إن من الأهمية بمكان أن نعرف خصائص الميزان الذي توزن به أعمال الإنسان، وفي هذا المقام نقف مع آيتين كريمتين من سورة الأعراف.

 يقول الله تبارك وتعالى: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْـحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ} [الأعراف: ٨].

{وَالْوَزْنُ} بذاته هو عفو من الله تعالى، لأنه لولا الوزن لعوقِبَ الإنسانُ بكل خطيئة ارتكبها، وهو يعني أن الإنسان عندما يكون خيره أكثر من شره، فإنه يدخل الجنة دون أن يُعاقَب بذلك الشر القليل مقارنة بالخير الكثير، وذلك من عفو الله بالإنسان. {وَالْوَزْنُ} وضع الحسنات مقابل السيئات، {يَوْمَئِذٍ} يوم الحساب، {الْـحَقُّ} لا زيادة ولا نقصان، سواء بما في رصيدك من الحسنات، أو بما فيه من السيئات. {فَمَن} مِن الناس جميعاً {ثَقُلَتْ} رجحت كفة {مَوَازِينُهُ} بالخير {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ}، لأن هذا الثقل يلغي كل ما هو في كفة الشر، كما لو أنه لم يفعله، وهذا من عفو الله تعالى، ذلك أن جانب الخير فيك رجح بجانب الشر، وخيرك أكثر من شرك، وطاعتك أكثر من ذنوبك، وحسناتك أكثر من سيئاتك. ورحمة الله تعالى غالبة على عقابه، {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ} حيث ظفروا بنعيم الجنة، ونجوا من شقاء النار.

فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ صَفْوَان بْن مُحْرِز قَالَ قَالَ رَجُل لِابْنِ عُمَر: كَيْفَ سَمِعْت رَسُول اللَّه فِي النَّجْوَى؟ قَالَ سَمِعْته يَقُول: «يُدْنَى الْمُؤْمِن مِنْ رَبّه يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يَضَع عَلَيْهِ كَنَفه فَيُقَرِّرهُ بِذُنُوبِهِ فَيَقُول هَلْ تَعْرِف؟ فَيَقُول أَيْ رَبّ أَعْرِف. قَالَ فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتهَا عَلَيْك فِي الدُّنْيَا وَإِنِّي أَغْفِرهَا لَك الْيَوْم. فَيُعْطَى صَحِيفَة حَسَنَاته، وَأَمَّا الْكُفَّار وَالْمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رؤوس الْخَلَائِق هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّه».

قَالَ حُذَيْفَة: «صَاحِب الْمَوَازِين يَوْم الْقِيَامَة جِبْرِيل، يَقُول اللَّه: يَا جِبْرِيل زِنْ بَيْنهمْ فَرُدَّ مِنْ بَعْض عَلَى بَعْض. قَالَ: وَلَيْسَ ثَمَّ ذَهَبٌ وَلَا فِضَّة، فَإِنْ كَانَ لِلظَّالِمِ حَسَنَات أُخِذَ مِنْ حَسَنَاته فَرُدَّ عَلَى الْمَظْلُوم، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَات أُخِذَ مِنْ سَيِّئَات الْمَظْلُوم فَتُحْمَل عَلَى الظَّالِم؛ فَيَرْجِع الرَّجُل وَعَلَيْهِ مِثْل الْجِبَال».

حَسَنات وسيّئات في الميزان

ولعلّك تسأل عمّا يتم وضعه في الميزان، فيجوز أن يكون ذلك على شكل صحائف تُسجّل عليها الأعمال، وكل صحيفة مكتوب عليها نوع العمل وحجمه، والأمر شبيه بالأوراق النقدية، فكل ورقة لها قيمتها النقدية المتفاوتة عن الأخرى، فهي في مجموعها سجلات، لكن قيمتها تكمن في فئاتها، فيكون الوزن بقدر القيمة. روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعين سجلاً كل سجل مثل مد البصر ثم يقول له أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ فيقول لا يا رب، فيقول أفلك عذر؟ فيقول لا يا رب، فيقول الله بلى إن لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج الله له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فيقول أحضر وزنك، فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات! فيقال فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله شيء»[1].

