رودولف فون سيبوتندورف، شخصية غامضة مؤثرة جداً لا يعرفها كثير من المهتمين بتاريخ الحربين العالميتين فضلاً عن غيرهم.

ولد سيبوتندورف عام 1875م في مقاطعة سيليسيا الألمانية، ثم انتقل في مستهل القرن العشرين إلى الإسكندرية حيث كان في ضيافة حسين باشا، أحد أثرياء الأتراك الذين كانوا من حاشية الخديوي عباس حلمي الثاني، ويقال إن سيبوتندورف خدم الخديوي إلى عام 1900م.

في يناير من عام 1900م انتقل سيبوتندورف إلى إسطنبول، وهناك تعلم التركية، والتحق بمحفل ماسوني يُشتبه في انتسابه إلى جمعية الاتحاد والترقي، كما كان له ارتباط ببعض المستثمرين الألمان والسويسريين[1].

كان مما أثار اهتمامه دراويش الطريقة المولوية الصوفية التي تنتسب إلى جلال الدين الرومي، ثم انتهى به المطاف إلى أن التحق بالطريقة البكتاشية وأسس حلقة لهذه الطريقة عام 1910م، وهذه الطريقة واحدة من أخطر الحركات الشيعية التي تلبست بلباس الصوفية، كما أنها باطنية المعتقد تقول بوحدة الوجود وتؤله الأئمة، كما أن أتباعها يساوون بين جميع الأديان، ويرون أنه ليس هناك كبير فائدة للأعمال والشعائر. وفي طريقة هؤلاء الدراويش عناصر نصرانية ووثنية في تعاليمهم السلوكية؛ فهم يحتفلون بما يشبه العشاء الرباني، ويوزعون النبيذ والخبز والجبن في اجتماعاتهم في صحن التكيّة، وهو مكان اجتماعاتهم[2]. وهذه الحقائق تفسر دعم الطريقة البكتاشية الصوفية الماسونية للاستعمار الغربي ضد الدولة العثمانية، فلا غرو أن يحصل سيبوتندورف على الجنسية العثمانية/ التركية خلال مدة وجيزة من التحاقه بهذه الطريقة!

ولما عاد هذا الصوفي إلى ألمانيا استُقبل بحفاوة من قِبل إحدى الجماعات السرية المعروفة باسم «التنظيم الألماني»، وأصبح سيداً لهذا التنظيم في بافاريا، ولا يزال هذا التنظيم ينزع إلى السياسة حتى أصبح مسيساً تماماً تحت اسم «جمعية ثولي».

يقول المؤرخ السويسري «جان فان هلسينج» في كتابه «الجمعيات السرية وسلطتها في القرن العشرين»: «تكونت حلقة حول البارون رودولف فون سيبوتندورف وأصبحت عام 1918م في باد أيبلينج جمعيةَ ثولي... ديتريخ بروندر [صاحب كتاب: قبل أن يأتي هتلر] وإ. ر. كارمين [صاحب كتاب: المعلم الروحي لهتلر] سَمَّيا الأعضاء القياديين كالتالي:

- البارون رودولف فون سيبوتندورف: السيد الأعظم للتنظيم.

- جويدو فون ليست: أحد سادة التنظيم.

- جورج لانز فون ليبينفلز: أحد سادة التنظيم.

- أدولف هتلر: الفُورَر [القائد]، والمستشار الألماني، والقائد الأعلى للـ(إس إس).

- هاينريخ هملر: قائد الـ(إس إس) في الرايخ، ووزير الرايخ»[3].

ثم يستمر الكاتب في وصف مدى تأثير هذه الجمعية الباطنية المسيَّسة على هتلر فيقول:

«وظَّفت [جمعية] ثولي هتلر خطيباً في الحملات الانتخابية، بعدها علَّمه ديتريخ إكارت الأسلوبية والخطابة بشكل متميز. لقد جعل إكارت منه هتلر الذي عرفه الناس... تبنى هتلر أفكار ثولي كلها تقريباً... أخذ هتلر تحية ثولي (Heil und Sieg) [تحية ونصر] وجعلها (Sieg Heil) [يحيا النصر]. وهذه التحية مع رفع الذراع هي أحد الطقوس»[4].

في عام 1924م نشر سيبوتندورف كتابه «ممارسة الماسونية التركية القديمة»، ووصف فيه بعض عقائد الطائفة البكتاشية المرتبطة بالأعداد والتنجيم والسحر، كما عدَّ نفسه ممن حازوا مفتاح الخيمياء القديمة.

في أثناء الحرب العالمية الثانية كان سيبوتندورف عميلاً مزدوجاً للجيش البريطاني. ومات في مايو من عام 1945م.


 


[1]  Nicholas Clarke. The Occult Roots of Nazism (NY: Tauris Parke Paperbacks, 2004), p. 135.

[2] البكتاشية: خليط من الصوفية والتشيع (www.islamstory.com ).

 [3] Helsing, Jan van. Secret Societies and Their Power in the 20th Century (Zurich, Switzerland: EWERTVERLAG S.L., 1995), pp. 166-177.

[4]  Helsing, Jan van. Secret Societies and Their Power in the 20th Century, pp. 166-177.