اليوم وبعد أن أخمدت نيران ثورات الشعوب العربية أو ما سمي بالربيع العربي، من خلال دعم النظام الدولي المنحاز إلى جانب الأنظمة الديكتاتورية القمعية الذي بلغ حد التدخل العسكري المباشر في بعض الحالات كسوريا على سبيل المثال، فإن سيطرة «القوى السلفية الجهادية» خاصة على المشهد في سوريا والعراق وليبيا وسواها أو على الجزء الأكبر منه في هذه المرحلة والتمكين لها، قد ترك آثاراً سلبية جداً على «المشروع السياسي الإسلامي»، فضلاً عن أثرها السيئ والمدمر جداً على الشعوب وثوراتها.

وإذا كانت كلمة «الخلافة» قبل خطبة «أبي بكر البغدادي» الشهيرة في الجامع النوري الكبير بمدينة الموصل في الرابع من يوليو 2014م تشنف الآذان وتداعب الأحلام، لكنها اليوم باتت تثير مشاعر الرعب والرَّيْب، وترتبط ارتباطاً شرطياً بالصورة القبيحة المنفِّرة لتنظيم الدولة وأميرها البغدادي المجرم، وبالنموذج الرديء جداً الذي قدَّمه عن نظام الحكم الإسلامي، كذا عن مفهوم الجهاد وطبيعته وأهدافه، حيث إن الجهاد - في نظرهم - ما هو إلا شدة وغلظة وإرهاب وتشريد وإثخان. وقد حفل خطابهم الإعلامي بمفردات الذبح والسلخ والحرق وقطع الرقاب وصليل الصوارم، وتجلى في منشوراتهم وأدبياتهم، حيث قالوا في بعض أناشيدهم: «إذا الكفر ماج وأرغى وهاج ملأنا الفجاج دماً أحمرا». وفي نشيد «قريباً ترون العجيب»، تجدهم يقولون: «إليكم سنأتي بذبح وموت، بخوف وصمت نشق العرى». ولم يكن ذلك مجرد خطاب بل صدَّقه العنف الفعلي الذي مارسه التنظيم ضد مخالفيه وجلُّهم من مجاهدي أهل السنة، حيث بالغ في عمليات القتل والذبح والعنف والتكفير والتفجير بشكل متعمد (إدارة التوحش)، وباسم الإسلام، وقام ببثها عبر أفلام عنف هوليودية تنتمي إلى طراز أفلام «سبايدر مان» و«كابتن أمريكا»؛ تم إنتاجها بأحدث الوسائل والطرق والتقنيات والمؤثرات التي تضاهي صناعتها صناعة السينما الغربية حتى تحدث تأثيرها البالغ في صناعة الرعب ليس من التنظيم فحسب بل من الإسلام ذاته الذي يدعي تمثيله والجهاد في سبيله!

قد يقال: إن أولئكم لا يمثلون الإسلام، وإنهم خوارج ومنحرفون عن الدين الحق، وعلى هامش الحركات الإسلامية بل خارج إطار الإسلام على رأي. أو أن يقال: إنهم جماعات مخترقة مصنوعة من قبل الاستخبارات الدولية. أو أن يقال: هناك عشرات الحركات والجماعات الإسلامية الموزونة، فلماذا ينصَبُّ النظر على تنظيم القاعدة وفروعه، ويسلط عليه المجهر، وينادى في العالمين: هذا هو الإسلام، بينما يتعمد بالمقابل إغفال الحركات الإسلامية المعتدلة التي تملأ الأرض طولاً وعرضاً بل محاولة شيطنتها ووضعها وتنظيمات القاعدة والدولة في سلة واحدة؟! كل ما سبق صحيح وجيه لكن لا طائل من ورائه، لأن ما جرى على يدي تنظيم الدولة في سوريا والعراق خاصة مثَّل بؤرة الاستقطاب العالمي التي خطفت الأضواء، وبهرت الإعلام، وجذبت الأنظار، وأخذت بمجامع القلوب، وشغلت العالم من أقصاه إلى أقصاه في حقبة حافلة بالأحداث اليومية والمتغيرات المتلاحقة، خذ مثلاً عملية إحراق الطيار الأردني، معاذ الكساسبة، التي نفذها تنظيم داعش في 13 فبراير 2015م، والذي تم بطريقة إخراجية احترافية، وظهرت الصور بتقنية عالية، كما في كل فيديوهات الإعدام التي كان يصدرها هذا التنظيم، وقد لا أكون مبالغاً إذا زعمت أن أثر هذه العملية على المشاهد يتفوق على مجزرة قصف الغوطة شرق دمشق بالغازات الكيماوية، يوم الأربعاء 21 أغسطس 2013م، وراح ضحيتها 1466 من المدنيين على أيدي النظام المجرم!

