البداية: مرحلة غارقة في أساطير اليونان، التي تشكل المورد الفكري الأول للحضارة الغربية المعاصرة، وبالتحديد عند أسطورة برومثيوس، سارق النار، إذ تتحدث تلك الأسطورة عن أن الآلهة والملوك لم يكونوا يريدون أن يحصل البشر على العلم والمعرفة لئلا يشكلوا تحدياً أو تهديداً لهم، فلما تحايل برومثيوس على رغبات الملوك والآلهة ومنح البشر العلم والمواهب بل وسرق لهم النار المقدسة من الآلهة، كان العقاب هو الفتنة وصندوق الشرور الذي حملته باندورا، حيث عوقب البشر بالنفاق والأمراض والفقر والجوع كي لا يتمتعوا بما ظفروا به.

هكذا كان العلم انتزاعاً بشرياً من الآلهة، وخصماً من سلطتها، فبقدر ما يتحصل الإنسان من العلم بقدر ما يخصم من سلطة الإله ويزيد في سلطته.

المرحلة الوسيطة: تلك هي العصور الوسطى، حيث امتلكت الكنيسة حق المعرفة المقدسة، فقد بدأ الصراع باكراً بين الكنيسة والتراث الحضاري الفلسفي الوثني السابق عليها، وأغلقت مدرسة أثينا، وضربت بيد من حديد على الفلسفة الإغريقية في الإسكندرية، ورأت الكنيسة أن الطريق الوحيد لتطهير الروح هو طريقها إلى الله - كما في كتابهم المحرف -، والضلال هو البحث عن الحقيقة في غير   الكتاب المقدس، والتفكير والتمحيص في أمور دنيوية[1]، حتى قال بولس: «ألم يصف الرب المعرفة الدنيوية بالغباوة؟»[2]. ثم تطور الأمر عبر المعركة الشهيرة المعروفة بين الكنيسة والعلم والتي انتهت على كل حال إلى أن يكون كل منهما عدواً للآخر وتهديداً له.

وبهذا مثلت الكنيسة تحققاً لأسطورة برومثيوس حين ابتدأ الصراع بينها وبين الموجة العلمية الصاعدة، فصار كل تقدم علمي خصماً من رصيدها وإضافة لرصيد العلمانية والعقلانية.

المرحلة الأخيرة: وهي المرحلة التي لا تزال الحضارة الغربية تحياها، فهي انتصار الإنسان والعقل والعلم على الكنيسة والدين والخرافة. لقد عملت أجواء العداء بين الكنيسة والعلم على أن تتحد معاني العقل والعلم والإنسان لتقف كمعنى واحد وكتلة صلبة أمام معاني الكنيسة والدين والخرافة التي صارت أيضاً كتلة واحدة صلبة.

ومع اكتشاف نيوتن لقوانين الحركة استطاع العقل معرفة كيف يجري الكون، ورأوا أن العقل لم يعرف هذا «بفضل الله» بل بقدرته الذاتية، ليس هذا فحسب، بل إن معرفته بهذه القوانين هي ضربة لفكرة الإله أصلاً، حيث لم يعد الكون يتحرك بمشيئة الله أو رعايته، بل طبقاً لقوانين صارمة. وتلك ستكون القاعدة في كل اكتشاف جديد، سيكون خصماً من رصيد الإله وضرباً لفكرة وجوده وإضافة إلى رصيد العقل وترسيخاً لقدراته.

كان التقدم العلمي يزيد من الثقة في العقل وقدراته، ومع كل تقدم جديد تزداد الثقة، حتى صار العقل هو السبيل الوحيد لمعرفة «الحقيقة»، تلك الحقيقة التي لا بد أنه سيصل إليها يوماً ما، بالمزيد من اكتشاف القوانين التي تسير الكون. وفي ظل الصراع المحموم بين الفكرتين ستكون البيئة العلمية أشد قبولاً للأفكار المغذية والداعمة للصراع والمنتصرة للإنسان على حساب الإله، فمثلاً: ستجد أفكار داروين قبولاً أشد من أفكار مندل، لأن الأولى أكثر قوة وحسماً في استبعاد الإله من الخلق إذ فكرة التطور المنحدر من خلية واحدة تضيق المشكلة لتجعل البحث منحصراً في كيف وُجِدت الخلية الأولى، بينما أفكار مندل تبقي الأمر معقداً لأن غاية ما تثبته أن السلالات يمكن تحسينها لا أنها تنقلب خلقاً آخر. وهكذا كان للمعركة الفلسفية دورها في الميدان العلمي.

