إن من القضايا الأكثر شيوعاً في عصرنا هذا قضية حمل الناس على فكر أو عمل معين، وذلك أنه إذا أريد حمل العامة على شيء من الأقوال أو الأفعال فالواجب الترويج لذلك بشكل واسع في أوساط الناس أن هذا الأمر يقال أو يفعل - برغم كونه منعدماً -، الأمر الذي سيحمل أفراد المجتمع على التطبيق العملي لما أريد منهم فعله، وذلك إذا كان الفعل حسناً، فالنفس أميل لفعل الحسن، وإن كان قبيحاً فالنفس تستهوي فعل القبيح ما دام العمل جارياً به من خلال ما يشاع في الناس ويذاع، فالترويج للأفكار وإن لم تكن موجودة في الواقع إذن لها بالإيجاد والسريان، ومثال على ذلك؛ يكفي الترويج داخل مؤسسة تعليمية أن أبناءها يتناولون المخدرات فلا تمر إلا أيام قلائل حتى يصبح الأمر واقعاً، فالتلميذ يتلقى سماعاً وإن لم ير شيئاً أن هناك من يتناول المخدرات داخل مؤسسته وتتكرر عنده الفكرة يوماً بعد يوم فيبدأ التفكير في فعلها ما دام الآخرون يفعلونها، وهذا منطلق الشرر، ولما كان هذا الأمر بهذه الخطورة أولت الشريعة الإسلامية له اهتماماً بالغاً أولاً من جهة التوصيف، وثانياً من جهة وضع الإجراءات الوقائية، وثالثاً الجرعات التضمينية، وهكذا تجد هذا الدين بمصدريه القرآن والسنة يقف من سائر القضايا الاجتماعية على هذا المنوال فلا يقف من الجريمة بمجرد التوصيف لها، وإنما يتجاوزه إلى بيان الأسباب التي أدت إلى ذلك ثم وضع العلاج الأنجع لها.

أما توصيف قضية إشاعة الفاحشة والمنكر بين الناس فقد جاء في سورة النور، قال الحق سبحانه: {إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} [النور: 19]، فربط هذه الآية بسياقها - قصة الإفك - يُظهر أن مجرد إشاعة الفاحشة أو المعصية بالقول مرتب عليه الفعل بعد، وأن الأمر يزداد خطورة إذا كان من تشاع عنه الفاحشة ذا مكانة في الدين كالعالم والفقيه وطالب العلم. كما هو الشأن في حادثة الإفك حيث الضحية هي أم المؤمنين رضي الله عنها، وكذا ما ورد في حديث «إذا ابتغى الأمير الريبة في الناس أفسدهم» (حديث حسن رواه أحمد وأبو داود)، قال ابن الأثير وابن منظور: أي إذا اتهمهم وجاهرهم بسوء الظن فيهم أداهم ذلك إلى ارتكاب ما ظن بهم ففسدوا»، فعلى مثل هذا يفعل من يريد أن تشيع الفاحشة بين الذين آمنوا وهو القيام بالترويج لها، أو اتهام الناس بارتكابها.

أما الإجراءات الوقائية: فهذا منهج إسلامي رفيع في الحفاظ على صلاح أمور الناس وهو وضع الإجراءات الوقائية قبل الوقوع، أي كيف السبيل وما المخرج من الوقوع في الفساد؟

ولمنع إشاعة المعاصي والفواحش والمنكر في صفوف الذين آمنوا، أرسى التشريع الإسلامي قواعد أساسية إن فعلت تجنب المسلمون المعاصي قولاً وتفادوها فعلاً، ونذكر من بين هذه القواعد:

التثبت والتبين في قبول الأخبار:

قال الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: ٦]، فإذا وصل الخبر إلى المسلم عن أحد في معصية من المعاصي فليتنبه أولاً إلى ناقل الخبر أصادق أم لا؟ وثانياً التثبت من الخبر نفسه إذ قد ينقل الصدوق الخبر الكاذب.

منع الإنسان من التحدث بكل ما سمع:

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع» (رواه مسلم)، وذلك احترازاً من انتشار المنكرات والفواحش، إذ الخبر قد يكون عند اثنين فيحدث كل واحد منهم غيره فصيران أربعة وفي لحظة وجيزة يذاع الخبر على نطاق واسع، ولأجل هذا حرم الإسلام على المسلم الحديث بكل ما سمع ولو كان الحديث صدقاً وخاصة إذا تعلق الأمر بمنكر أو فاحشة.

اجتناب الظن السيئ بالمسلمين:

وله شواهد قرآنية وحديثية كثيرة تدل دلالة واضحة على وجوب الظن الحسن بالمسلم، قال الله تعالى: {لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْـمُؤْمِنُونَ وَالْـمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إفْكٌ مُّبِينٌ} [النور: 12]، أي: ظن المؤمنون بعضهم ببعض خيراً، وهو السلامة مما رموا به، وأن ما معهم من الإيمان المعلوم، يدفع ما قيل فيهم من الإفك الباطل، {وَقَالُوا} بسبب ذلك الظن {سُبْحَانَكَ} أي: تنزيهاً لك عن كل سوء، وعن أن تبتلي أصفياءك بالأمور الشنيعة، {هَذَا إفْكٌ مُّبِينٌ} أي: كذب وبهت، من أعظم الأشياء، وأبينها، فهذا من الظن الواجب، حين سماع المؤمن عن أخيه المؤمن، مثل هذا الكلام، أن يبرئه بلسانه، ويكذب القائل لذلك (من كلام السعدي في تفسيره).

منع التجسس والغيبة والنميمة:

هذه الثلاث من أكثر الأشياء المفشية للأسرار المذيعة للأخبار في أوساط الناس فالتجسس يريد صاحبه إخراج ما كان عن أعين الناس خفياً، والغيبة وهي «ذكرك أخاك بما يكره ولو كان فيه» هي أيضاً تعمل على نشر مثالب الآخر وتسويقها، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَـحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} [الحجرات: 12]، فانظر وتأمل حال من يغتاب غيره كيف شبهه الله تعالى.

وأما النميمة فهي نقل كلام بعض الناس لبعض، لقصد الإفساد بينهم، وإلقاء العداوة والبغضاء، قال الله تعالى: {وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ 10 هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} [القلم: 10، 11].

وجوب استتار المؤمن وستره عند البلاء:

وهي أيضاً من القواعد المهمة في توقيف سريان الفواحش في صفوف المسلمين وهي تتفرع إلى قاعدتين اثنتين: الأولى: وجوب الاستتار عند البلاء ويشهد لها حديث في المستدرك وغيره:  «اجتنبوا هذه القاذورة التي نهى الله عنها فمن ألم فليستتر بستر الله وليتب إلى الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله»، وذلك أن الإنسان غير معصوم البتة من التلطخ بشيء من المعاصي ولكن إظهار ذلك للناس والتبجح به أمر منكر يزيد على منكره الأول، فلذا وجب الاستتار لأن الإشهار مسلك من مسالك الانتشار، ولهذا كان من موانع مغفرة الذنب إذاعته بين الناس فعن عبادة بن الصامت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليستر العبد من الذنب ما لم يخرقه»، قالوا وكيف يخرقه قال: «يحدث به الناس»، ذكره ابن عبد البر في التمهيد، أما القاعدة الثانية: فهي ستر الشخص الواقع في المعصية: ويستدل لهذه القاعدة بحديث ابن ماجه: «من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة».