 وفي الخبر كما يذكر القشيري: «إِذَا خَفَّتْ حَسَنَات الْمُؤْمِن أَخْرَجَ رَسُول اللَّه بِطَاقَة كَالْأُنْمُلَةِ فَيُلْقِيهَا فِي كِفَّة الْمِيزَان الْيُمْنَى الَّتِي فِيهَا حَسَنَاته فَتَرْجَح الْحَسَنَات فَيَقُول ذَلِكَ الْعَبْد الْمُؤْمِن لِلنَّبِيِّ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! مَا أَحْسَنَ وَجْهَك وَمَا أَحْسَنَ خَلْقَك فَمَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُول أَنَا مُحَمَّد نَبِيُّك وَهَذِهِ صَلَوَاتك الَّتِي كُنْت تُصَلِّي عَلَيَّ قَدْ وَفَّيْتُك أَحْوَج مَا تَكُون إِلَيْهَا».

{فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ}، كلمة {الْـمُفْلِحُونَ} تذكّر بالفلاحة، عندما يزرع الفلاح ويجهد على زرعه، فيعطيه من ماله، وجهده، ووقته، ثم ينعم بنتيجة ذلك البذل عند الحصاد. ولا يستوي هذا مع الذي لم يزرع شيئاً، أو مع الذي زرع لكنه لم يجهد على زرعه، فلا يرى حصاداً يمكن أن يحصده وينعم به عندما يحصد الفلاحون المجدون حصادهم وينعمون به.

اعلم أن لدقة الوزن درجات أيضاً، وهذا ما يشير إليه مبتدأ الآية الكريمة: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْـحَقُّ}. أي نسبة الحسنات، ونسبة السيئات، فلا يتساوى جميع الذين ثقلت موازين الحسنات لديهم بذلك، فمنهم مَن تكون حسناته أكثر من غيره، وسيئاته أقل من غيره، ومنهم مَن تكون سيئاته أكثر من غيره، وحسناته أقل من غيره، برغم أن الجميع أصبح في الجنة ووقاه الله من عقاب تلك السيئات بعفوه ومغفرته.

{وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْـحَقُّ} أي إن الجنّة دَرَجات، بحسب ارتفاع نسبة الحسنات، برغم أن الجميع قد رجحت به حسناته وغدا في الجنة، كما أن جهنم دَرَكات في الجانب الآخر، بحسب ارتفاع نسبة السيئات، برغم أن الجميع قد رجحت به سيئاته وغدا في النار. ويمكنك أن تقيس ذلك على الامتحان، فليس كل ناجح يمكنه أن يدخل القسم الذي يريد، بل يدخل القسم الذي تؤهّله درجاته له، برغم أن الجميع قد حصل على وثيقة النجاح، وكذلك الذين يدخلون السجن، فليس الجميع في جناح واحد، بل كل يدخل الجناح الملائم بقدر جنايته. لأنه ليس من الحق أن يتساوى المتفوق بدرجة امتياز مع الناجح بالكاد، وليس من الحق أن يُوضَع شخص ارتكب مخالفة سير مع سجناء ارتكبوا جنايات مروعة، برغم أن الجميع مودع في السجن، فذلك معنى قوله: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْـحَقُّ} [الأعراف: ٨]، والله أعلم.

في الآية الثانية يقول الله عز وجل: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ} [الأعراف: ٩].

جاء في الآية السابقة: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ}، ثقلت موازين الخير على موازين الشر ورجحت بها، فخفت بذلك موازين الشر أمام ثقل موازين الخير. والآن تأخذك الآية إلى الجانب الآخر، حيث أولئك الذين {خَفَّتْ} بهم موازين الخير أمام ثقل موازين الشر: {وَمَنْ} مِن الناس جميعاً {خَفَّتْ} كفة {مَوَازِينُهُ} بالحسنات، ورجحت بالسيئات {فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم} أي حَرموا {أَنفُسَهُم} دخول الجنة التي أُعِدّت لِمَن {ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} بالخير، وما استطاعوا أن يقوا {أَنفُسَهُم} النار التي أعِدّت لِمَن {خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} بالشر.