ولا غرو إذن أن تترك هذه الحقبة التي بسطت فيها القاعدة خاصة والفصائل الإسلامية عامة نفوذها على رقعة واسعة من سوريا والعراق، آثارها السلبية الضخمة في حياة الناس وفي نفوسهم وفكرهم ومواقفهم من المشروع الإسلامي وتطبيق الشريعة، وفي مختلف ميادين الحياة، في السياسة والفكر والعلاقات والمجتمع وفي كل شيء. وقد جرى ذلك متزامناً مع ظاهرة الخوف من الإسلام، أو ما يعرف إعلامياً بـ«فوبيا الإسلام» أو «الإسلاموفوبيا» أو «الرهاب الإسلامي»، والتي تعني - بشكل عام - كره الغربيين للإسلام وتخوفهم منه. وعلى ما يبدو أنه جرت محاولات حثيثة ومدروسة لتعميم حالة الرهاب الإسلامي ونقلها إلى داخل المجتمعات الإسلامية نفسها، لخلق حالة من الرعب والرفض للحركات الإسلامية - أو ما يطلق عليه الغرب «الإسلام السياسي» - بين أهلها وحاضنتها.

هذه الحقبة التي نتناولها والتي بلغت ذروتها في 2014-2016م، شهدت نماذج مبعثرة متناقضة مشوهة قاصرة ساذجة جداً وغير ناضجة لتطبيق الشريعة وملء الفراغ القانوني في المناطق المحررة، من قبل الجماعات والتنظيمات التي تنتمي إلى السلفية الجهادية أو غيرها، يغلب عليها الحماس والاستعجال وضعف العلم الشرعي واختزال الإسلام في الجهاد المسلح واختصار الشريعة في الحدود والعقوبات ومحاولة استنبات البذور في الهواء، دون النظر إلى أولوية إنتاج بيئة صالحة مستقرة لاحتضان الشريعة ودون حل لمشكلات المجتمع بل في بيئة مضطربة قلقة تفتقر إلى السلطة والأمن، وتغرق في العنف والفوضى والفتن والجوع والجهل، نتج عن ذلك كله تراكمات من الظلم والتناقض والعنف والكراهية، حمل وزره وتولى كبره جماعات السلفية الجهادية وخاصة تنظيم القاعدة الذي ينتمي إلى أيدلوجيا تلبس لبوس الدين زوراً وبهتاناً، لكن هذا للأسف - شئنا أم أبينا - التصق بالإسلام وهو منه براء.

