تأججت بشكل كبير عاطفة الفلسطينيين في رجب (مارس) الماضي حينما أُعلن تنظيم مسيرة العودة الكبرى على حدود غزة في الذكرى الثانية والأربعين ليوم الأرض الفلسطيني، وكانت الثمار المرجوة منها إعادة الصراع الفلسطيني الصهيوني إلى واجهة الخطاب الإعلامي الدولي والتنبيه للحصار المفروض على قطاع غزة والتأكيد على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، وإلى حد كبير نجح سكان قطاع غزة في إرسال رسالتهم، لكن الخسارة كانت كبيرة حيث ارتقى في المظاهرات أكثر من 130 فلسطينياً بينهم فتية بعمر الزهور وصحفيون وأعضاء طواقم طبية.. كانت كثافة النيران الصهيونية كبيرة جداً بدعوى محاولة منع المتظاهرين من اقتحام السياج الحدودي بمئات الآلاف، لكن ذلك التبرير لم يكن مقنعاً لوسائل إعلام عالمية عديدة اتهمت الجيش الصهيوني بارتكاب جرائم حرب.

بالتزامن مع إبداع الفلسطينيين في ابتكار وسائل للمقاومة على طول الشريط الحدودي في قطاع غزة، يجري حراك سياسي كبير في المنطقة تمهيداً لصفقة سلام تحضرها واشنطن ويريد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن تكون أحد إنجازات فترته الرئاسية تقديراً لدور اليهود في دعمه خلال الانتخابات، لكن ومثلما قال مستشاره جاريد كوشنر فإن أي اتفاق سلام لن يتم دون موافقة الفلسطينيين.

في الأيام الماضية منعت السلطات الصهيونية دخول غاز الهيليوم إلى قطاع غزة لأن المتظاهرين على الحدود يستخدمونه لتجهيز البالونات الحارقة التي تطلق باتجاه المزارع الصهيونية المحاذية لقطاع غزة، وحينما تنظر للتوقيت والجغرافيا فإنك سترى العجب من تجربة الاحتجاج الفلسطيني الإبداعية، فتيارات الهواء القادمة من البحر باتجاه الحدود الشرقية للقطاع تدفع البالونات الحارقة إلى عمق المستوطنات الصهيونية، بالإضافة إلى أن هذه الفترة من العام غالباً ما تكون فترة حصاد للمحاصيل الصيفية وهذا الأمر يزيد من سرعة اشتعال النيران فيها بسبب جفافها.

بعد منع دخول غاز الهيليوم المستخدم في نفخ البالونات الحارقة بدأت السلطات الصهيونية بمنع الواقيات الذكرية التي يطلق عليها سكان غزة «الكوندوم»، فقد أصبحت هي الأخرى جزءاً من ذخيرة المقاومة السلمية لمقارعة الاحتلال فهي أقل تكلفة ولا تحتاج وقتاً كبيراً لنفخها وإطلاقها بالإضافة إلى نوعية المطاط المستخدم لصنعها حيث يمنحها فترة أطول للطيران.. يقوم الفتية الفلسطينيون بالاستعانة بـ«الصودا الكاوية» أو أي نوع من مسحوق الغسيل بالإضافة إلى «الخل» كبديل عن غاز الهيليوم لنفخ الواقيات الذكرية وإطلاقها مع سيجارة يتم حشو مقدمتها بمسحوق الكبريت المستخرج من أعواد الكبريت مع ربطها بقطعة قماش مبللة بوقود قابل للاشتعال، الواقيات الذكرية لم تكن التجربة الأولى للفلسطينيين لكنها كانت الأقل تكلفة والأكثر فاعلية فقبل ذلك استخدمت الطائرات الورقية لكنها تحتاج لجهد ووقت كبير لإطلاقها بالإضافة إلى سهولة قنصها من جنود الاحتلال الصهيوني.

للتصدي لهذه الظاهرة وضع الجيش الصهيوني الكثير من القناصين على طول الشريط الحدودي مع قطاع غزة ولما شعر بالفشل لجأ إلى وضع نظام «سكاي سبوتر»، الذي طورته شركة رفائيل لأنظمة الدفاع، ومن خلال هذا النظام يتم تحديد مكان سقوط البالونات الحارقة وإبلاغ طواقم الدفاع المدني بأماكن اشتعال النيران. كما استعان الجيش بالطائرات بدون طيار للغرض نفسه لكن حتى اللحظة لم تثمر وسائل الجيش الصهيوني في إفشال مهمة هؤلاء الفتية الذين يحاولون لفت انتباه العالم إلى أنهم محاصرون منذ أكثر من 12 عاماً.

يقول موقع تايمز أوف إسرائيل إن البالونات أحرقت حوالي 17,500 دونم من الأراضي في أكثر من 250 حريقاً في الشهرين الأخيرين، وأكثر من نصفها واقعة داخل محميات طبيعية، بحسب التقديرات الأولية، وتعهد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بتعويض المزارعين المتضررين من أموال السلطة الفلسطينية.

هذه الظاهرة التي تحولت إلى صراع بين قطبي الجيش والحكومة في الكيان الصهيوني أجبرت وزير الجيش أفيغدور ليبرمان على القبول بتوصيات الجيش حول تخفيف الحصار عن قطاع غزة تجنباً للوصول إلى مواجهة مفتوحة قد تفشل حراك الإدارة الأمريكية بشأن التسوية السلمية، فقد كشفت وسائل إعلام عبرية أن ليبرمان جهز خطة تقتضي تخصيص ميناء شحن بحري في قبرص لإمداد قطاع غزة بالبضائع بالإضافة إلى السماح بإدخال الأموال للقطاع لإعادة تأهيله لكن ذلك سيكون مقابل قيام حركة حماس بتسليم الجنود الصهاينة المعتقلين لديها منذ عام 2014م.

صرحت سلطة المطافئ في الكيان الصهيوني أنه في 23 يونيو الماضي اندلع 26 حريقاً في منطقة غلاف غزة بفعل البالونات الحارقة. يقول عاموس هرئيل الكاتب في صحيفة «هآرتس»: لا يزال الجيش يوصي مجلس الوزراء بعدم اجتياز خط استهداف الفتية الذين يقومون بإطلاق البالونات الحارقة، خوفاً من انهيار الوضع على الحدود مع غزة.

 منذ بداية إطلاق البالونات الورقية تقوم الطائرات الصهيونية بقصف مواقع فارغة للفصائل الفلسطينية المسلحة في محاولة لردعها بزعم أن تلك المواقع تستخدم لتجهيز وإعداد البالونات الحارقة والطائرات الورقية، وتقوم الفصائل الفلسطينية بإطلاق قذائف صاروخية في محيط المستوطنات الصهيونية المحاذية لقطاع غزة لكن تلك اللعبة متواصلة منذ زمن ويحاول الجيش الصهيوني أن لا تتطور إلى حرب مفتوحة لا يمكن توقع نتائجها، فتقديرات الجيش تقول أن حماس مستعدة للحرب أكثر من أي وقت مضى. 

يقول هرئيل: «الصراع طويل الأجل، وحماس في كل مرة تجد وسيلة أبسط لكنها أكثر فاعلية للضغط على إسرائيل».  لقد أثبت تكتيك استخدام الطائرات الورقية والبالونات أنه فاعل بالنسبة للفلسطينيين، فالحرارة والرياح تؤجج الحرائق والارتباك الأمني ينعكس على الجيش، بالإضافة إلى قلق المزارعين والمستوطنين في غلاف غزة والخسائر المالية الكبيرة؛ كل ذلك يضغط على الحكومة لاتخاذ إجراء يوقف ما يجري.

إن ميزة استخدام البالونات تطور طبيعي لمظاهرات مسيرات العودة، فهي تطلق من مسافة بعيدة عن السياج الحدودي، من عمق القطاع، من مكان لا تصله نيران القناصة الصهاينة.

تقول المخابرات الصهيونية إن الظاهرة ابتدعها فتية وأولاد صغار في السن من القطاع لكن الآن أصبحت حماس تسيطر عليها وتوجهها. في مقاربة بسيطة فإن الجيش الصهيوني مستنزف في هذه المعركة التي يحاول الفلسطينيون تحويلها لظاهرة روتينية، وختاماً يمكن القول إن معركة البالونات الحارقة تسرع من إجبار العالم على التعاطي مع أزمة حصار غزة بفاعلية؛ فمصر فتحت المعبر منذ بداية رمضان الماضي، وتقول الإدارة الأمريكية إنها ضغطت على مصر لإعادة الكهرباء إلى قطاع غزة بعد أن أوقفتها بسبب الحرب في سيناء.