الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:

إن المساجد بيوت الله تعالى في أرضه جعلها خالصة له وحده، فقال سبحانه: {وَأَنَّ الْـمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18]، وهي أحب الأماكن إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم وإلى المؤمنين الصالحين؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أَحَبُّ الْبِلاَدِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلاَدِ إِلَى اللهِ أَسْوَاقُها[1].

والمسجد في الإسلام منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم ليس مكان إقامة الصلاة فحسب؛ بل كانت له وظائف وأدوار كثيرة؛ فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعقد فيه الاجتماعات، ويستقبل فيه الوفود، ويقيم فيه حلق الذكر والعلم، وكان منطلق الدعوة والبعوث، ويبرم فيه كل أمر ذي بال في السلم والحرب، وأول عمل بدأه النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة مهاجراً أن شرع في بناء المسجد[2].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: «كانت المساجد مجامع الأمة ومواضع الأئمة، وقد أسس صلى الله عليه وسلم مسجده المبارك على التقوى، فكانت فيه الصلاة والقراءة والذكر وتعليم العلم والخطب، وفيه السياسة وعقد الألوية والرايات وتأمير الأمراء وتعريف العرفاء، وفيه يجتمع المسلمون كلما حزبهم أمر من أمر دينهم ودنياهم»[3].

ويعد تعليم العلوم الشرعية في المساجد من أهم المجالات وأعظمها فائدة، وقد أثبتت التجارب عبر تاريخ الإسلام الطويل أن الدروس العلمية الشرعية هي الطريقة التربوية الأسلم في نشر الدين وتعليم الناس، وتفقيههم في الدين، وكانت أعظم وسائل العلم والتعليم والتربية عند السلف الصالح[4].

 وامتدت هذه الوظيفة للمسجد عبر تاريخ الإسلام، فعُمرت المساجد في الأمصار والقرى بحِلَق العلم ومجالسه المتنوعة.

وقد بوَّب الخطيب في «الفقيه والمتفقه» باب: «فضل تدريس الفقه في المساجـد»، وأورد بإسنـاده عن أبي الأحـوص، قال: «أدركنا الناس وما مجالسهم إلا المساجد»[5].

ويؤكد ابن باديس - رحمه الله - هذا المعنى بقوله: «المسجد والتعليم صنوان في الإسلام من يوم ظهر الإسلام، فما بنى النبي صلى الله عليه وسلم يوم استقر في دار الإسلام بيته حتى بنى المسجد، ولما بنى المسجد كان يقيم الصلاة فيه، ويجلس لتعليم أصحابه، فارتبط المسجد بالتعليم كارتباطه بالصلاة، فكما لا مسجد بدون صلاة كذلك لا مسجد بدون تعليم، وحاجة الإسلام إليه كحاجته إلى الصلاة، فلا إسلام بدون تعليم، ولهذه الحاجة مضى النبي صلى الله عليه وسلم على عمارة المسجد بهما، فما انقطع عمره كله عن الصلاة وعن التعليم في مسجده، حتى في مرضه الذي توفي فيه. ثم مضى المسلمون على هذه السنة في أمصار الإسلام يقفون الأوقاف على المساجد للصلاة والتعليم، ومن أظهر ذلك وأشهره اليوم: الجـامع الأزهر، وجامع الزيتونة، وجامع القرويين»[6].

وقال أيضاً: «إن الذي يراجع عقود الأحباس المسجدية يجد أكثر الذين أسسوا المساجد - وخصوصاً مساجد الجمعية - حبسوا من الأملاك ما يصرف للتعليم فيها، كما حبسوا ما يصرف للقائمين بالصلاة؛ مما يدل على أن الأمة كانت تتلقى دينها في مساجدها»[7].

ومع انتشار التعليم النظامي في المدارس والجامعات إلا إن لدروس العلماء في المساجد خصائص تميزها، منها[8]:

1- أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نص على فضل التعلم والتعليم في المسجـد فقال: «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَلْتَمِـسُ فِيـهِ عِلْماً، سَهَّـلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقاً إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي مَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ»[9].

وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصُّفّة فقال: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ، فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلا قَطْعِ رَحِمٍ؟» فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نُحِبُّ ذَلِكَ، قَالَ: «أَفَلا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الإِبِلِ»[10].

وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ لا يُرِيدُ إِلا أَنْ يَتَعَلَّمَ خَيْراً أَوْ يَعْلَمَه، كَانَ لَهُ كَأَجْرِ حَاجٍّ تَامّاً حِجَّتُهُ»[11].

