ما زالت الأزمة الليبية وبعد مرور ما يقرب من سبع سنوات تراوح مكانها وتواجه العقبات نفسها، فالنخب السياسية في ليبيا شديدة الانقسام متوزعة بين برلمانين، وثلاث حكومات، واحدة في الشرق واثنتين في الغرب، كل منها يحاول أن يحوذ الشرعية، إضافة إلى عدد كبير من المليشيات المسلحة، وكل طرف من تلك الأطراف لديه أجندته الخاصة ومصالحه التي تتعارض مع مصالح البقية، ناهيك عن أن كل طرف لديه داعمون إقليميون ودوليون يمدونه بالدعم السياسي والسلاح ويسعون من خلاله لبسط سيطرتهم على البلاد. من هذا المنطلق يمكننا أن نقرأ علميات الكر والفر الدائمة على حقول وموانئ تصدير النفط، وما تمر بها منطقة الهلال النفطي الليبي في الآونة الأخيرة.

أزمة الحقول النفطية:

منذ العام 2011م نشبت حول «الهلال النفطي» تسع حروب، وشارك فيها غالبية القوى السياسية والقبلية والمليشيات الليبية الرئيسية. تمتد مساحة الهلال النفطي لتتجاوز 250 كم من بنغازي شرقاً إلى سرت غرباً، وتحتوي بداخلها على نحو 80% من احتياطي النفط الليبي ويقدر بنحو 45 مليار برميل، الذي يتم تصديره للخارج عبر الموانئ الأربعة الأهم: الزويتينة، والبريقة، ورأس لانوف، والسدرة، ويعد النفط المصدر شبه الوحيد للاقتصاد الليبي، من هنا تكتسب تلك المنطقة أهمية سياسية كبرى.

تعود بداية الصراع حول حقول النفط الليبية إلى أغسطس عام 2013م، حين أعلن الزعيم القبلي إبراهيم الجضران عن حكومته الخاصة، وأعلن عن تشكيل مكتب سياسي خاص لإقليم برقة شرق ليبيا، ويتبعه مكتب تنفيذي يضم عدداً من الوزراء، ليطالب بعدها بإقرار نظام فيدرالي في ليبيا، ثم بدأ بالاستيلاء والسيطرة على منطقة الهلال النفطي لمساومة الحكومة، لينصب نفسه فيما بعد حارساً للمنشآت النفطية، ثم انشق عن حكومة طرابلس وشرع في تصدير النفط لحسابه الخاص، لكن قرار مجلس الأمن الذي منع خروج النفط الليبي إلا من خلال الحكومة الشرعية المعترف بها أدى إلى توقف معظم صادرات البلاد من النفط. بعدها تحالف الجضران مع خليفة حفتر في مواجهة إسلاميي الغرب، لكن هذا التحالف لم يدم طويلاً بعد رفض حفتر مساعدة الجضران في التصدي للهجوم الذي شنه تنظيم الدولة في ليبيا على مصافي النفط في محاولة لتكرار خطته الناجحة في سوريا والعراق، لكن قوات الجضران تمكنت من هزيمة التنظيم، وفي يوليو 2016م توصل الجضران إلى اتفاق مع حكومة الوفاق الوطني المدعومة دولياً برئاسة فايز السراج برعاية الأمم المتحدة، يقضي باستعادة الحكومة السيطرة على موانئ النفط وبدء تصديره مرة أخرى في مقابل قيام الحكومة بدفع رواتب شهرية لأفراد قوات حرس المنشآت النفطية التي أصبح لها وجود رسمي معترف به.

تلك الخطوة واجهت انتقادات ومخاوف حفتر الذي خشي من الصعود السياسي لعدوه، فهدد بقصف السفن التي قد تتجه إلى الموانئ الليبية لتصدير النفط؛ وبعدها أعلن سيطرته على منطقة الهلال النفطي لتصبح الموانئ النفطية تابعة لحكومة طبرق في الشرق، وتخرج من سيطرة حكومة الوفاق في طرابلس، في تطور كان من شأنه أن يزيد المشهد تعقيداً ويطيل الأزمة الاقتصادية للبلاد عن طريق حرمان حكومة الوفاق من أهم مواردها المالية.

