وصل نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس إلى الكيان الصهيوني يوم الأحد 21 يناير 2018م، في زيارة استغرقت أربعة أيام التقى خلالها بنيامين نتنياهو، واستقبله وزير السياحة الصهيوني بمطار بن غوريون في تل أبيب، ولم يدلِ بأي تصريحات للصحفيين قبل توجهه إلى القدس، بحسب وكالة رويترز. ووصف رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو بنس بأنه «صديق عظيم»، قبل أن يلقي خطاباً أمام الكنيست وصفه مسؤولون صهاينة بـ«التاريخي».

وتجاهل الفلسطينيون زيارة مايك بنس بسبب اعتراف واشنطن بالقدس «عاصمة أبدية لإسرائيل»، وقالت صحيفة وول ستريت جورنال، إن مايك بنس أدلى برسائل مزدوجة في خطابه أمام الكنيست، فمن جانب حظى بتصفيق واسع بعد أن أعلن جدولاً زمنياً لنقل السفارة الأمريكية إلى القدس خلال هذا العام (2018م)، ثم راح يحث القادة الفلسطينيين على العودة إلى مائدة محادثات السلام!

وفي السياق نفسه تفقد مايك بنس ما يسمى بـ«حائط المبكى» لابساً القبعة اليهودية (الكيباه)، كما كان سلفه الرئيس ترمب قد فعل الشيء نفسه في زيارته الأخيرة للكيان الصهيوني، وأشار الأمريكيون أيضاً إلى أن الحائط الغربي (حائط البراق)، والذي يقع في القدس الشرقية «سيكون جزءاً من دولة إسرائيل في أي اتفاق سلام»، الأمر الذي أشعل غضب الفلسطينيين؛ مما دعا أحد المسؤولين الكبار في البيت الأبيض إلى القول: «نحن نتفهم الموقف وأن الفلسطينيين في حاجة للهدوء».

 ويحظى مايك بنس المسيحي الإنجيلي الأكثر شهرة في العالم، الذي يزور المنطقة بترحاب كبير في الكيان الصهيوني، وهو كثيراً ما وصف نفسه بأنه «مسيحي، محافظ، جمهوري» وفق هذا الترتيب، وهو معروف بآرائه المحافظة حول الدين، والتطور، والإجهاض، وحقوق المثليين، وغيرها.

ويبدو أنه في ظل الإدارة الأمريكية الحالية، يزدهر المسيحيون الإنجيليون الذين هم أحد أفرع البروتستانتية ويستمتعون باهتمام الرئيس ترمب، ويشكل المسيحيون الإنجيليون زهاء 13% من سكان العالم المسيحيين (حوالي 70 مليوناً)، وحوالي ربع سكان الولايات المتحدة، وهم يعتبرون الآن المجموعة الدينية الأمريكية الأكثر تعاطفاً مع الكيان الصهيوني.

الصهيونية المسيحية هي ظاهرة دينية شائعة في أجزاء مختلفة من العالم المسيحي، ويؤمن المسيحيون الإنجيليون بأن هجرة اليهود للكيان الصهيوني وإقامة الدولة اليهودية هي جزء ضروري من عملية الخلاص المسيحية. وفي كل مكان تتعزز فيه الحركة البروتستانتية يتزايد الطموح بمساعدة الأراضي المقدسة (فلسطين)، وتتم ترجمة ذلك أكثر وأكثر من خلال الدعم بالدولارات، كل التبرعات المسيحية التي تصل إلى الكيان الصهيوني تقريباً يتم الحصول عليها من منظمات إنجيلية.

في الثامن من يناير 2001م، تجمع نصف ملیون يهودي (متدین وعلماني) على حد سواء بالقرب من الحائط وأقسموا على الإخلاص للقدس وجبل الهیكل (أي الحرم القدسي)، وبعد ستة أشهر من هذا التجمع أصدرت المحكمة الإسرائیلیة العلیا قراراً یقضي بالسماح لجماعة جبل الهيكل بوضع حجر الأساس للهيكل الثالث قرب باب المغاربة المجاور لحائط البراق. وفي سنة 2007م أشار استطلاع للرأي أجري من قبل معهد القدس للدراسات الإسرائیلیة أن 96% من الصهاينة یعارضون التخلي عن الحائط الغربي (أي حائط البراق).

بدأ نفوذ الصهيونية یتغلغل في المسیحیة عن طریق انشقاق القس الألماني مارتن لوثر عندما أرسل رسالة إلى البابا ليو العاشر في روما سنة 1520م اتهمه فيها باستعمال الكنيسة الكاثوليكية لتحقيق مصالح شخصية له وللحاشية التي تحيط به، مؤكداً أنه لن يتخلى عن نضاله لتقويض تلك الكنيسة ما دام حياً. فجاء رد فعل الكنيسة الكاثوليكية قاسياً حيث اعتبرت لوثر من الخارجين عن الكنيسة وطردته من الديانة المسيحية واتهمته بالهرطقة، وهي تهمة كانت عقوبتها آنذاك الحرق على الملأ.

