الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:

هل حقاً للأمم والشعوب ذاكرة؟ وإذا كان هذا حقاً فما هي ماهيتها وكيفية تأثيرها على الواقع المعاش؟ وما دورها في توجيه الأحداث؟ وهل يمكن أن تفقد الشعوب ذاكرتها؟ وما هي طريقة استعادة أو تنشيط الذاكرة؟

إنها تساؤلات تصعب الإجابة عليها بسهولة، ولكن يمكن تقريب الموضوع بطرح أمثلة يعرفها الناس، وذلك بعد معرفة ماذا نعني بالذاكرة الشعبية، فذاكرة الأمة أو الشعب هي المعلومات المستقرة في أذهان الناس بغض النظر عن مستواهم الثقافي أو الاجتماعي، وهي تتفاوت من عقائد راسخة حول أصل الخلق وطبيعة المعبود، إلى قواعد أخلاقية تحكم تصرفات الناس وتعاملاتهم وتنتهي بانطباعات حول الأمم والشعوب الأخرى، وبالتالي لا يمكن التعامل مع قوم بصورة صحيحة دون استحضار ما هو موجود في ذاكرتهم الجمعية. يكاد يجمع البشر على وجود خالق، وهذا نتيجة ما بقي من إرث الأنبياء، ولكن اختلفوا في طبيعته وعلاقته بالمخلوقين، ومن أنكر الخالق تخبط في بحثه عن أصل الكون وكيفية الخلق، ولذا نجد أنه بعد كل موجة إلحاد تسود العالم تعقبها عودة للتسليم بوجود الخالق، ولذا يمكن الجزم أن وجود الخالق من الأمور المستقرة في الذاكرة البشرية ويدل على ذلك قوله تعالى: {وَإذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 172]، ويلاحظ أيضاً تشابه البشر في القواعد الأخلاقية مثل فضيلة الصدق والأمانة والإحسان والشجاعة والانضباط الأخلاقي، وهي من الأمور المستقرة في الذاكرة وإن شابها كثير من المكابرة والإنكار. وقد أراد الله ألا يكون الناس أمة واحدة بل جعلهم شعوباً مختلفة في الصفات الجسمية والنفسية وكتب عليهم التنوع والاختلاف، بل إن سنة الله في تدافع الأمم ضرورة لعمارة الكون كما قال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13]، وقوله تعالى: {فَهَزَمُوهُم بِإذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْـمُلْكَ وَالْـحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251]، وقوله تعالى: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40]، نعم إنه تاريخ طويل من التعارف والتدافع أدى إلى تراكم انطباعات متبادلة راسخة في الذاكرة لها أثر كبير في سير الأحداث وتوجيهها، ولعله من المفيد أن نقدم خلاصة لما في ذاكرة الأمم وخاصة التي تتدافع في منطقتنا وتتصارع ولهذا أهمية قصوى لفهم ما يجري وما يمكن أن تؤدي إليه الأحداث الراهنة.

أولاً: نبدأ بنا نحن المسلمين السنة، فالمسلمون أمة دعوة ولذا انتشر الإسلام في كافة أنحاء المعمورة، ونجد أن هناك عاطفة محبة تجمعهم وإحساساً بأن تاريخ الأمة هو تاريخهم، ومن ثم عظماؤهم على مر التاريخ لا يحدهم مكان ولا جنس، فمثلاً يحس كل مسلم بالمحبة والفخر بكل بطل بزغ نجمه يوماً ما بغض النظر عن أصله أو لغته، وإذا تجاوزنا رسولنا عليه أفضل الصلاة والسلام وصحبه الكرام وقادة الفتوح الأوائل فإننا نتذكر من دونهم ممن برزوا في الفترات العصيبة للأمة، فمثلاً من لا يتذكر أحمد في الفتنة، وقطز في عين جالوت، وصلاح الدين في حطين، ومحمود الغزنوي في فتح الهند، ويوسف بن تاشفين في الزلاقة، ومحمد الفاتح في القسطنطينية، والأخوين بربروسا بين الأندلس والجزائر، وأحمد عرفان في الهند، وعبد الكريم الخطابي في ريف المغرب، وعمر المختار في ليبيا، والقسام في فلسطين، وغيرهم كثير، والمقصود أن زعماء الأمة وأبطالها يبقون في الذاكرة على اختلاف أجناسهم وكل مسلم يحن ويتمنى عودة الزمن الجميل زمن الظهور والحيوية.