ألا وإن لجوء الشعوب إلى الدين في الملِّمات واستمداد الثورات منه العون والمدد والطاقات أمرٌ فطريٌّ جبليٌّ، ولا عجب في أن تستلهم الجماهير الخارجة على الأنظمة الاستبدادية القمعية تاريخ الإسلام وملاحمه وبطولاته وأبطاله، وأن تأرز إلى المساجد وتلوذ بها وتخرج منها وأن ترفع الشعارات الإسلامية مقترنة بالمطالبة بالحريات والحقوق، إذ لا يمكن لها مواجهة عدوها الشرس المتوحش إلا بالتسلح بالإيمان، وهو ما شدَّ من أزرها، ومنحها القوة والثبات والقدرة على الاستمرار وبذل التضحيات الكبيرة دون ملل ولا كلل، فلولا ذلك الإيمان والقوة التي يمنحها والشجاعة التي يولِّدها لم يكن لها أن تستمر سبع سنوات متتابعات، دون توقف ولا تلكؤ، كما هو في الحالة السورية.

هذا، وقد التحقت أكثر الأحزاب والحركات والجماعات الإسلامية السياسية وغير السياسية بركب الثورة بعد تلكؤ، وانخرطت فيها، على تباين في المسافة منها، وبعضهم يستخدم تعبير «تسلقت وركبت وامتطت»، وفيه لمزٌ وظلمٌ لها، ولا عجب في انحياز تلك الحركات الإسلامية العريقة إلى شعوبها ودفاعها عن قضاياها وحمل همومها ومطالبها، فهي سباقة في مقارعة الاستبداد والظلم والثورة ضده، وقدمت تضحيات عزيزة من أبنائها وقياداتها في شتى الأقطار وفي سوريا على وجه الخصوص، إثر ثورتها ضد نظام الرئيس السوري حافظ الأسد في أوائل الثمانينات من القرن العشرين. والحاصل أن هذه الحركات وجدت في الربيع العربي فرصتها السانحة للتخلص من الأنظمة القمعية التي ذاقت في أقبيتها وسجونها الويلات، فسارعت إلى الانخراط فيها، وصارت جزءاً من بنيتها الأساسية في وقت مبكر.

لم تلبث الثورة السورية أن انتقلت بعد بضعة أشهر من مرحلة السلمية إلى الجهاد المسلح بل دُفعت أو استدرجت إليه لأمرٍ يراد، وهنا وجدت جماعات «السلفية الجهادية» فرصتها الذهبية في التسلل إلى جسم الثورات الشعبية؛ السورية والعراقية والليبية على حين غفلةٍ من أهلها الذين غضوا الطرف عنها، بسبب تخاذل المجتمع الدولي عن نصرتهم، وبتعبير أصح فُتِحَتْ  لها الأبواب، وهيئت لها الأسباب، وضخت لها الأموال الطائلة، ووضع تحت أيديها السلاح بجميع أنواعه الخفيف والثقيل، وهذا المبني للمجهول أو ما لم يسم فاعله هو في الحقيقة معلوم وفاعله غير مجهول - اللعبة في العراق مثلاً كانت مفضوحة جداً -، لتنخرط هذه الجماعات المتطرفة بدورها في الثورات الشعبية، ولم تلبث إلا يسيراً حتى تمكنت من إلغاء معظم أشكال المقاومة الشعبية السلمية، كالاحتجاجات والمظاهرات والإضرابات ونحوها، وأنشدنا جميعاً: «صمتاً فقد نطق الرصاص». ليس هذا فحسب بل امتطت هذه الجماعات الدخيلة الثورة لتحقيق أهدافها الأيدلوجية المتمثلة في محاربة النظام الدولي وإقامة الخلافة الإسلامية بزعمهم، بعيداً عن أهداف «الحرية والكرامة» التي رفعتها الجماهير بفطرتها السليمة وعفويتها بل شرعت تطعن فيها، وتراها مضللة وخادعة ومناقضة للشريعة، وهي لو تأملتها أهدافٌ من صميم الإسلام ذاته بل تشكل جوهره ولبَّه، والتجارب تؤكد أنه ما من مجتمع تحققت فيه الحرية إلا شكل البيئة والوسط المناسب لإقامة الدين وتطبيق شرع الله تعالى، فالحرية تمنح الناس حق الاختيار، وخيارهم الإسلام ليس غير.

