يستطع أن يوجد إنساناً غربياً حداثياً علمانياً ذا رؤية إنسانية واسعة، ولم يحقق السعادة المنشودة له، ولكن الواقع أن مراجعات ما بعد الحداثة أظهرت أن الدين لم يغادر الحداثة حتى يعود إليها، وإنما كان مستتراً تحت طروحاتها وشعاراتها، نقول مستتراً، إلا إنه جلي لكل ذي بصيرة.

وكما ينبه سعيد في دراسة أخرى، بأن أشد ما يؤخذ على مثقفي العصر الحاضر هو تنازلهم عن سلطتهم المعنوية والأدبية في مقابل ما يطلق عليه «تنظيم المشاعر الجماعية الجارفة»، والذي يعني السير وراء: الطائفية، والمشاعر الجماهيرية، والعداوات المستندة إلى اختلاف القوميات، والمصالح الطبقية. وأيضاً السير في ركاب التوجهات السلطوية (الحكومية)، التي تستعين بالمثقفين لتدعيم سياساتها، وللدعاية ضد الأعداء الرسميين، ولوضع صيغ ملطفة في التعبيرات السياسية، لإخفاء ما يحدث فعلاً من غايات سلطوية تحت اسم مقتضيات عمل المؤسسات الرسمية، الكرامة القومية، فالمثقفون الحقيقيون غير منعزلين في أبراج عاجية، يعيشون هموم الناس، وينحازون لمبادئ الحق والعدل، وفضح الفساد، والدفاع عن الضعفاء، وتحدي السلطة المعيبة أو الغاشمة[20].

لقد انتبهت حركة ما بعد الحداثة في سعيها إلى إنشاء كون إنساني عالمي، يهدف إلى ثورة ثقافية لا معرفية إدراكية فقط، وتحقيق أهداف سياسية مشتركة، تتجاوز التباين والتشتت لدى الفئات والشعوب، متجاوزة تصلبات الحداثة التي حصرت نفسها في مقولات كثيرة، تدور في فلك العقلانية واللادينية ورفض التعدديات الثقافية والدينية[21]، وهو ما لم يتحقق، ولن يتحقق حسبما ترى حركة ما بعد الحداثة، التي اعترفت بالتعدديات الثقافية وكون الدين جزءاً أساسياً منها، لا ينبغي تجاهله أو إقصاؤه أو محاربته.

فالديمقراطية الراديكالية تتطلب منا الاعتراف بالاختلاف والتمايز والتعددية، وكل ما استبعدته فكرة الإنسان في صورتها التجريدية، فالنزعة الكونية غير مرفوضة بل إنها متميزة، والمطلوب هو نوع من تفرقة جديدة بين ما هو كوني وما هو خاص[22].

ومن هنا، علينا الوعي بأن الاعتراف بالدين ودوره في تشكيل الثقافات والوعي الجماعي والفردي جزء مهم من الوصول إلى الاعتراف به، وعدم الاستعلاء الثقافي والفكري لأتباع دين على آخر، ونبذ التعصب، وإدراك أننا لن نفهم ذواتنا إلا بفهم دور الدين في تكوينها، هذا الدور الذي نفته الحداثة علانية، ومارسته سراً.

 


 


[1] عبد الله إبراهيم، الثقافة العربية والمرجعيات المستعارة: تداخل الأنساق والمفاهيم ورهانات العولمة، المركز الثقافي العربي، بيروت، 1999م، ص44 وما بعدها.

[2] روبرت هولب، الحداثة والحداثية والتحديث، ترجمة: فاتن مرسي، موسوعة كمبريدج في النقد الأدبي، القرن العشرون (المداخل التاريخية والفلسفية والنفسية)، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، مجلد 9، ص402.

[3] تيموثي باثي، النقد الأدبي وتاريخ الأفكار، ترجمة: منى عبد الوهاب قتاية، المرجع السابق، مجلد 9، ص63.

[4] عبد الله إبراهيم، المركزية الغربية: إشكالية التكون والتمركز حول الذات، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1997م، ص66.

[5] السابق ص46.

[6] السابق ص134.

[7] السابق ص290.

[8] السابق ص309 .

[9] فريدريك هيجل، علم الجمال وفلسفة الفن، ترجمة: مجاهد عبد المنعم مجاهد، دار الكلمة للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 2010م، ص38.

[10] المرجع السابق ص98-103.

[11] عبد الوهاب المسيري، فقه التحيز، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكية، 1418هـ، ص30.

[12] عبد الله البريدي، الأنفة الثقافية بوصفها انعكاساً ومقياساً للتحيز، بحث ضمن أعمال ندوة «إشكالية التحيز»، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 10-13، 10 / 2007م، ص25.

[13] إدوارد سعيد، العالم والنص والناقد، ترجمة: عبد الكريم محفوظ، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2000م، ص5.

[14] المرجع السابق، ص373.

[15] السابق، ص367 .

[16] السابق، ص369 .

[17] السابق، ص373.

[18] إسماعيل عثماني، إدوارد سعيد بين النقد الديني والنقد العلماني، مجلة فكر ونقد، العدد 21، سبتمبر 1999م، ص3.

[19] العالم والنص والناقد، ص374، 375 .

[20] إدوارد سعيد، المثقف والسلطة، ترجمة: محمد عناني، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2006م، ص37، 38. هذا ضمن نقاشه لأعمال «جوليان بندا».

[21] بيتر بروكر، الحداثة وما بعد الحداثة، ترجمة: عبد الوهاب علوب، منشورات المجمع الثقافي، أبو ظبي، ط1، 1995م، ص32، 33. استناداً لطروحات الناقد الأمريكي المصري الأصل إيهاب حسن ضد الحداثة وتناقضاتها.

[22] السابق، ص54.