ثانياً: الروم أو الغرب يتنازعهم انتماؤهم الثنائي الروماني النصراني، ويسيطر عليهم هوس السيطرة على العالم والخوف المرضي من عودة المسلمين للساحة مرة أخرى، وبالتالي لديهم عقد ممن وقف في وجههم في حملاتهم الصليبية المستمرة، فلم ينسوا صلاح الدين ومحمد الفاتح، بل وما زال حقدهم حتى على السلطان عبد الحميد. لديهم قدرة على استغلال الغير مع قدر عالٍ من العنصرية واحتقار الآخرين. لديهم سخاء في تقديم الوعود فتمكنوا من ضم اليهود والرافضة وفاقدي الذاكرة من السنة، وكلاً أعطوه وعداً يلائمه. الأنظمة في البلدان الغربية تعلن أنها علمانية، ولكن من الواضح أن هناك أموراً كثيرة تدار من الفاتيكان.

ثالثاً: الروس وهم من السلافيين وينظر إليهم الغربيون بدونية، وكانوا خاضعين للتتر المسلمين ولم يصبح لهم دور إلا بعد فتح القسطنطينية وانتقال الكنيسة الأرثوذكسية إلى موسكو، وكانوا يشنون حربهم الصليبية الخاصة بهم ضد المسلمين وعانت منهم الدولة العثمانية الكثير. حالياً هناك تحالف معلن بين نظام بوتين والكنيسة. الروس ليسوا أصدقاء لا للغرب ولا المسلمين. ساهم اليهود الروس في إسقاط نظام القيصر وكانوا قادة الحزب الشيوعي وبرزوا أيضاً في عصر يلسن، أما الآن فقيمتهم لدى الروس بقدر قوة المافيا الروسية اليهودية في الغرب وخاصة أمريكا.

رابعا: اليهود، يعاني اليهود حالياً حالة من التخبط والاضطراب فليس من الواضح هل هم يستغلون الغرب أم إن العكس هو الصحيح؟! فمثلاً الحركة الماسونية شعاراتها لادينية مفتوحة لكل البشر ولديها طقوس ورموز يهودية وتحمس اليهود لها وخدموها، ولكن من الواضح أنها خدمت أغراض الغرب في مشروع السيطرة على العالم، فإذا لم يكن اليهود يسيطرون حقاً على الغرب فهم يتعرضون للاستخدام، وأيضاً هناك إحساس لدى متديني اليهود أن الحركة الصهيونية صليبية قبل أن تكون يهودية، وليس سراً أن الصهاينة النصارى وجدوا قبل اليهود وزعماء الصهاينة هم نصارى متدينون ويهود علمانيون!

اليهودي يحس أنه مكروه ومضطهد، ومساعي الغرب حالياً لإقحامهم أكثر في صراعات المنطقة تثير لديهم كثيراً من الشكوك، فإذا كان النصارى يسيرون نحو هرمجدون فاليهود مجرد قربان.

خامساً: الرافضة، وهم لديهم حقد على السنة وإحساس بالاضطهاد، وبالتالي فهم صيد سهل للغرب في مشاريعهم ضد السنة. لقد استغل الشيعة سابقاً وحالياً وتوسعوا تحت مظلات مختلفة وهم حالياً بين حالين، إما أن ينتصر الغرب ويهمش مكاسبهم أو ينهزم ويتراجع وبالتالي يدفعون ثمن الخيانة.

لقد ركز الغرب أثناء الصراع مع السنة على التلاعب بذاكرة المسلمين فبدل الفكر الإسلامي الجامع تمت مزاحمته بل وأحياناً استبداله بفكر قائم على عصبيات ضيقة فتم نشر القومية بل والإقليمية وقامت محاولات حثيثة لإبراز النعرات فتمت رعاية الطورانية والكردية والفرعونية والأمازيغية بصورة تظهر أنها ثقافات لا تقبل الإسلام الدخيل، بل إنه حتى الانتصار للعروبة يقتضي الاحتفاء بكل ما ينقلنا إلى ما قبل الإسلام. إنها محاولات بائسة لمسح الذاكرة واستبدالها بذاكرة جديدة متابعة الغرب فيها طريق النجاح واليهود جيران وأصدقاء. الأمة في حالة صعبة ومحنة عظيمة لأن الذاكرة تحتاج إلى تنشيط قائم على استعادة الذاكرة الأصلية، قال تعالى: {هَا أَنتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 199]، وقال الإمام مالك رحمه الله: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها».