مظاهرات غزة التي خرجت في ذكرى يوم الأرض لم تكن فقط تندد بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، بل حملت معها رسائل عديدة تخالف وجهة النظر الصهيونية التي كانت تصر على أن حركة حماس تدفع المدنيين إلى الحدود لجر المنطقة إلى الحرب، الأمر الذي استدعى تدخلاً مصرياً تمثل في استدعاء رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية على عجل قبل مسيرة العودة الكبرى التي كانت مقررة بتاريخ 14/5/2018م، وتم نقله بطائرة عسكرية من مطار العريش لمقابلة رئيس المخابرات المصرية عباس كامل، ليعود هنية دون أن تفضي جولته إلى شيء سوى المزيد من الضغوط.

تقول «نوعا لنداو» في صحيفة «هأرتس» إنه من وراء الكواليس يناقش وزراء الحكومة وقادة الأجهزة الأمنية الصهيونية منذ فترة طويلة ما يجري في قطاع غزة من توتر ويحاولون إيجاد حلول تمنع انعكاس الأزمة على الأمن الصهيوني.

وتنقسم المواقف في هذه المناقشات عادة بين أولئك الذين يعتقدون أن الأزمة لها تأثير مباشر على أمن الكيان الصهيوني، ومن ثم يجب على الحكومة أن تتصرف بجدية للتخفيف من حدة الأوضاع، وأولئك الذين يعتقدون أن الأزمة لم تصل بعد إلى مستوى الكارثة الإنسانية وليس هناك حاجة ملحة للتعامل معها. قادة الجيش لديهم قناعة بأن الكارثة الإنسانية في قطاع غزة قد تتفجر يوماً ما في وجهة الأمن الصهيوني، بينما يحاول قادة جهاز الأمن الداخلي (الشاباك) التقليل من سوء الأوضاع وتقديم أدلة تؤكد أن غزة لا تحتاج للتخفيف عنها.

يقول أليكس فيشمان في صحيفة يديعوت أحرونوت، لا تزال القيادة الجنوبية في الجيش الصهيوني مستعدة لتطورات الأوضاع على الحدود في غزة، لأن المظاهرات التي جرت ربما تكون بداية لانفجار قادم هناك، فقد جلبت آلاف الجنود من الجيش وعناصر الشرطة ووضعت خططاً للاستعانة بجنود من المدارس العسكرية وقوات الاحتياط، وفي الوقت نفسه تستعد القوات الجوية الصهيونية ضمن خطط لمواجهة التدهور في قطاع غزة. تقول التقديرات الصهيونية إن المشاركين في المظاهرات قد يصل عددهم إلى نصف مليون متظاهر، لكن بحسب الكاتب فإن الجيش لا يخاطر، فقد أنشأ ثلاثة قطاعات دفاعية، تعززها ثلاثة ألوية، أي ثلاثة أضعاف عدد الجنود المتواجدين هناك، وأضيفت إلى قوات القناصة التي تم نشرها هناك فرق من قناصة سلاح المشاة. وزير الأمن الداخلي الصهيوني غلعاد أردان عقب على المظاهرات قائلاً: «هذه ليست مظاهرات، هؤلاء مخربون من منظمة إرهابية يهددون سكان إسرائيل». لكن وزير الجيش الصهيوني أفيغدور ليبرمان عقب تصاعد الأوضاع أمر بإعادة فتح معبر كرم أبو سالم أمام البضائع.

يقول يوآب ليمور في صحيفة يسرائيل هيوم: لا يوجد أمر سري اليوم في ما يتعلق بما يجري على حدود غزة، لقد حاولت حماس تجنب تصاعد المواجهة طوال أربع سنوات منذ الحرب التي نفذها الجيش على قطاع غزة في 2014م، حافظت المنظمة على الهدوء، بل فرضت الهدوء على القوى الأخرى في قطاع غزة. وخلال هذا الوقت، جربت حماس حلولاً أخرى لمعالجة المشاكل اليومية في قطاع غزة: المصالحة مع السلطة الفلسطينية (فشلت)، الاقتراب من مصر (فشل) والحصول على مساعدات دولية طارئة (فشل)، لذلك فإن الواقع السياسي والاقتصادي في غزة يدفع باتجاه التصعيد.

المظاهرات وعدد الضحايا الضخم أربك الحراك الدبلوماسي في الكيان الصهيوني، فقد وصفت صحيفة «هأرتس» قيام الحكومة الصهيونية بطرد القنصل التركي الخاص بالفلسطينيين من القدس المحتلة بالأمر «الاستثنائي»، وقالت: «إسرائيل لا تطرد ممثلين دبلوماسيين إلى السلطة الفلسطينية»، لكن تلك الخطوة جاءت رداً على قيام تركيا بطرد السفير الصهيوني في أنقرة وسحب سفيرها من تل أبيب.

وفي الوقت نفسه، تم استدعاء السفيرة الصهيونية في بلجيكا، سيمونا فرنكل، إلى اجتماع مع مسؤول كبير في وزارة الخارجية البلجيكية. وكان رئيس الوزراء البلجيكي شارل ميشيل قد دعا إلى إجراء تحقيق دولي في الأحداث على حدود غزة. وربط ميشيل العنف بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس وقال إنه صُدم من العنف وإن تصرفات الكيان الصهيوني «غير مقبولة».