على كل الأحوال جرت قصة العلم في أوربا منذ القرن السابع عشر لتكون قصة الثقة المتزايدة في العقل، العقل الذي يستطيع - بنفسه أو بالحواس، تبعاً للمدرسة العقلية أو التجريبية - أن يصل إلى الحقائق، حتى صار تاريخ العلم هو تاريخ «ظفر العقل البشري بالتحرر»، وصار مستقبله يمضي نحو «الحتمية العلمية الشاملة»[3]، تلك الحتمية التي يعبر عنها جوليان هكسلي بوضوح حين يقول: «الإنسان كان يخضع لله في عصر الجهل والعجز، أما الآن وقد تعلم وسيطر على البيئة فقد آن له أن يحمل على عاتق نفسه ما كان من قبل في عصر الجهل والعجز يلقيه على عاتق الله، ومن ثم يصبح هو الله»[4].

لما انتصر العلم على الكنيسة، والعقل على الدين، والإنسان على الإله ظهرت مشكلة لم تكن بالحسبان.. لقد انتهت المرجعية! لم يعد ثمة شيء مقدس! وحيث انتهى المقدس فقد انهارت معه كل القيم والمثاليات والأخلاق. يقول فاكيلاف هافل (رئيس جمهورية التشيك): «إننا نعيش في أول حضارة ملحدة في التاريخ البشري، فلم يعد الناس يحترمون ما يدعى القيم الميتافيزيقية العليا، والتي تمثل شيئاً أعلى مرتبة منهم، شيئاً مفعماً بالأسرار، وأنا لا أتحدث هنا بالضرورة عن إله شخصي، إذ إنني أشير إلى أي شيء مطلق ومتجاوز، هذه الاعتبارات الأساسية كانت تمثل دعامة للناس وأفقاً لهم؛ ولكنها فقدت الآن، وتكمن المفارقة في أننا بفقداننا إياها نفقد سيطرتنا على المدنية، التي أصبحت تسير من دون تحكم من جانبنا، فحينما أعلنت الإنسانية أنها الحاكم الأعلى للعالم، في هذه اللحظة نفسها، بدأ العالم يفقد بعده الإنساني»[5].

هنا كان من واجب العلم والعقل والإنسان أن يبحث عن إعادة تعريف كل شيء من جديد، ومنه تعريف الإنسان نفسه، وحيث أنكر وجود الإله، فالإنسان هو جزء من الكون المادي وخاضع لقوانينه، ومن ثم لا بد أن تكون العلوم الإنسانية الاجتماعية خاضعة لقوانين حتمية صارمة تماماً مثلما خضعت المادة لقوانين حتمية صارمة تكشفها الفيزياء والكيمياء، يقول أوجست كونت مؤسس المذهب الوضعي: «ما دمنا نفكر بشكل وضعي في مادة علم الفلك أو الفيزياء، لم يعد بإمكاننا أن نفكر بطريقة مغايرة في مادة السياسة أو الدين، فالمنهج الوضعي الذي نجح في علوم الطبيعة يجب أن يمتد إلى كل أبعاد التفكير»[6].