وفي وقت مبكرٍ جداً اتجهت جماعات القاعدة إلى إقامة إمارة خاصة بها من فورها - تنظيم الدولة مثلاً -، واسم التنظيم هنا يحدد هويته وينبيك عن حقيقة أهدافه دون مواربة أو التواء، وإن تعجب فعجب قبول الجيش الحر وفصائل الجبهة الإسلامية السورية بهذه الجماعات المنكرة والسكوت عنها والسماح لها بالتغلغل في جسم الثورة السورية، وكانت حينذاك ما تزال طريَّة في أول نشوئها، ويمكن التخلص منها بسهولة، وهو ما فطنت له حماس في قطاع غزة، فأجهضت ولادة مشروعٍ مشبوهٍ للقاعدة فيها، وقضت على التنظيمات السلفية الجهادية في مهدها، وكان يراد لها إرباك المشهد وضرب المقاومة وإلباسها لبوس الإرهاب.

وفي خط آخر لتسرب القاعدة وتسللها إلى جهاد أهل الشام، آثرت «النصرة» التريث، وأظهرت قدراً من المرونة والتقيَّة والنفس الطويل ومسايرة الجيش الحر والقتال معه في خندق واحد، وبرعت في قتال النظام المجرم بشكل فعَّال وآسر والانغماس في العدو، لاستقطاب الحاضنة الشعبية ثم في ظرف تاريخي حرج وعسير انقلبت على الشعب السوري التي جاءت بحجة نصرته، وقضمت العشرات من فصائل الجيش الحر والأخرى من فصائل الجبهة الإسلامية، واستولت على جزء كبير من المناطق المحررة في الشمال السوري، بغية احتكار العمل المسلح وإقامة إمارتها الخاصة بها، لتلتقي بتنظيم الدولة في نهاية الطريق من حيث منهجُها وفكرُها وأهدافُها، ولا غرو فكلتاهما من رحم واحدة.

ويمكننا تلخيص أبرز الأضرار التي لحقت بالشعب السوري وثورته من قبل جماعات السلفية الجهادية وخاصة القاعدة، في الآتي:

أولاً: لعل من أفدح أضرارها أنها استعدت العالم كله على الشعب السوري وثورته وأفقدته حلفاءه وأصدقاءه، كون هذه الجماعات مصنفة دولياً في قائمة الإرهاب، فصبغت الثورة السورية بصبغتها، وكان هذا بمثابة أثمن هدية تُقدَّم لبشار الأسد الذي حاول تقديم نفسه للعالم كشريك في محاربة الإرهاب، وجعلت العالم الغربي لا يفرق عن جهلٍ أو عمدٍ بين تنظيمات القاعدة وبين الجيش الحر والفصائل السورية المقاتلة، إذ اعتبرها جميعاً في سلة واحدة وفريق واحد وأيدلوجيا واحدة، وهو خطأ فادح، إذ لا تتبنى فصائل الثورة السورية المنهج التكفيري في منهجها الفكري، ولا سبيل العنف في تغيير الأنظمة الحاكمة، ولم تلجأ إلى السلاح إلا اضطراراً ودفاعاً عن الشعب، وهي تؤمن بحرمة إراقة الدماء المعصومة إلا بحقها، ولا ترى الجهاد الدولي الذي تنادي به القاعدة، ولا تقاتل خارج حدودها القطرية، كما أنها تقيم علاقات إيجابية مع كل الدول والجهات التي تتبنى مطالب الشعب السوري، ولا تأخذ الشعوب بجريرة حكامها أو أنظمتها المنحازة إلى جانب عدوها، ولا ترى بأساً في المشاركة في حكم وطني والمساهمة في بناء دولة حديثة، تقوم على الشورى والمواطنة والحقوق والحريات، بينما القاعدة ترى ذلك كله كفراً بواحاً وردة عن الدين. أما أهم الفروق التنظيمية بين القاعدة والفصائل السورية فهي أن الأولى مفتوحة تجتذب مقاتليها من جميع أنحاء المعمورة فهم مجهولون ونكرات، ولذلك هي عرضة للاختراق من أعدائها ومن قوى الاستخبارات الدولية، وقد وقع هذا الاختراق للتنظيم والمنهج معاً حتى العظم، بينما الفصائل السورية تستقطب مقاتليها من أهالي المناطق التي تعمل فيها، وهم معروفون لا يمكن اختراقهم بسهولة.