2- أن الدروس في المساجد أدعى للإخلاص، والبركة متحققة فيها؛ لتضمنها معنى مجالس الذكر أكثر من غيرها، وتحضرها الملائكة، ويباهي الله بأهلها ملائكته؛ ولذا فإن المتلقي في المسجد يشعر بشيء من الطمأنينة والسكينة والهدوء والسمت أكثر من أي مكان آخر.

وهذا ربما يفسر ما نجده من جودة العلم وحفظه وإتقانه عند كثير ممن يطلبون العلم في المسجد في أوقات قصيرة، بخلاف غيرهم، والتاريخ والواقع المعاصر يشهد بذلك.

3- أن التعليم في المساجد أشمل، حيث يدخل المسجد من شاء من العلماء وطلبة العلم المؤهلين، ليعلموا الناس، كما أنه يدخله من شاء من المتعلمين أو المستمعين، فيستفيد في المسجد جمع غفير: العالم والمتعلم والمستمع، على حسب ما عنده من الاستعداد والوقت، بخلاف المدارس، فلا يدخلها إلا عدد محدود من المعلمين والمتعلمين، ولا يؤذن لمن يريد أن يتفقه في الدين بالتردد عليها، فالمساجد جامعات شعبية صالحة للمتعلمين على جميع المستويات.

4- أن الناس في المساجد يكونون أكثر التزاماً للأدب والإنصات واحترام المكان والحضور.

وكان من ثمرات هذه البركة للتعليم في المساجد أن «تخرج من هذه المساجد أساطين العلم الأفاضل الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وما هم عليه من الصلاح والتقوى، وما قاموا به من جهود عظيمة، احتسبوا أجرها عند الله في الدعوة الإسلامية، ونشر الثقافة الإسلامية، هذه مؤلفاتهم في مختلف الفنون: في التفسير والحديث والفقه والتاريخ، وعلوم الآلة، وغيرها، كلها تشهد لهم بما قدموا من علوم»[12].

قال ابن باديس - رحمه الله -: «الإسـلام دين الله الـذي يجمـع بين السعـادتين، وإنما يسعدهما به مَن اعتقد عقائده، وتأدب بآدابه، وارتبط بأحكامه في الظاهر والباطن من أعماله، ولا بد لهذا كله من التعليم الديني الذي محله المساجد، وبدونه لا سبيل إلى شيء من هذا كله»[13].

ومن هنا يعلم أن المسجد كان ولا يزال جامعة كبرى للتعلم والتعليم الشرعي، وينبغي أن يبقى كذلك، بل يجب أن يسعى القائمون على هذا الشأن إلى تطوير أدواته ووسائله، والتوسع فيه كماً وكيفاً، وتوسيع دائرة المستفيدين منه ليعم نفعه بإذن الله تعالى.

 


 


[1] أخرجه مسلم (1473).

[2] انظر: وظيفة المسجد في المجتمع، صالح بن ناصر بن صالح الخزيم، وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، الطبعة الأولى، 1419هـ، ص6، وأثر العلماء في تحقيق رسالة المسجد، د. ناصر بن عبد الكريم العقل، وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، الطبعة الأولى، 1418هـ، ص20.

[3] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، جمع: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، نشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، 1416هـ (35/39).

[4] انظر: أثر العلماء في تحقيق رسالة المسجد، ص21.

[5] الفقيه والمتفقه، الخطيب البغدادي، تحقيق: عادل بن يوسف العزازي، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، 1417هـ (2/270).

[6] آثاَرُ ابْنُ بَادِيسَ: جمع وتحقيق: عمار طالبي، دار ومكتبة الشركة الجزائرية، الطبعة الأولى، 1388هـ (3/325).

[7] المصدر السابق (3/328).

[8] انظر: أثر العلماء في تحقيق رسالة المسجد، ص22، ودور المسجد في التربية، عبد الله قادري الأهدل، دار المجتمع، الطبعة الأولى، 1414هـ ،ص30.

[9] أخرجه مسلم (4867).

[10] أخرجه مسلم (1336).

[11] أخرجه الطبراني (7473)، قال الهيثمي: رجاله موثقون كلهم (1/123). وقال الألباني: صحيح لغيره (صحيح الترغيب والترهيب، رقم 86).

[12] انظر: ملخص محاضرة للشيخ عبد الله بن حميد، مجلة رسالة المسجد التي تصدرها رابطة العالم الإسلامي، العدد السادس، السنة السادسة 1403هـ،  ص 15 وما بعدها.

[13] آثاَرُ ابْنُ بَادِيسَ (3/326).