وكان من أخطر ما ظهر هنا «الوضعية» في مقابل «المعيارية»، فحيث لا يوجد إله ولا مقدس لن يوجد المثال أو المعيار، وإذا أخذنا «الأخلاق» مثالاً، فسنجد أن كل التاريخ الفكري يتعامل مع علم الأخلاق باعتباره من العلوم المعيارية؛ بمعنى أنه لا يدرس ما هو كائن، بل ما ينبغي أن يكون[7]؛ ولذا فمهمته هي وضع الشروط التي يجب توافرها في الإرادة الإنسانية وفي الأفعال الإنسانية؛ لكي تصبح موضوعاً لأحكامنا الأخلاقية[8]. حتى جاء القرن التاسع عشر وظهرت مدرسة في فرنسا تنظر إلى علم الأخلاق باعتباره تفسير ما هو كائن، لا باعتباره معياراً لما ينبغي أن يكون[9]، وصارت الأخلاق لديهم تساوي «القواعد السلوكية التي تسلم بها جماعة من الناس في حقبة من حقب التاريخ»، فنزعوا عن القيم الأخلاقية فكرة الثبات والدوام[10].

أما قصة العلم في الحضارة الإسلامية فلها شأن آخر، مفترق عن قصة الحضارة الغربية في المنشأ والوسط والمنتهى، نسوق هنا خلاصته بإيجاز[11]:

ونبدأ في ذلك بضرب المثال، إن علم «الاقتصاد» طبقاً للرؤية المادية التي تتأسس عليها الحضارة الغربية هو: العلم الذي يحاول التوفيق بين الموارد المحدودة في الكون والحاجات غير المحدودة للإنسان. فيكون طبيعياً في هذا السياق أن يظهر مفكر اقتصادي مثل مالثوس يقول إن الحروب والنزاعات إنما هي حلول تعيد الطبيعة بها تنظيم نفسها ومواردها، وإن الجوع والمرض والموت إنما هي موانع إيجابية في مقابل الموانع السلبية التي هي تأخير الزواج والشذوذ الجنسي. وهو ما أعطى - بشكل عملي - مبرراً قوياً لكثير من الحروب وعمليات الإبادة، حيث اعتبر بعض القادة الغربيين في كثير من حروبهم أن هذا قدر محتوم؛ لأن الطبيعة تعيد تنظيم نفسها. وكذلك اقترح مالثوس أن أجرة العامل يجب ألا تتجاوز حد الكفاف كي لا يتكاثر كما يحلو له، واقترح أن لا تنفق الدولة على العاطلين لئلا يشجعهم ذلك على الكسل وعلى إنجاب أبناء يزيدون من «الأفواه» أكثر من زيادة «الطعام»، واقترح أيضاً وقف الإعانات عن الفقراء، ووضع العوائق أمام الزواج المبكر لخفض نسبة المواليد. وكانت مثل هذه الاقتراحات مبررات ذهبية للبرلمان البريطاني ليبرر تخفيض إعانات الفقراء وإعانات البطالة وإعانات المرضى والمحتاجين، ولأصحاب المصانع للحفاظ على حد أدنى للأجور، لقد تلقوا آراء مالثوس كما يقول ول ديورانت: «كوحي إلهي مقدس»[12].

بينما الأساس الإسلامي لعلم الاقتصاد قائم على أن الله عليم خبير حكيم، لم يكن ليخلق خلقاً ثم لا يجعل لهم رزقاً، كما أن الله هو الرزاق، وأن كل دابة في الأرض إنما على الله رزقها، وأن ما يظهر من فساد في الموارد فإنه بما صنعت أيدي البشر، وأن السماوات والأرض مكنوزة بالثروات: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف: ٦٩]، ومن ثم يكون الحل في الضرب على أيدي ذوي الأطماع والمفسدين والسائرين في الناس بما يضخم ثرواتهم على حساب مصالح البشر، فيقف الإسلام ضد الربا والغش والاحتكار والتطفيف، ويفرض الزكاة ويحث على الصدقة ويصنع مؤسسات التكافل والوقف، ولا يمكن أن يصدر عن عالم مسلم مثل الذي صدر عن مالثوس أو فرانسيس بيلاس[13] وأمثالهما. فبأثر من الخلاف في التصور يكون الخلاف في البحث عن الحلول وإدارة وتنظيم المؤسسات ووسائل الرقابة وأدوات العقاب.