وزاد الطين بلة سعي تلك الجماعات في مرحلة ما عن مكر ودهاء إلى الاندماج مع بعض فصائل الجبهة الإسلامية أو فصائل الحر للاختباء وراءها، مما ساهم في تقوية النظام وتمسك المجتمع الدولي به، خوفاً من هيمنة الجماعات الجهادية المصنفة دولياً في قائمة الإرهاب الذي توافق العالم كله على الحرب ضده. وقد أدى هذا في المحصلة إلى إطالة عمر الصراع بين الشعب السوري والنظام المجرم وتعميق الأزمة وتعقيدها، بحيث جرَّت سوريا نحو حربٍ مع العالم أجمع، وحوَّلتها إلى منطقةٍ مستباحةٍ من كل الدول الاستعمارية ومن جميع الأطراف الإقليمية والدولية.

ثانياً: لم تتمكن تلك الجماعات السلفية الجهادية بشتى مسمياتها حتى الجماعات السورية المعتدلة منها، مثل أحرار الشام وجيش الإسلام وأمثالهم وغيرهم أيضاً، من توحيد الشعب السوري وراءها، وعجزت عن تقديم خطاب سياسي وإعلامي وديني موزون يطمئن الشعب السوري برمته ويطمئن الأقليات خاصة، ويُسكِّن من مخاوفها التي نجح النظام في زرعها وتضخيمها وتوظيفها لصالحه بل على العكس ساهم الخطاب الديني لتلك الجماعات في تخويفها وفي دفعها نحو الحياد أو التمسك بالنظام باعتباره أخف الشرين في نظرهم.

ثالثاً: وفي السياق نفسه أيضاً فشلت الفصائل الإسلامية عامة فشلاً ذريعاً في توحيد صفها تحت قيادة واحدة وفي كيان موحد، برغم توافقها في المنهج والهدف، وأوجدت في وقت مبكر جداً شرخاً في جسم الثورة السورية، ودقَّت إسفيناً عميقاً في صميم بنيتها، إذ قسمت الفصائل إلى جيش حر وآخر سمته الفصائل الإسلامية، وكان لهذا التقسيم آثاره السيئة والمدمرة، ثم آل الأمر إلى أن تحوَّل قادة الفصائل إلى أمراء حرب، ودخلت الفصائل في حالة اقتتال داخلي وانتحار مدمر، بلغ ذروته في الغوطة الشرقية والشمال السوري، وبالتالي هزيمتها عسكرياً وسياسياً أمام عدوها الذي كان يقاتلها صفاً واحداً برغم تعدد المليشيات والجماعات التي تنضوي تحت رايته.

ليس هذا فحسب بل إن هذه الجماعات انزلقت في مستنقع المناطقية والفصائلية والحزبية والعشائرية أحياناً وكل أشكال التفتيت والتجزئة، برغم أنها كانت في أدبياتها لا تفتؤ تنادي بوحدة سوريا، جغرافياً وسياسياً ورفض التقسيم، على خلاف تنظيمات القاعدة التي كانت تلعن سايكس بيكو وتدعو إلى كسر الحدود لكننا رأيناها في نهاية المطاف تنزوي وتتقلص على رقعة صغيرة كإدلب، لتقيم فيها دويلتها أو خلافتها الراشدة!