كما استدعت أيرلندا السفير الصهيوني، زئيف بوكر، لمحادثة احتجاج على أحداث غزة. وطالبت أيرلندا بتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة. وكانت جنوب إفريقيا قد أعلنت عن استدعاء سفيرها لدى الكيان الصهيوني للتشاور بعد ما وصفته «بالهجوم القاتل على قطاع غزة».

المشهد السياسي الراهن يؤكد ما جاء في تقرير نشرته صحيفة «يسرائيل هيوم» يقول فيه المستشرق د. مردخاي كيدار، المحاضر في قسم اللغة العربية في جامعة بار إيلان، والباحث في مركز بيغن - السادات، إن السلطة الفلسطينية ستتبخر، وعلى الحكومة الصهيونية أن تستبدلها «بحكام محليين للبلديات على أساس نظام العشائر التي تهيمن بالفعل هناك».

وبحسب رأيه، فإنه «من حيث المبدأ، يوجد في السلطة الفلسطينية الآن شخص واحد قوي يسيطر على جميع الأجهزة ويمكنه فرض سلطته في اليوم الذي يلي أبو مازن، وهو رئيس أجهزة الأمن ماجد فرج، الذي حاولوا اغتياله قبل شهرين عند مدخل غزة، مع رئيس الوزراء رامي الحمد الله».

لكنه يرى أن «لدى فرج مشكلتين من المحتمل أن تمنعانه من أن يتحول إلى شخصية شرعية؛ المشكلة الأولى هي أنه ينظر إليه كمتعاون مع إسرائيل. وهو الشخص الذي يحافظ على اتصال معها ويسيطر على المنطقة بقوة كي لا تقع هجمات. وباستثناء ذلك لا أحد يحب السلطة، ويُنظر إلى فرج على أنه يمثل السلطة والشر. لذلك يبدو أن السيناريو الأكثر احتمالاً هو إضعاف السلطة الفلسطينية وتبخرها في اليوم التالي لأبو مازن».

وبحسب ادعاء كيدار، فإن السبب الذي يجعله يعتقد ذلك هو أن «السلطة الفلسطينية ليس لها أي اتصال مع السكان وليس لها أي شرعية في الميدان، إذ يُنظر إليها من قبل سكان الضفة الغربية كجهة تدفع لهم المال فقط. وعندما تقع مشاكل أو نزاعات، لا يلجأ أحد إلى النظام القضائي للسلطة الفلسطينية، بل إلى الشيوخ وقادة العائلات المحلية، الذين يحكمون حقاً!»، ولذلك يرى كيدار أنه «من الضروري إنشاء «إمارة» محلية في كل مدينة فلسطينية على أساس العشائر القوية في المدينة، وستكون الحكومة الصهيونية من حولهم طوال الوقت، وتعرض الجنسية على 10% ممن يعيشون في قرى خارج المدن».

ووفقاً لمخطط كيدار: «إذا قمنا بالتفصيل، فإنه ستقام في أريحا إمارات بقيادة عشيرة صائب عريقات، وفي نابلس برئاسة عائلات المصري وطوقان والشكعة، التي تعتبر عشائر نابلس وكلها تخضع لمنيب المصري. وفي رام الله، تقام إمارات لعشائر البرغوثي وأبو عين والطويل، العائلات الكبيرة في رام الله. وتقام إمارة في طولكرم لعشيرة الكرمي. وفي الخليل يتم إنشاء نظام مستقل لعشائر الجعبري، القواسمي أبو سنينة، النتشة والتميمي، وهكذا في بقية المناطق. وستكون هذه «الإمارات» هي القاعدة التي يثق بها الجمهور، كون هذه العائلات هي التي تدير هذه المناطق فعلياً بدلاً من السلطة الفلسطينية. وبطبيعة الحال، يقول كيدار، سيكون على الحكومة الصهيونية الاعتراف، بدولة غزة والعيش إلى جانبها في حالة من الردع. وقال كيدار إن «انقلاب حماس في عام 2007م أطلق في الواقع النار على رأس السلطة وقتلها».

بدوره يقول المستشرق «بنحاس عنبري»، وهو باحث في مركز القدس لشؤون الدولة العبرية، إنه حتى لو تم انتخاب وريث لمحمود عباس بتوافق الآراء، فإنه لن يحقق إجماعاً حقيقياً على الأرض وستتصرف كل مدينة في الضفة وفقاً لقوتها ولن تخضع نفسها لقيادة تجلس في مدينة فلسطينية أخرى.. «لن يكون هناك وريث متفق عليه لأبو مازن، وسوف تتبدد السلطة الفلسطينية... قد يكون لدينا وقت عصيب مع الواقع الجديد على الأرض، ليس فقط أنه لا يوجد وريث، ولكن لا توجد أيضاً آلية لاختيار وريث. لقد حددت اللجنة التنفيذية وريثين لعباس، هما التاليان في قائمة القيادة: عزام الأحمد وصائب عريقات. عندما يريد الأحمد أن يصبح الرئيس القادم، فإن هذا لن يحدث ببساطة لأنه لا يملك قوة أو دعماً من قبل الجمهور... ليست هذه هي الآلية الوحيدة التي تُعد الوريث. فقد انعقد المجلس المركزي لفتح وحدد أن محمود العالول يجب أن يكون وريثاً للرئيس... ما الذي يجب أن يحدث إذن؟ هناك فوضى قادمة في الأراضي الفلسطينية وعلى الحكومة الصهيونية مواجهة انتفاضة جديدة بديلة عن السلطة الفلسطينية القائمة».