يمكن استخلاص مسألة العلم في الإسلام من ثلاث آيات تجمع ما سوى ذلك من نصوص القرآن والسنة:

الأولى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31]:

ومن هذه الآية نفهم أن:

العلم أساس للدين والدنيا، وهو أول حدث في حياة الإنسان، وبغيره لا يكون مؤهلاً لمهمة الاستخلاف في الأرض، وبغيره لا تتحقق مصالحه.

مصدر العلم هو الله، وموضوعه: خلقه، فلن يتعارض العلم مع الدين أبداً، فإن وقع ثمة تعارض ظاهري فلسوء فهم الدين أو العلم.

العلم نعمة من الله تستوجب الشكر، {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء: 80]، ومن شكرها بذلها في مرضاته وإصلاح الأرض قياماً بواجب الاستخلاف، وأن لا تستعمل فيما هو محرم أو باطل أو إفساد في الأرض.

حيث كان العلم نعمة الله، فكل ازدياد منه موجب لمزيد من الشكر، لا كما هو الحال في أسطورة برومثيوس التي تجعل العلم شيئاً انتُزع من الآلهة على غير رغبتها،  ولهذا يزيد الخشوع والخضوع لله بزيادة العلم: {إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 28]، بينما كل ازدياد في العلم - في التصور الغربي - موجب لمزيد من الكبر والغرور والتحدي وحب السيطرة.

العلم للعمل، فلقد علم الله الأسماء لآدم ليقوم بواجب الخلافة في الأرض، ولهذا فالعلم في الإسلام مهتم بالعمل والتطبيق، وحائد عن الإسراف في التنظير وما لا ينبني عليه عمل، ولهذا ابتدأ المسلمون باكراً المنهج التجريبي وانطلقوا من الجزئيات ليُحكموا الكليات بالتجربة والقياس والبرهان، بينما أسرف اليونان في النظر والتأمل والتنظير، وحاولوا الوصول من الكليات (المجهولة) إلى الجزئيات فتخبطوا كثيراً[14].

العلم بما أنه صادر عن الله، ويُتَقَرَّب به إلى الله، ويحاسب الله عليه؛ هو مظنة الإخلاص والعدل وتحري الحق والإنصاف، وهذا كله ضد الهوى والظلم والانحراف، فيتحقق بذلك البصر المطلوب والبحث المتجرد، فاتباع الهوى مذموم وهو طريق الضلال: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ} [الجاثية: 23]، وهذا هو مفتاح المشكلة العويصة: استخدام العلم لخدمة الغرض المسبق، ولَيّ حقائق العلوم أو طمسها لتحقيق الغرض، وتلك مشكلة ما زالت بغير حل، ولا يُتوقع أن يكون لها حل مهما حاولت العلوم وضع الشروط والضوابط المنهجية لعملية البحث خصوصاً في العلوم الإنسانية.

الثانية: {وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85]:

ومن هذه الآية نفهم أن:

العلم ليس منحصراً في المادة وما تدركه الحواس وحدها، فمجال الروح مما لا يحيط الإنسان به، إلا أنه لا يمكن نفي وجوده أو تجاهله.

العلم عملية مستمرة، ومساحة واسعة فيها المزيد والجديد، والمسلم حين يستعصي عليه أمر في العلم يلجأ إلى الله ويتضرع إليه أن يهديه إليه.

الثالثة: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]:

ومن هذه الآية نفهم أن:

الخضوع لأوامر الله في ما أحل وحرَّم واجب وضرورة، وقد حرم الله علينا علوماً بعينها؛ مثل السحر لما يسببه من ضرر وتفريق بين الناس، وحرم علينا استعمال العلوم في تزيين الحرام؛ كاستعمال الفصاحة والبلاغة في تزيين الباطل، واستعمال علوم التصوير والإضاءة والإخراج في خدمة المحرمات.

