ديننا لا يعرف الغدر والخيانة، وليس من مبادئه ترويع الآمنين، ولا يبدأ أحداً بعداوة، ولا ينقض العهود، ولكن الأعداء - أعداء المبادئ والقيم والأخلاق - هم من يبدأون الاعتداء ويغدرون ويخونون ومن يطالع السير والمغازي يجد ذلك واضحاً جلياً، ومن الأدلة الواقعية على ذلك حادثة ذي قرد التي أغار فيها عيينة بن حصن الفزاري من غطفان في أربعين من رجاله على الغابة التي ترعى فيها إبل النبي صلى الله عليه وسلم  فوجدوا بها ابن أبي ذر الغفاري وامرأته وراعي الإبل فقتلوا الغفاري وأخذوا امرأته فرأى ذلك غلام لعبد الرحمن بن عوف فدخل المدينة مسرعاً ليخبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان ذلك قبل أذان الفجر فكان أول من صادفه الصحابي سلمة بن الأكوع فأخبره بالأمر فقام سلمة بن الأكوع على جبل تجاه المدينة ونادى بأعلى صوته يا صباحاه ثلاث مرات فأسمع أهل المدينة كلهم ثم انطلق سلمة بن الأكوع مسرعاً خلف العدو (أربعون فارساً) ومعه سيفه ونبله، وهو يقول:

خُذْها أنا ابنُ الأكْوَع

واليومُ يومُ الرُّضّع[1]

وما زال يرميهم بالسهام حتى عقر منهم الكثير، حتى إذا دخلوا في مضايق الجبل علاهم بالحجارة، فما زال كذلك يتبعهم حتى تركوا البعير، ثم اتبعهم بالسهام، حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة، وثلاثين رمحاً - حتى أتوا متضايقاً من ثَنِيَّةٍ، فجلسوا يتغدون، وجلس سلمة على رأس قَرْن، فصعد إليه منهم أربعة في الجبل، فقال لهم: هل تعرفونني؟ أنا سلمة بن الأكوع، لا أطلب رجلاً منكم إلا أدركته، ولا يطلبني فيدركني، فرجعوا... وولى القوم مدبرين، فتبعهم حتى وصلوا إلى شعب فيه ماء يقال له: ذو قَرَد، ليشربوا منه، وهم عطاش، فأجلاهم عنه، فما ذاقوا قطرة منه.

فلما بلغ الخبر رسول صلى الله عليه وسلم  بالمدينة، تأهب هو وأصحابه للجهاد، وركب رسول الله مقنعاً في الحديد، فكان أول من قدم إليه المقداد بن عمرو في الدرع والمغفر، فعقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم  اللواء في رمحه، وقال امض حتى تلحقك الخيول، إنا على أثرك، واستخلف رسول الله ابن أم مكتوم على المدينة، ولحق رسول الله صلى الله عليه وسلم  سلمة بن الأكوع والخيل عشاء، فقال له: يا رسول الله، إن القوم عطاش، فلو بعثتني في مئة رجل استنقذت ما عندهم من السَّرْح[2]، وأخذت بأعناق القوم، فقال: «يا بن الأكوع! ملكت فأسجح»[3]، ثم قال: «إنهم ليقرون الآن في غطفان». وقال رسول الله: «خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة». وأعطى سلمة سهمين، سهم الراجل وسهم الفارس، وأردفه وراءه على العَضْبَاء راجعين إلى المدينة[4].

فوائد وعبر من الغزوة:

القرصنة والاعتداء على الآمنين من شيم الجبناء:

فغطفان أغارت على إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم  دون وجه حق، وقتلت ابن أبي ذر الغفاري، وأخذوا امرأته، وأخذوا الإبل كلها وهي ترعى في الغابة، فكان من حق رسول الله صلى الله عليه وسلم  أن يؤدبهم، ويدفع صولتهم، فهذا من دفع الصائل، والصائل هو المعتدي على النفس والمال والعرض، وقد فعلت غطفان الثلاث، فاعتدوا على المال (الإبل)، واعتدوا على النفس (قتلوا ابن أبي ذر)، واعتدوا على العرض (زوجة ابن أبي ذر).

إن الاعتداء الغاشم من غطفان قبل الفجر وقتل الغفاري وأسر زوجته، وأخذ الإبل، ليبين خسة وجبن الأعداء، وأنهم لا يستطيعون المواجهة، ولكن قتالهم ومهاجمتهم تكون غدراً أو تحصناً بجدرهم وقلاعهم، وهذا ما بينه القرآن الكريم، قال تعالى: {لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ} [الحشر: 14].

سرعة نجدة الملهوف وبذل كل ما يستطاع لدفع الضرر عنه:

سلمة بن الأكوع بمجرد أن أخبره الغلام بأمر الاعتداء - من عيينة بن حصن الفزاري من غطفان - صعد على الجبل وصاح بأعلى صوته كي ينذر من في المدينة، ثم ذهب بنفسه وراء أربعين رجلاً يقاتلهم وحده وهم يفرون منه؛ وسلمة يغامر بنفسه نجدة للملهوف ووقوعاً مع المظلوم؛ لأنه يعلم أن نجدة الملهوف من أجل الأعمال عند الله، وأن دفع الضرر عن المسلم عند التمكن واجب شرعي وإنساني، وكأن سلمة بن الأكوع يرسل رسالة إلى أمة النبي صلى الله عليه وسلم  أن يسرعوا إلى نجدة المسلمين الذين يجهز عليهم الأعداء في ديارهم متعدين على أموالهم وأعراضهم، يسفكون دماءهم ويتفننون في تعذيبهم والعالم يسمع ويرى، وليس له إلا الشجب والإدانة؛ حتى إن شجبنا وإدانتنا أصبحت على استحياء فتجرأ علينا الأعداء وأخذوا مقدساتنا واحتلوا كثيراً من أراضينا.