رابعاً: الحرية التي خرج السوريون ينشدونها تبخَّرت، ووجدوا أنفسهم تحت وصاية جماعات استبدادية ذات عقلية تسلطية سادية أسوأ من النظام نفسه، تفرض سلطتها وشعاراتها ومناهجها وبرامجها بالإكراه والقسر، وباسم الدين، وتستخدم سيف التكفير وإخراج الناس من الملة، مما أدى إلى النفور منها والكفر بها من شريحة عريضة من السوريين، وربما انسحب هذا الموقف إلى المشروع السياسي الإسلامي برمته عند كثيرين ممن لا يقدر على التمييز بين الغث والسمين.

خامساً: ومن الأضرار الفادحة التي خلفتها تلك الجماعات أنها مزَّقت المجتمع السوري السني الذي كان يعيش في حالة انسجام وتعايش إلى حد ما. وقد طالت الانقسامات في عهد الفصائل في المدن والقرى والأحياء والجيران بل البيت الواحد، وظهرت اختلافات حول مواقيت الصوم والصلاة وهيئات العبادات، وأثيرت مسائل البدعة والسنة والأحاديث الصحيحة والضعيفة، وتغيير العادات والتقاليد الموروثة، كذا شغلت الناس بقضايا تتعلق بالدولة والخلافة وتطبيق الشريعة والأحزاب والعلاقات مع الدول والولاء والبراء وغيرها من الأمور التي لا محل لها في هذه الحقبة وضررها أقرب من نفعها، وكثيراً ما كانت تتحول الخلافات إلى خصومات وجدل يكدر صفو المودات ويزرع الإحن والعداوات ويقطع الأرحام.

وفي الختام: وتوخياً للعدل والموضوعية، فإن ما نزعمه من آثار وأضرار لا يعني بحال من الأحوال أنه لولا وجود هذه الجماعات لانتصرت الثورة السورية، فهذا الكلام لا يخلو من مبالغة، لكنها منحت - بلا ريب - النظام المجرم شرعية دولية من نوعٍ ما، ومنحت أيضاً النظام الدولي مظلَّة أو مسوِّغاً لتخاذله عن إيقاف حرب الإبادة التي شنها النظام المجرم وحلفاؤه على الشعب السوري بل ومساهمته فيها بشكل أو بآخر.

ومن جهة أخرى كانت تلك الجماعات (تنظيمات القاعدة) خنجراً في خاصرة الشعب السوري، وساهمت في إنهاك الجيش السوري الحر وتفكيكه، وقتلت الآلاف من المجاهدين والثوار وخاصة قياداتهم بالاغتيالات والمفخخات والتفجيرات والانتحاريين، وآزرت النظام المجرم وحلفاءه في إضعاف جبهات القتال وإرباكها، كذا كان لها دور فعال في تفكيك الحاضنة الشعبية للثورة والجهاد وتمزيقها، وفي السياق نفسه تشويه الثورة، ما أدى إلى فصلها عن حاضنتها الوطنية والإسلامية ووقف أو تجفيف دعمها؛ عسكرياً وإنسانياً.

ثمة أمر آخر يجب تسجيله هنا، وهو أنه مهما قيل عن مسؤولية السلفية الجهادية في صياغة الموقف الدولي السلبي من جرائم نظام بشار الأسد وحلفائه، فإنه - حتى لا نخدع أنفسنا - لن يتغير الحال كثيراً فيما لو غابت عن المشهد، لأن حماية نظام آل الأسد أولوية غربية، مثل حماية اليهود الصهاينة في فلسطين، سواء بسواء، فكلا النظامين من أدوات الاستعمار وركائزه في منطقتنا، ولأن أمن الكيان الصهيوني من أمن نظام الأسد، كما قال رامي مخلوف، وصدق وهو الكذوب. وحاصل ذلكم أنه لن تعجز القوى الاستعمارية الصليبية عن خلق الذرائع والحجج لحماية أدواتها ومصالحها ومرتكزاتها وعدم التخلي عنها.