وما جعلهم يُمنَون بهذه الخسارة الفادحة أنهم كانوا بآيات الله {يَظْلِمُونَ}. يجحدون شرع الله الذي أتت به آياته ويتبعون أهواءهم، وظلمهم إنما هو لأنفسهم، والآن يلقون عذاب ما اقترفوا من ظلم. فاعلم أن لا شيء لا وزن له عند الله سبحانه وتعالى، فحتى الخطوة التي تخطوها وأنتَ تبتغي منها الخير تكون لك خطوة خير في ميزانك، والخطوة التي تخطوها وأنتَ تبتغي منها الشر تكون خطوة شر في ميزانك. فكم من خطوة خطوتها، وأنتَ تجلب الطعام لعيالك، كم خطوة خطوتها وأنت تذهب إلى عملك، أو عبادتك، وأنت تمضي في صلح، وأنت تحمل مساعدة لمحتاج، وأنتَ تعود مريضاً، وأنتَ تصل رحمك، فهذه الخطوات كلها تُسجّل لك، كما أن الخطوات النقيضة تُسَجّل عليك. جاءت الخسارة في الآية مقابل الفلاح في الآية السابقة، فهناك فلحوا، وهنا لم يلفحوا.

الإكثار من الحسنات

ما تتعلّمه من ذلك هو الإكثار من الحسنات ما استطعتَ إلى ذلك سبيلاً، فلا تقل أنك أدّيتَ ما عليك من فرائض، وهذا كفيل بدخولك الجنة لأنّك أطعتَ الله تعالى في ما فَرَضه عليك. هذا صحيح وقد سقطت عنك كل الفروض لأنك أدّيتها، لكن هل تضمن أن أحداً لن يأتيك يوم الحساب، ويأخذ منك حسناتك، فتكون كأنك أدّيتها نيابة عنه لأنّك تجاوزتَ على حقوقه في الدنيا، ولعلّك ترى فوجاً مِن الناس كل واحد يطالبك بما ظلمته به، فلا تملك ما تسدد من الحقوق أمام عدالة الله سوى أن تعطيهم من كفة حسناتك، وشيئاً فشيئاً تخف كفة الحسنات، لتثقل كفة السيئات، بل لعل الحسنات كلها تنفد أمام كثرة أصحاب الحقوق، فتأخذ من كفة سيئاتهم لتضعها في كفة سيئاتك لتثقل أكثر فأكثر، وعندها ستدخل النار برغم كل ما أدّيتَ من فرائض، وما قمتَ به من حسنات، فالحذر من الاعتداء على حقوق الناس ولو بكلمة، أو إشارة، ولو بطريقة غير مباشرة. عن أبي هريرة رضي الله عنهُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناتهُ قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار[2].

عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَؤُلاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلاءِ الَّذِين يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ». فلا أحد يكون في غِنى عن الزيادة، لأن لا أحد يضمن أن أعماله الصالحة ستبقى له ولا تذهب إلى غيره من أصحاب الحقوق عليه، فهذه الزيادة تنفعك، فتعطي منها لأصحاب الحقوق دون أن ترجح كفة سيئاتك بكفة حسناتك. الأمر الآخر أن هذا الإكثار من الحسنات يمكن أن ينفعك في الطاعات المفروضة عليك، فإن كان بها نقص، يمكن لها أن تسدّ ذاك النقص بمشيئة الله، ثم لو أنك بريء الذمة ولا أحد له شيء عليك، فإن هذه الزيادة ستؤهلك للدرجات الرفيعة من الجنة، وتكون من أولي المقامات الرفيعة عند الله عز وجل. واعلم أن من أبواب الزيادة، أنك عندما لا تملك المال الذي يوجب الزكاة، وبرغم ذلك تكثر من الصدقات، وتعين المحتاجين بِما يقدّرك الله عليه، إن رأيتَ شخصاً وضع أذى على الطريق، وبرغم أن لا شيء عليك ممّا ينتج عن هذا الأذى، لكنك تذهب وتميطه عن الطريق، إن رأيتَ سيارة صَدَمت شخصاً، وأنتَ تمضي بسيارتك، ورأيتَ السائق يفرّ هارباً دون أن يسعف المُصاب، لكنك وقفتَ وأسعفتَ المصاب، وآثرتَ إنقاذ حياة إنسان على أي مصلحة أنتَ ذاهب لتحقيقها، أن تعفو عن شخص متعسّر، أن تمشي في صلح بين شخصَين متخاصِمَين، أن تلمس للناس أعذاراً، أن ترجح كفة التسامح في سلوكك على كفة العقاب، أن تكون مبتسماً أكثر مما تكون جَهماً، أن تكون متفائلاً أكثر ممّا تكون متشائماً، أن تكون حريصاً ألا يفقد الناس الأمل بخيرك مهما تقلّبت بك الأحول، فثمة أناس لا يأمل المرء منهم خيراً مهما كثر عندهم الخير، وثمة أناس يأمل المرء منهم خيراً مهما قل عندهم الخير.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ رَجُلاً بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزاً، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إلا رَفَعَهُ اللهُ»[3]. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم عفواً عن الناس. فبعد فتح مكة قال لأولئك الذين حاربوه وعادوه بعد أن تمكّن منهم: يا مَعْشرَ قريشٍ، ما تَظُنُّونَ أني فاعِلٌ بكُمْ؟ قالوا: خيراً أخٌ كرِيمٌ، وابنُ أخٍ كريم، قال: فإنِّي أقُول لكم كما قال يوسفُ لإخوَتِه: {لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ} [يوسف: 92] اذْهَبُوا فَأنْتم الطُّلَقَاء».