استحباب إظهار الشجاعة عند لقاء العدو وأنه لا يضيع حق وراءه مطالب:

إن إصرار سلمة بن الأكوع على ملاحقة أربعين رجلاً وحده جعل العدو يظن أن هناك مدداً خلفه، حيث لم يظهر عليه أي خوف بل كان مقداماً يسوق العدو أمامه يلاحقه في كل مكان حتى جعله لا يهنأ بشربة ماء، واسترد كل ما أخذه العدو، وهذا الإصرار من سلمة في ملاحقة القراصنة الغاشمين يدل على أنه لا يضيع حق وراءه مطالب، وأنه ينبغي على المسلم أن يتحلى بالشجاعة - دون تهور - وأن يثبت على المبادئ مهما كلفه الأمر، ولكن لا بد أن ينطلق من منهج سليم وفكر سديد وأن تكون المبادئ مشروعة تحقق المصالح العامة، وليس المصالح الشخصية التي تدمر البلاد والعباد.

استحباب الثناء على الشجاع ومن فيه فضيلة:

فقد أثنى صلى الله عليه وسلم  على سلمة لشجاعته وفروسيته، وعلى أبي قتادة فقال: خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة» . وأعطى سلمة سهمين، سهم الراجل وسهم الفارس. يقول ابن حجر: «وفي الحديث [أي حديث سلمة بن الأكوع] جواز العدو الشديد في الغزو، والإنذار بالصياح العالي، وتعريف الإنسان نفسه إذا كان شجاعاً ليرعب خصمه، واستحباب الثناء على الشجاع ومن فيه فضيلة لاسيما عند الصنع الجميل ليستزيد من ذلك ومحله حيث يؤمن الافتتان»[5].

الغفو عند المقدرة من شيم الرجال:

طلب سلمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم  مئة رجل ليهاجم بهم غطفان فقال: يا رسول الله، إن القوم عطاش، فلو بعثتني في مئة رجل استنقذت ما عندهم من السرح، وأخذت بأعناق القوم، فقال صلى الله عليه وسلم : «يا بن الأكوع! ملكت فأسجح»، فمعنى اسجح أي: أَحْسِنِ العفو وتكرم. وهذا دليل على العفو عند المقدرة وعدم المبالغة في الاعتداء، حيث استرد النبي صلى الله عليه وسلم  الإبل وهذا هو المراد، فلا داعي لمهاجمة القوم مرة أخرى، وهذا من شيم الرجال أصحاب القيم والمبادئ، وقد تكرر ذلك منه صلى الله عليه وسلم  في كثير من المواقف، فعند فتح مكة دخل منتصراً وقال لأهل مكة: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

إنسانية النبي صلى الله عليه وسلم  في تعاملاته خاصة مع المرأة:

امرأة ابن أبي ذر نجاها الله على ناقة النبي صلى الله عليه وسلم   فقالت يا رسول الله إني نذرت إن نجاني الله عليها أن أنحرها فآكل من كبدها وسنامها. فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم  وقال بئس ما جزيتها أن حملك الله عليها ونجاك ثم تنحرينها! إنه لا نذر في معصية الله ولا في ما لا تملكين، إنما هي ناقة من إبلي فارجعي إلى أهلك على بركة الله. وهذا الموقف يبين إنسانية النبي صلى الله عليه وسلم  في تعامله مع المرأة، وحلمه وتبسمه برغم عدم مشروعية طلبها ونذرها.

تواضع الرسول صلى الله عليه وسلم :

أردف صلى الله عليه وسلم  وراءه سلمة بن الأكوع على العَضْبَاء ورجع إلى المدينة، بعدما حقق سلمة نصراً كبيراً على الأعداء، وهنا يظهر تواضع القائد الأعلى للمسلمين وهو يصطحب سلمة على ناقته، وقد أردف من قبل عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - على حماره، وكثيراً من الصحابة، ليعطي لأمته درساً عملياً في التواضع وخفض الجناح للمسلمين، وإن علو المنزلة يكون بالأخلاق العالية وباجتناب الأخلاق السيئة.

 


 

 


[*] قرد: هو ماء على نحو بريد مما يلي بلاد غطفان، ويقال على مسيرة ليلتين من المدينة بينها وبين خيبر على طريق الشام، والقرد في اللغة الصوف الرديء خاصة، وتسمى غزوة الغابة وكان ذلك بعد صلح الحديبية وقبل خيبر بثلاث (عمدة القاري شرح صحيح البخاري، لبدر الدين العيني الحنفي 26/41).

[1] يوم الرضع: أي يوم هلاك اللئام من قولهم: لئيم راضع وهو الذي رضع اللؤم. (شرح السنة، للإمام البغوي 14/19).

[2] السرح: المال السائم، وعن الليث: السرح: المال يسام في المرعى من الأنعام (تاج العروس، الزبيدي 6/461).

[3] أي قدرت فسهل وأحسن العفو، وهو مثل سائر (النهاية في غريب الأثر - ابن الأثير 2/859).

[4] السيرة النبوية لابن كثير3/292 بتصرف كبير وزيادات.

[5] فتح الباري، لابن حجر 7/463.