تولى عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى الخلافة وقد ساءت أمورٌ كثيرة، وماجت فتن وتبدلت أحوال سنية. ومن أبرز تلك الأمور: سفك الدماء المعصومة وتأخير الصلاة عن وقتها بصفة رسمية والعبث بالمال العام وكثرة المظالم. ولم يكن الأمر بهذه السهولة، فقد مضى على ذلك زمن، مما جعل الخليفة يقول: «إني أعالج أمراً لا يعين عليه إلا الله، قد فني عليه الكبير، وكبر عليه الصغير، وفصح عليه الأعجمي، وهاجر عليه الأعرابي؛ حتى حسبوه ديناً لا يرون الحقّ غيره»[1].

كانت مهمة التجديد دقيقة وذات نفس طويل، وكان الدور التربوي أحد مسارات التجديد الذي انتهجه عمر بن عبد العزيز، وهو تربية عموم الناس على الدين الصحيح السليم كما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم .

لم يكن عمر بن عبد العزيز وهو يسير في هذا الاتجاه لوحده، بل كان معه من يعينه على الإصلاح والتجديد وعلى رأسهم: ابنه عبد الملك ومولاه مزاحم، وكانت بيده السلطة والأمر والنهي، فما فجأه إلا ابنه عبد الملك ينكر عليه تباطؤه وتأخيره حملَ الناس على بعض الحق، فقال له: إني لأراك يا أبتاه قد أخَّرتَ أموراً كثيرة كنتُ أحسبك لو وليت ساعة من النهار عجلتها، ولوددتُ أنك قد فعلتَ ذلك؛ ولو فارت بي وبك القدور. فقال له عمر: «أيْ بُني! إنك على حُسن قسم الله لك، وفيك بعض رأي أهل الحداثة، والله ما أستطيع أنْ أُخرِج لهم شيئاً من الدين إلا ومعه طرف من الدنيا أستلين به قلوبهم؛ خوفاً أن ينخرق عليَّ منهم ما لا طاقة لي به»[2]. لقد وصل الانحراف إلى درجة الرسوخ مما جعل عمر بن عبد العزيز يرتب أولويات الإصلاح، ويجعل له درجات، وإذا كان ابنه عبد الملك على درجة من تحمل التكاليف الشرعية، وعلى قدر من الاهتداء؛ فإنَّ عموم الناس ليسوا كذلك، فقبلَ منهم الخليفة التدرج في الإصلاح.

وهذا القبول لا يعني الرضا المطلق، وإنما يعني أنْ يكون مؤقتاً، كما يعني أنْ الناس في تقبل الدين وتكاليفه مشارب وأنواع، قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَابِ} [الزمر: 21]، قال ابن عاشور: «إنزال الماء من السماء تشبيهٌ لإنزال القرآن لإحياء القلوب، وإسلاك الماء ينابيع في الأرض تشبيه لتبليغ القرآن للناس، وإخراج الزرع المختلف الألوان تشبيه لحال اختلاف الناس من طيِّب وغيره، ونافع وضار، وهياج الزرع تشبيه لتكاثر المؤمنين بين المشركين... وقريب من تمثيل هذه الآية ما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكان منها نقيَّة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أُرسلت به»[3]

وإذا عرفنا أنَّ أحد أهداف التربية الإسلامية صناعة الرجال الأفذاذ من أصحاب العزائم والإقدام، فإنَّ كثيرين من الناس لن يكونوا كذلك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «إنما الناس كالإبل المئة لا تكاد تجد فيها راحلة»[4]. وقد أدرج البخاري رحمه الله تعالى هذا الحديث في باب «رفع الأمانة» ليشير إلى مسألة: الندرة والقلة، وهذا متحقق في تربية أصحاب العزائم والرجال الأفذاذ، وهذا يقتضي ألا يكتفى بهذا المسار في صياغة الإستراتيجيات التربوية، وإنما على المؤسسة التربوية أنْ تعتني بالجمهور العام وبمختلف الشرائح، ممن تستهدفهم التربية الإسلامية، بأهداف تربوية دون أهداف تربية العزائم، إذ تمثل تربية العزائم درجة واحدة من درجات التربية؛ برغم علو شأنها. هذا هو العدل، وهو الميزان القسط في التربية الإسلامية.

وإذا قامت المؤسسة التربوية بتوجيه كل طاقاتها نحو تربية العزائم وصناعة الأفذاذ فمن لعموم الناس وجماهير الأمة؟ أليست التربية الإسلامية تستهدف الإنسان المسلم؛ أياً كانت همته ومستوى تدينه وشخصيته؟ وبالتالي فإنه يتوجب صياغة مسارات متعددة في التربية الإسلامية تستوعب كافة الأنواع والشرائح والدرجات، وتستخدم مختلف التقنيات والوسائل، وتفقه الطريق الذي تسير فيه.