لجأ لوثر بعد ذلك إلى العمل السري وعمل على استمالة بعض اليهود الذين كان لهم نفوذ كبير في المجتمع عن طريق التأكيد على أن مذهبه الجديد يعيد الاعتبار لليهود الذين كانوا يعانون من ازدراء الكنيسة الكاثوليكية.

ثم أصدر لوثر كتابه «عيسى ولد يهودياً» سنة 1523م، وقال فيه إن اليهود هم أبناء الله وإن المسيحيين هم الغرباء الذين عليهم أن يرضوا بأن يكونوا كالكلاب التي تأكل ما يسقط من فتات من مائدة الأسياد. ويرى الكثير من الكتاب والمؤرخين أن هذه الفترة تعد الولادة الحقيقية والفعلية للصهيونية المسيحية التي سبقت الصهيونية اليهودية.

وتقوم الصهيونية المسيحية على تفضيل الطقوس العبرية في العبادة على الطقوس الكاثوليكية بالإضافة إلى دراسة اللغة العبرية على أساس أنها كلام الله، وتشير الكثير من المصادر التاريخية إلى أن رغبة مارتن لوثر الجامحة في إعادة الاعتبار لليهود و«تمسيحهم» كانت تعود لإيمانه العميق بضرورة وجودهم في هذا العالم تمهيداً لعودة المسيح المنتظر.

المذهب البروتستانتي هو المذهب الذي یدین به الیوم غالبية الأمريكيين والكنديين والبريطانيين والألمان والهولنديين وغيرها من الدول الإسكندنافية، ولكن داخل هذا المذهب شيع كثیرة تُعد بالعشرات منها ما لا یمكن فصل عقیدتها عن اليهودية أو الصهيونية لفرط الاشتباك والتفاعل بينهما، أما الأدبیات اليهودية التي تسربت إلى صمیم العقیدة المسیحیة البروتستانتیة الصهيونية عبر هذه الفرق، فهي تدور حول محاور ثلاثة:

الأول: هو أن اليهود هم شعب الله المختار، وأنهم یكّونون بذلك الأمة المفضلة على كل الأمم مهما فعلوا ولا یمكن انتقادهم.

الثاني: هو أن ثمة ميثاقاً إلهیاً یربط الیهود بالأرض المقدسة في فلسطین، وأن هذا المیثاق الذي أعطاه الله لإبراهیم علیه السلام هو میثاق سرمدي حتى قیام الساعة، وعلیه من واجبات المسیحیة الصهیونیة تسهیل هجرة الیهود إلى فلسطین من جمیع النواحي بینها افتتاح مكاتب للهجرة الیهودیة إلى الأراضي المقدسة.

الثالث: هو ربط الإیمان المسیحي بعودة السید المسیح بقیام دولة صهیون سنة 1948م، واحتلال الجانب الشرقي من القدس سنة 1967م، أي بإعادة تجمیع الیهود في فلسطین وبناء هيكل سليمان حتى یظهر المسیح فیهم، فقیام دولة إسرائیل واحتلال القُدس، هو شرط جوهري لنهایة سنوات المنفى الیهودیة والعودة المنتظرة للماشيح (المسيح)، ومن أجل ذلك ینبغي تقدیم كل أنواع الدعم إلى اليهود.

الأخطر من ذلك حالیاً، هو اعتقاد المسیحیة الصهیونیة وفي مقدمتهم رؤساء أمریكا وبعض ساستها أن إعادة بناء الهیكل الیهودي بات وشیكاً، فضلاً عن ذلك توسیع حدود الكيان الصهيوني لتشمل لیس فقط الأراضي الفلسطینیة بل على الأساس الحرفي لسفر التكوین (18:15)، القائل: «فِي ذلِكَ الْيَوْمِ قَطَعَ الرَّبُّ مَعَ أَبْرَامَ مِيثَاقًا قَائِلاً: لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ، نَهْرِ الْفُرَاتِ».

حائط المبكى:

حائط المبكى يسمى أيضاً باسم الحائط الغربي، ويعتقد اليهود أنه جزء من السور الخارجي الذي بناه ملك (حاكم) فلسطين في العهد الروماني هيرودس الكبير (37- 4ق.م) حول الهيكل الثاني الذي بناه (زرو بابل) بعد عودته مع اليهود من السبي البابلي بأمر الملك الفارسي الإخميني كورش (سيروس) ما بين أعوام 537-520 ق.م بعد خراب الهيكل الأول عام 587 ق.م على يد الملك الكلداني البابلي نبوخذنصر.