- تشريع حد القذف: ومعناه في الفقه الإسلامي الرمي بوطء حرام، أي أن يتهم الشخص من جهة الزنا في نفسه أو في والده وكذا اللواط في نفسه، وحكم من فعل هذا هو ما يشير إليه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْـمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: ٤]، قال الأستاذ محمد علي الصابوني تحت باب ما ترشد إليه الآية: أولاً: قذف المحصنات من الكبائر التي تهدد المجتمع وتقوض بنيانه، ثانياً: اتهام المؤمنين بطريق القذف إشاعة للفاحشة في المجتمع.

 فبان بهذه القواعد التي ذكِرت والتي لم تذكر أن الإسلام يقطع دابر الفساد قبل الوقوع فيه أو الوصول إليه، وقد استنبط العلماء من هذا عدة قواعد أصولية وفقهية هدفها الأساس قطع الفساد قبل إن يقع أي قبل أن تُلجئ نفسك إلى التفكير في طرق العلاج فأوقف الأمر ابتداء، منها: قاعدة سد الذرائع، وقاعدة مراعاة المآل.. ولذلك قالوا المنع أسهل وأقوى وأولى من الرفع.

العــلاج: من القواعد المتفق عليها في شريعة الإسلام أن كل شيء قابل لأن يعالج، كل ذلك استنباطاً من تضافر النصوص الناطقة بإنزال الله الداء والدواء، ولذلك سار من القواعد الكلية في الدين أن الضرر يزال، وعليه وضع الدواء لهذا المرض الاجتماعي - إشاعة الفاحشة بين الذين آمنوا - عن طريق علاج بالإيمان وعلاج بالعقوبة، أما علاج الإيمان أو القرآن فهو إيكال المؤمنين إلى تدينهم ومراقبة ربهم في كل تصرفاتهم: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]، فالتدين الصحيح يحمل الإنسان على تجنب المنهيات الشرعية والتي منها تجنب الفواحش، وتجنب نشرها، بل وعمل ضدها وهو ستر المؤمن والتحدث عنه بالخير، ولذلك يكون من كمال الإيمان إشاعة الصلاح بين الذين آمنوا، ولأجل هذا جاء في الحديث: «اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساوئهم»، وذلك أن ذكر المحاسن يحمل الناس على التأسي بهم في فعلها والشيء نفسه يقع عند الحديث عن الأحياء، فإن كان الكلام بالخير والمحاسن حمل المستمع على التأسي، وخاصة إذا أشيع بين الذين أمنوا والعكس بالعكس.

أما العلاج بالعقوبة: فهو قسمان: عقوبة تتعلق بالإشاعة، وعقوبة تتعلق بالمُبَاشَرة والفعل، أما عقوبة الإشاعة فالذي جاء التنصيص على عقوبة إشاعته فهو القذف، وقد تحدث العلماء عن مقاصد تشريع حد القذف وكلها تتجه نحو هدف أساس وهو صيانة الأعراض وتطهير المجتمع من الفواحش، هذا فيما يخص إشاعة الزنا عن شخص معين، أما القذف بغيره فيبقى الأمر فيه للنظر الفقهي والقضائي بحسب الزمان والمكان، وهو الذي يسمى في كتب الفقه بالتعازير.

أما عقوبة الفعل: فحسب كل جريمة وقد تكفلت بها كتب الحدود والعقوبات كحد الزنا، وحد الخمر، وحد تارك الصلاة والممتنع عن الزكاة، وحد السرقة، والقصاص، وعقوبة السحر.. وكذا سائر الجرائم والتي تزيد عقوبتها أو تنقص بحسب الضرر الناتج عنها، ولذلك تجد في التشريع الإسلامي أن الجريمة الأكثر عقوبة ما تعلق فعله بفساد المجتمع.

وبهذا يكون العمل على تطبيق المنهج الإسلامي ضرورة بشرية، وذلك أن جل المجتمعات تنشد الأمن.. وقد جربت كافة القوانين الوضعية، فعجزت وعجز أهلها عن الحلول ليبقى كتاب الله المخرج الوحيد والأوحد الذي {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42].