وإنَّ أجيال الأمة اليوم تعرضت لكثير من أمواج الفتن ورياح التغريب، وإنَّ انتشالها من ذلك يستغرق وقتاً وجهداً، وإدارة ذكية تتعامل مع هذا الواقع بما يلائمه ويناسبه، بعيدة عن الفكرة الواحدة والهدف الأوحد، كما قال عمر بن عبد العزيز: «إني أعالج أمراً لا يعين عليه إلا الله، قد فني عليه الكبير، وكبر عليه الصغير، وفصح عليه الأعجمي، وهاجر عليه الأعرابي؛ حتى حسبوه ديناً». يوجد في أجيال الأمة الغريق، ومن أشرف على الهلاك، ومن نأى به الموج بعيداً، ومن تبلل بالماء، ومن ألقت الريح عليه الأوساخ والغبار، ومنهم من سلم من تلك الرياح والأمواج، ومن أسهم في صدها وسلامة الناس من تبعاتها. إنهم ليسوا على مستوى واحد ولا على مسار واحد، فلذلك توجب تنويع مسارات ومستويات ودرجات التربية.

هنَّ أم الكتاب:

قسَّم القرآن الكريم ما جاء فيه من الآيات والتشريع إلى قسمين: محكم ومتشابه، فقال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [آل عمران: ٧].

المحكم هو اللفظ الذي دل على معناه دلالة واضحة قطعية لا تحتمل تأويلاً ولا تخصيصاً ولا نسخاً وما عداه فهو مشتبه[5]. فيدخل في المحكمات: قواعد الدين وأمهات الأحكام وقواعدها، قال الشاطبي رحمه الله تعالى: «أم الكتاب يعم ما هو من الأصول الاعتقادية أو العملية»[6]. والشاطبي في هذا يثبت أنَّ أمهات الأحكام الفقهية والتي يسميها الأصول العملية تأخذ حكم الأصول الاعتقادية في وجوب الإيمان بها والالتزام بمقتضياتها، فيقول: «فإنَّ المخالفَ في أصلٍ من أصول الشريعة العملية لا يَقْصُر عن المخالف في أصل من الأصول الاعتقادية في هدم القواعد الشرعية»[7]. ومما تدل الآية عليه أنه ينبغي عند الاشتباه الرجوع إلى المحكم الواضح وإعماله في المتشابه، قال ابن كثير رحمه الله تعالى: «يخبر تعالى أنَّ في القرآن آيات محكمات هنَّ أم الكتاب، أي: بينات واضحات الدلالة، لا التباس فيها على أحد من الناس، ومنه آيات أُخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن ردَّ ما اشتبه إلى الواضح منه وحكَّم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى، ومن عكس انعكس، ولهذا قال تعالى: {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} [آل عمران: ٧]، أي أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه»[8].

وهذه المحكمات هي علم العامة الذي عرَّفَه الشافعي رحمه الله تعالى بقوله: «لا يسعُ بالغاً غيرَ مغلوب على عقله جهلُه. مثل الصلوات الخمس، وأن لله على الناس صوم شهر رمضان، وحج البيت إذا استطاعوه، وزكاة في أموالهم، وأنه حرم عليهم الزنا والقتل والسرقة والخمر، وما كان في معنى هذا، مما كلف العباد أن يعقلوه ويعملوه ويعطوه من أنفسهم وأموالهم، وأن يكفوا عنه ما حرم عليهم منه. وهذا الصنف كله من العلم موجود نصاً في كتاب الله، وموجوداً عاماً عند أهل الإسلام، ينقله عوامهم عن من مضى من عوامهم، يحكونه عن رسول الله، ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه عليهم. وهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط من الخبر، ولا التأويل، ولا يجوز فيه التنازع»[9].

مسار المحكمات في التربية:

هذا الصنف من علم الشريعة، أعني المحكمات، أو ما أسماه الشافعي بعلم العامة، هو ما ينبغي أنْ يكون مساراً مهماً من مسارات التربية الإسلامية اليوم، يستهدف به عموم الشباب من الجنسين، فيحفظ فيهم - بإذن الله تعالى - محكمات الشريعة وأصول الأحكام الاعتقادية والعملية، وأمهات الأحكام وقواعد الدين، فإذا التبست المسائل واختلطت المناهج احتكموا إلى هذه المحكمات، وفزعوا إلى القواعد والأصول، فاعتصموا بها ولاذوا بحماها وثبتوا عليها ودافعوا عنها ودعوا الناس إليها.

وهذا المسار التربوي يستوعب القادة والأعيان والمعلمين والمهندسين والعسكريين والأطباء والماليين ورجال الأعمال وسائر المتخصصين في العلوم والفنون المتنوعة، إذ يجب على الجميع المحافظة على «أم الكتاب» اعتقاداً وعملاً ودعوة ودفاعاً. ولا يلزم من هذا المسار أنْ يخرِّج مربين وأصحاب هم دعوي، إذ هو يستهدف هذه المحكمات بالحفاظ عليها وتنميتها بالدرجة الأولى والرئيسة، وما بعد ذلك فهو نافلة.

كما أنَّ هذا المسار لا يتخذ شكلاً واحداً ولا يتمثل في قالب واحد، وإنما يتشكل بحسب التفاصيل النظرية والعملية لأي جهد يصب في هذا الاتجاه، وعليه فإنه لا حدود لأشكال البرامج التربوية المقدمة في هذا المسار، إلا الحدود الشرعية.

وهذا المسار التربوي لا يهتم كثيراً بتفاصيل الشريعة المتعلقة بدقائق النوافل والمستحبات ولا ما اختلف في وجوبه، أو كيفيته، ولا يحفل بالنهي عن تفاصيل المكروهات وما اختلف في تحريمه، وإنما يصب تركيزه على تربية النفوس على تعظيم ما أحكم الله تعالى وجوبه كالتوحيد وأركان الإيمان وأركان الإسلام وصلة الأرحام والوفاء والصدق والأمانة والعدل، وتعظيم ما أحكم تحريمه كالزنا والخمر وعقوق الوالدين وقتل الأنفس المعصومة والربا والسرقة والخيانة والغدر، وإنما هذه أمثلة، ومن أمثلتها الآيات التي أشار إليها ابن عباس رضي الله عنه أنها من المحكمات فقال: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [الأنعام: ١٥١]، والآيتان بعدها، وقوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا إيَّاهُ} [الإسراء: 23]، إلى ثلاث آيات بعدها[10].

وربما احتاج ربابنة مسار المحكمات إلى نصب ميزان المفاضلة الفقهي، فتركوا مأموراً به لأجل مأمورٍ به أهم منه، وغضوا الطرف عن محظور لاهتمامهم بمكافحة محظور أشد منه، وابتعدوا عن مشتبهات لأجل إحكام المحكمات.

إنَّ جيل اليوم يواجه طوفاناً من العمل الدؤوب من الكفار والمنافقين لتذويب محكمات الدين والتقليل من شأنها في النفوس والدعوة إلى أضدادها كالدعوة إلى الإباحية والكفر بالله تعالى والإلحاد وتفكيك الأسرة وغيرها، وما لم ننشغل بإحكام المحكمات في نفوسهم فإننا نخشى أنْ يتحول المجتمع إلى ما لا يرضي الله تعالى.

وإنَّ الدعوة إلى خط مسار المحكمات في التربية الإسلامية لا يعني التقليل من مسار تربية العزائم، وإنما يقتضي الموازنة بينهما بحيث يسيران في خطين متوازيين، وسيكون كل مسارٍ ردءاً وسنداً للمسار الآخر، يمده بالنجاح ويدرُّ عليه الكوادر.

وإنَّ الدعوة إلى خط مسار المحكمات في التربية الإسلامية يقتضي صياغة تأصيلية لمحكمات الشريعة، ورسماً لمنهج المحكمات التربوي، وإبداعاً للقوالب والبرامج والتقنيات التي سيتم من خلالها تربية الجيل على المحكمات، ليس منها القوالب المعتادة والمعروفة والمألوفة.


 


[1] سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم ص37.

[2] سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم ص51.

[3] تفسير التحرير والتنوير 23/376. والحديث أخرجه البخاري 1/45 كتاب العلم، باب فضل من علم وعلَّم، ح(79).

[4] أخرجه البخاري 4/191 كتاب الرقاق، باب رفع الأمانة ح6498.

[5] انظر كتاب المحكمات في الشريعة الإسلامية وأثرها في وحدة الأمة وحفظ المجتمع، د. عابد السفياني ص20، ومجمل المقالة وعدد من منقولاتها مستفاد في الأصل من هذا الكتاب البديع.

[6] الموافقات 5/145.

[7] الموافقات 5/147.

[8] تفسير ابن كثير 2/6.

[9] الرسالة ص357.

[10] تفسير ابن كثير 2/7.