ضرورة التحرر والانعتاق من التقليد؛ إذ كل البشر معرضون للجهل والخطأ والضلال، ويبقى الله وحده مصدر العلم الحق، ولذا أنكر الله على من جاءهم العلم من عنده فتركوه وتمسكوا بتراث آبائهم وقالوا: {إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ 23 قَالَ أَوَ لَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ 24 فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْـمُكَذِّبِينَ} [الزخرف: 23 - 25].

ويترتب على هذا أن العلوم - خصوصاً العلوم الاجتماعية - هي علوم معيارية لا وضعية، بمعنى أنها تدرس ما يجب أن يكون وكيف نصل إليه، لا ما قد كان أو ما هو كائن مكتفية بتفسيره، وهذا لا يكون إلا في حالة وجود وحي، أي وجود علم فوقي معصوم من الخطأ، ولذا لا تجد أبداً - في الحضارة الإسلامية - من بحث في علم الاجتماع أو التاريخ أو السياسة إلا وبحثه يهدف إلى الوصول إلى «المعيارية» أي النموذج الذي أمر الله به، بينما منذ طلق الغرب الدين بزغ لديه فكرة دراسة العلوم على منهج وضعي لا يهتم إلا بتفسير ورصد ما قد كان وما هو كائن، ولذا ظهرت أمثلة شنيعة من علوم تنفي الأخلاق وتمجد القسوة وتؤيد إهلاك الضعفاء والفقراء والمعوقين.

وحيث كان الوحي ضرورة لا غنى عنها، كان تضييع الدين مفسداً مهلكاً.

وهذا يحدد أولوياتنا في الدراسة، فالعلوم الاجتماعية «هي المعنية أولاً بعملية إسلامية المعرفة، بحيث تستحق أن تُمنح الأولوية بسبب من ارتباطها الوثيق بالمنظور الفكري والأخلاقي، وبسبب من أنها إلى حد كبير كانت ولا تزال بمثابة البوابات أو القنوات الكبرى التي تسرب منها الخلل والتضارب والفوضى وثنائية التوجيه وضيق الخناق على المعطيات الإسلامية»[15].


 


[1] نادية حسني، العلم ومناهج البحث، ص13.

[2] زيجريد هونكه، شمس العرب تسطع على الغرب، ص369.

[3] يمنى الخولي، فلسفة العلم في القرن العشرين، ص12، 13.

[4] محمد قطب، واقعنا المعاصر، ص89.

[5] د. عبد الوهاب المسيري، رحلتي الفكرية، ص219.

[6] محمد محمد أمزيان، منهج البحث الاجتماعي بين الوضعية والمعيارية، ص40.

[7] د. زكريا إبراهيم، مشكلة الفلسفة، ص205.

[8] د. مصطفى حلمي، الأخلاق بين الفلاسفة وعلماء الإسلام، ص15.

[9] د. زكريا إبراهيم، مشكلة الفلسفة، ص210 وما بعدها.

[10] د. مصطفى حلمي، الأخلاق بين الفلاسفة وعلماء الإسلام، ص17، 18.

[11] انظر للتفصيل: محمد إلهامي، نحو تأصيل إسلامي لعلم الاستغراب، ص62 وما بعدها.

[12] ول ديورانت، قصة الحضارة، 42/ 251 - 253، 42/ 381 - 389، وانظر: رونالد سترومبرج، تاريخ الفكر الأوربي الحديث، ص338، رشيد الحمد ومحمد سعيد صباريني، البيئة ومشكلاتها، ص112، جان ماري بيلت، عودة الوفاق بين الإنسان والطبيعة، ص27.

[13] فرانسيس بيلاس: اجتماعي إنجليزي، محسوب على الليبرالية المتطرفة، من أقواله: «إن توفير المزيد من الخدمات الاجتماعية للفقراء من العمال سيشجعهم على الإهمال والكسل، وسينتهي بالمشروعات القائمة إلى الخراب». رونالد سترومبرج، تاريخ الفكر الأوربي الحديث، ص338.

[14] أنور الجندي، معلمة الإسلام، 1/ 355 وما بعدها.

[15] د. عماد الدين خليل، مدخل إلى إسلامية المعرفة، ص21.