 وهو يعتبر أقدس الأماكن الدينية اليهودية على الإطلاق حيث يحج إليه اليهود من جميع أنحاء العالم، وقد سمي بحائط المبكى لأن الصلوات عنده تأخذ شكل عويل ونواح، وجاء في الأساطير اليهودية أن الحائط يذرف الدمع في التاسع من أغسطس، يوم هدم الهيكل على يد القائد الروماني تيتوس عام 70م، ويعتقد اليهود أن الشخيناه (الحضرة الإلهية) لا تغادر الحائط أبداً، لذلك حاول اليهود السيطرة عليه منذ زمن مبكر، والتاريخ الذي بدأت تقام فيه الصلوات بالقرب من الحائط غير معروف، وحتى القرن السادس عشر الميلادي نجد أن المصادر التي تتحدث عن يهود القدس تشير إلى ارتباطهم بموقع الهيكل فحسب، ويبدو أنه أصبح محل قداسة بدءاً من سنة 1517م بعد الفتح العثماني لفلسطين على يد السلطان سليم الأول (1512-1520م) وهجرة يهود المارانوس (اليهود المتنصرون في إسبانيا والبرتغال) حَمَلة النزعة الحلولية المتطرفة في اليهودية، فالنزعة الحلولية تظهر دائماً في شكل تقديس الأماكن والأشياء. كما أن وجود اليهود داخل التشكيل الحضاري الإسلامي ترك أثره العميق فيهم، فشعيرة الحج إلى مكة المكرمة والطواف حول الكعبة المشرفة وجدت صداها في تقديس حائط «المبكى».

ففي عام 1850م حاول الحاخام الألماني الأرثوذكسي «تسفي هيرش كاليشر» المتوفى سنة 1874م شراءه، ثم كرر المليونير اليهودي الألماني «أمشيل ماير روتشيلد» المتوفى سنة 1855م هذه المحاولة، وقبل الحرب العالمية الأولى سعى البنك الأنكلو - فلسطيني إلى شرائه، وبعد فشل كل المحاولات اليهودية لشرائه لجأ المستوطنون اليهود إلى العنف، فبسبب ذلك جرت اشتباكات بينهم وبين العرب المسلمين أكثر من مرة بسبب هذا الموضوع، أشهرها اشتباكات عام 1928م، ثم أحداث عام 1929م، مما أجبر السلطات البريطانية آنذاك على تشكيل لجنة تحقيق (لجنة شو) من ثلاثة أشخاص غير بريطانيين استمعت لشهادات العرب واليهود والموظفين البريطانيين، أقرت اللجنة أن للمسلمين وحدهم تعود ملكية الحائط الغربي باعتباره جزءاً لا يتجزأ من مساحة الحرم الشريف، كما تعود للمسلمين ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط وأمام المحلة المعروفة بحارة المغاربة المقابلة للحائط، وقد أقرت عصبة الأمم مقررات لجنة شو البريطانية التي بموجبها لا يجوز لليهود جلب أية أدوات عبادة أو وضع مقاعد أو سجاد أو ستائر أو حواجز أو أية خيمة بجوار الحائط لأنه ملك للمسلمين، شريطة ألا ينفخوا في البوق (الشوفار)، ولكن اليهود استمروا في النفخ، وقاموا بتنظيم مظاهرات استفزازية استمرت حتى العام 1947م.

وبعد حرب يونيو 1967م، ووقوع القسم الشرقي من مدينة القدس تحت السيطرة الصهيونية، خبا الصراع على الحائط بين المسلمين واليهود، ليشتعل بين اليهود أنفسهم، ذلك أن العلمانيين رأوا فيه رمزاً قومياً تجب زيارته على كل ذكر وأنثى صغير وكبير، فأصبحت ساحة المبكى محطاً لجموع اليهود العلمانيين الذين لم يأتوا للعبادة فقط، وإنما للرقص واللهو وقضاء الوقت مع عائلاتهم. وقد أيدت الحكومة هذه النظرة العلمانية للحائط فاتخذته هي الأخرى مكاناً لعقد الاحتفالات واللقاءات الجماهيرية، وجلسات المؤتمرات والمهرجانات الختامية والألعاب النارية وحفلات تخريج دورات الجيش وترقيتهم؛ مما أثار حفيظة المتدينين (اليهود الأرثوذكس) الذين نظروا إلى الحائط على أنه مكان للعبادة فقط، واعتبروا أن أي نشاط غير الصلاة من شأنه أن يدنس قدسية هذا المكان، وأن يؤذي صلاة المتعبدين فيه.

وتجدر الإشارة إلى أن الباحث السوري (حسن ظاظا - زازا) يذكر أن حائط البراق كان على الأرجح جزءاً من جدار هيكل هيرودس الغربي، أو جزءاً من السور الخارجي الذي بناه هيرودس على حد تعبير الباحث المصري المختص باليهودية (عبد الوهاب المسيري)، واليهود يحرصون على تسميته حتى الآن «الجدار الغربي»، ويعد من أقدس الأماكن عند اليهود في الوقت الحاضر، يبلغ طوله مئة وستون قدماً وارتفاعه ستون قدماً.

وقد قام الأثريون الصهاينة بعد حرب يونيو 1967م بعمل حفائر في أساس الحائط، فكان أقصى ما عثروا عليه في الحجارة تحت الأرض آيتين من سفر النبي أشعيا محفورتين بخط يجعل نسبة هذه الحجارة للنبيين داود أو سليمان (عليهما السلام) مستحيلة، ويرجع العثور على هذا النص إلى الشهور السابقة لإحراق المسجد الأقصى في 21 أغسطس عام 1969م على يد المسيحي الصهيوني الأسترالي (دينس مايكل روهان).