منشأ الأزمة الأخيرة وسبب زيادة حدة التوتر بين القوتين الرئيسيتين في ليبيا، حكومة الوفاق الوطني في الغرب والحكومة التابعة لحفتر في الشرق، هو أن إعادة الاتفاق بين حرس المنشآت النفطية بالهلال النفطي الذي يقوده إبراهيم الجضران، والمجلس الرئاسي، تقضي بإعادة فتح حقول وموانئ النفط، واستئناف تصدير النفط لصالح حكومة الوفاق، وهو القرار الذي لقي معارضة شديدة من حفتر وحكومته المؤقتة الموجودة شرق ليبيا وأسفر عن تدخل عسكري استطاع حفتر بما يملك من قوات مدربة ودعم جوي أن يجير تلك الحادثة لصالحه عسكرياً، إذ استطاع السيطرة على حقول النفط وموانئ التصدير بالكامل، وفي حركة يراد منها كسب الدعم الدولي أعلن حفتر عن وضع تلك الحقول تحت إمرة حكومته المدنية وأنشأ مؤسسة وطنية لتصدير النفط موازية للمؤسسة المعترف بها دولياً والموجودة في طرابلس. وجاء رد الفعل الغربي على تلك الخطوة بالرفض إذ طالبت ست دول غربية وهي: ألمانيا وإسبانيا والولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا كل الأطراف بالامتناع عن القيام بأي عمل عدائي، وتجنب أي عمل يمكن أن يضر بالمنشآت النفطية في ليبيا أو يعرقل عملها، ودعت إلى تسليم كل المنشآت النفطية إلى حكومة الوفاق الوطني الليبية.

مبادرة فرنسا وإشعال الوضع في ليبيا:

في حين من المفترض أن مبادرات الحلول السلمية هي أداة لحل الأزمات بطرق سلمية إلا إن مبادرة فرنسا الأخيرة أدت إلى نتائج عكسية تماماً، فقد اجتمع في قصر الإليزيه بدعوة من ماكرون شخصيات ليبية بارزة: حفتر، وفايز السراج، رئيس وزراء حكومة طرابلس، ورؤساء اثنين من الهيئات التشريعية المتنافسة، ومجلس النواب في شرق البلاد والمجلس الأعلى للدولة في طرابلس. وقد تعهد المجتمعون بتوحيد المؤسسات المالية والأمنية المتشرذمة في البلد، واتفقوا على إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال عام، تلك المخرجات أدت إلى اشتعال فتيل الصراع، فالسماح بالدعوة لإجراء انتخابات في غياب مؤسسات مستقرة زاد من حدة المنافسة من أجل الحصول على مزيد من النفوذ الدبلوماسي والاقتصادي، وزاد من إثارة الرغبة في الصراع بعد عام من الهدوء، فإجراء انتخابات في غياب مؤسسات قوية سيتسبب لا محالة في تفاقم الصراع بدلاً من المساهمة في إيجاد حل له. فالمؤسسات القوية مطلوبة لتحديد ما سيحصل عليه الفائز في الانتخابات والحماية التي سيحصل عليها الخاسر.

وأخيرًا:

نستطيع القول إن الأحداث الأخيرة مكنت لحفتر أكثر وجعلته في موقف يستطيع فيه أن يملي شروطه ويزيد من قوة موقفه التفاوضي مع حكومة السراج والداعمين الدوليين وقد بات يسيطر على أجزاء واسعة من الشرق الليبي بالإضافة إلى السيطرة على موانئ وحقول النفط، ولديه دعم دولي قوي وقد اعترفت فرنسا بوجود قوات لها تدعم حفتر وقواته. إضافة إلى أن قواته تعد أفضل تسليحاً وتدريباً من قوات غرب ليبيا، وهي أكثر تماسكاً، إذ قوات حكومة غرب ليبيا التي تحت سيطرتها نظرياً متنازعة الولاءات.

وعلى أرض الواقع يصعب على قوات غرب ليبيا وحكومتها المعترف بها دولياً إشعال حرب مسلحة مع قوات حفتر وإخراجه من منطقة الهلال النفطي، خاصة أن المسلحين في مدينة مصراتة، لا يمكن أن يشتبكوا في معركة ضد قوات حفتر، فقد انخرطت قوات مصراتة من قبل في قتال دام لطرد تنظيم المدينة من مدينة سرت، وقد كلفهم هذا باهظاً في الأرواح والمعدات برغم تمكنهم من تحقيق النصر على الأرض، لذا فالحسم في الخطوة الأخيرة سيكون في رد الفعل الدولي الذي يمكنه غض الطرف عن التصعيد العسكري الأخير والتعامل مع حفتر بحكم الأمر الواقع، أو إرسال رسالة حاسمة له بعدم الاستفادة من تلك الانتصارات وإبقاء تصدير النفط حقاً أصيلاً لمؤسسة النفط الليبية الموجودة في طرابلس، لكن أياً كانت تبعات العملية الأخيرة فمن المؤكد أن حفتر سواء صُدر نفط من خلال الحكومة التابعة له أو من خلال حكومة غرب ليبيا فإن الوضع الليبي سيبقى بعيداً عن أي حل سياسي قريب، ومع زيادة حدة معاناة الشعب الليبي المكلوم.