عن علي بن الحسين أنه قال: «إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم أهل الفضل، فيقوم ناس من الناس، فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنة بغير حساب، فتتلقاهم الملائكة، فيقولون: ما فضلكم؟ فيقولون: كنا إذا جهل علينا حلمنا، وإذا ظلمنا صبرنا، وإذا أسيء علينا عفونا. فيقولون: ادخلوا الجنة، فنعم أجر العاملين. ثم ينادي مناد: ليقم أهل الصبر، فيقوم ناس من الناس، فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنة بغير حساب، فتتلقاهم الملائكة، فيقولون: ما كان صبركم؟ فيقولون: صبرنا أنفسنا على طاعة الله، وصبرنا عن معاصي الله، فيقولون لهم: ادخلوا الجنة، فنعم أجر العاملين. ثم ينادي فيقول: ليقم جيران الله! فيقوم ناس من الناس، وهم الأقل، فيقال لهم: بم جاورتم الله في داره؟ فيقولون: كنا نتجالس في الله، ونتذاكر في الله، ونتزاور في الله، فيقولون: ادخلوا الجنة، فنعم أجر العاملين. وقال: بئس القوم قوم ختلوا الدنيا بالدين، وبئس القوم قوم عملوا بأعمال يطلبون بها الدنيا»[4]. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَأَجِدُ النَّبِيَّ يَمُرُّ مَعَهُ الأُمَّةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ النَّفَرُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ العَشَرَةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الخَمْسَةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ وَحْدَهُ، فَنَظَرْتُ فَإذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ، قُلْتُ: يَا جِبْريلُ، هَؤُلاءِ أُمَّتِي؟ قَالَ: لا، وَلَكِن انْظُرْ إلَى الأُفُقِ، فَنَظَرْتُ فَإذَا سَوادٌ كَثِيرٌ. قَالَ: هَؤُلاءِ أُمَّتُكَ، وَهَؤُلاءِ سَبْعُونَ أَلْفاً قُدَّامَهُمْ لا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلا عَذَابَ. قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: كَانُوا لا يَكْتَوونَ، ولا يَسْتَرْقونَ، وَلا يَتَطَيَّرُون، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»[5]، وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: «وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفاً لا حِسَابَ عَلَيْهِمْ، وَلا عَذَابَ، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفاً، وَثَلاثُ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي»[6]. فكما تُريد أن تُحَب، عليكَ أن تُحِب، كما تُريد أن تستر، عليكَ أن تَستر، كما تُريد أن يُحسَن الظَن بك، عليك أن تُحسِن الظَن، كما تُريد أن يعفى عنك عليكَ أن تعفو، كما تُريد أن تُعطى، عليكَ أن تعطي، كما تُريد أن يُحافَظ على عرضك، عليك أن تُحافِظ على الأعراض، كما تُريد أن يُماط الأذى عن دربك، عليكَ أن تميط الأذى عن الدروب. 

 


 


[1] أخرجه الترمذي وأحمد بن حنبل.

[2] رواه مسلم 347.

[3] أخرجه أحمد 2/235 (7205) والدارِمِي (1676) ومسلم (6684) والتِّرمِذي (2029) وابن خزيمة ( 2438).

[4] حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم الأصبهاني 3/139.

[5] متفق عليه.

[6] أخرجه الترمذي وابن ماجه.