يعد مفهوم «موت الثقافة» من المصطلحات التي أطلت برأسها بقوة في السنوات الأخيرة، خاصة مع صدور كتاب: «ملاحظات على موت الثقافة.. مقالات حول المشهد والمجتمع»[1]، تأليف ماريو فارغاس يوسا، وهو المفكر والروائي الحاصل على جائزة نوبل عام 2010م، وقد صدر الكتاب في أغسطس 2015م، وقد قرأ فيه ما يلمسه في الواقع، من انصراف الناس عن الثقافة بفعل ملهيات الحياة التي كثرت وتعددت في حياتنا المعاصرة.

ويرى المؤلف أن الثقافة في الماضي كانت جزءاً من الوعي العام للناس، وكانوا يحرصون على تجديدها وتنميتها بشكل يومي، ولكن الوضع تبدل الآن بفعل وفرة عناصر الإلهاء والتسلية بين أيدي الناس، فشغلتهم عن مداومة القراءة، والعكوف على الكتب بشكل عام. وهذا ما نلمسه جلياً في أجهزة الحاسوب اللوحية أو الثابتة، والهواتف النقالة، وإدمان الجلوس على مواقع التواصل الاجتماعي، وبرامج الدردشة والصور والمرئيات. لقد انطلق المؤلف من مفهوم أطلقه الشاعر الإنجليزي تي إس. إليوت، في مقالة عنوانها: «ملاحظات حول مفهوم الثقافة»، والتي تركزت على نعي إليوت للتفاعل في القرن العشرين، مع جوانب مختلفة للسياسة والجمال والثقافة في مجالات النقاش العام في المجتمعات. وقد نبه إليوت على أن الثقافة تأتي على أشكال ثلاثة: على مستوى الفرد، ومستوى الجماعات أو الحركات، ومستوى حركة المجتمع كله. وقد بنى «يوسا» فكرة كتابه على ما أثاره إليوت، وإن كان بشكل مختلف، حيث يرصد ويعدد مظاهر النقص الحاد في الثقافة، والمحتوى، والفكر والسياسة، بجانب انتشار الصحافة الصفراء، وسيادة التسطح الفكري، وغياب العمق المعرفي بالمقارنة مع حالة الوعي بشكل عام في المجتمعات الغربية.

لقد ركز يوسا على حالة التراجع العام في اهتمام النخبة والمجتمع بالثقافة والأدب، ومناقشة القضايا السياسية مثل الحريات والديمقراطية وأوضاع الإنسان وحقوقه في أقطار العالم. حيث تحولت السياسة إلى احتفالات، أما السياسيون أنفسهم فباتوا أقرب إلى المهرجين، وهم يقدمون أنفسهم، دون مرجعيات أخلاقية أو ثقافية مستقلة عن سوق الترفيه. كما يتطرق في أحد فصول الكتاب بعنوان «خطاب موجز حول الثقافة»، لربط اهتمامات الجماهير بالنزعة التجارية السائدة، مؤكداً أن الثقافة الراقية تضمحل أمام سيطرة الثقافة الجماهيرية في أسواق صناعة الترفيه.

وهو ما أثر في الكتابة الأدبية الإبداعية في الغرب، التي باتت تسير وفق حركة السوق بطابعها الرأسمالي، وأصبح الأدب جزءاً من صناعة الترفيه، ويقر في الوقت نفسه بأن الأدب الراقي والعميق لا يتعارض من حيث المبدأ مع فكرة الانتشار والتسويق، التي هي جزء من التمدد الرأسمالي الذي اكتسح العالم.

عندما نقرأ الطروحات التي قدمها يوسا في كتابه «ضمن سياقات الموجات الفكرية والاجتماعية والثقافية المنتشرة في الغرب في العقدين الأخيرين»، سنجد أنها تمثل ثمرة لما هو سائد، مع صيحات العولمة/ الكوكبية، التي غيبت كثيراً من خصوصيات المجتمعات والثقافات، وقاربت أن تصبغها بالطابع الأمريكي. وهو ما أصاب بلدان الغرب الأوربي المتقدم مثلها مثل بقية بلدان العالم مع صعود النموذج الأمريكي وتسيده على مستوى الثقافة والعمارة والفنون والآداب، حتى باتت مدن وعواصم عالمية متأثرة بنزعة الأمركة، بما فيها باريس ولندن، وهو ما دفع الروائي الفرنسي - من أصل مصري - «ألبير قصير»، إلى وصف باريس في مطلع القرن الحادي والعشرين بأنها مدينة أمريكية، ولم تعد باريس ذات الخصوصية الثقافية والحضارية والفلسفية والمعمارية التي عاش فيها «قصير» خلال عقود القرن العشرين، إذ صارت باريس «متأمركة»، على حد قوله.

 تعبر رؤية يوسا عن وجهة نظر أدبية لكونه روائياً من دولة «البيرو»، ينتمي للأدب عامة، والأدب المكتوب بالإسبانية بشكل خاص، وبالنظر إلى تكوين يوسا الفكري والمعيشي والأدبي نجد أنه ينتمي ميلاداً إلى العالم الثالث، ولكنه يعيش في العالم الأول، فقد نال عضوية الأكاديمية الملكية الإسبانية والأكاديمية الملكية الأمريكية، ومن ثم فهو يقرأ التغيرات الحادثة في الفكر الغربي من أبعاد عديدة: تتصل بكونه منتمياً إلى عالم الأدب، ويعيد قراءة التراث النقدي للشاعر الإنجليزي إليوت، بجانب رصده لما يجري في الغرب وأمريكا على أصعدة السياسة والفكر والثقافة، وهو الذي يعيش فيه، ويعرفه عن قرب، ويلاحظ المستجدات على ساحته، ومن ثم جاءت رؤيته تشخيصاً لواقع حالي ومستقبلي أيضاً.

 إن أفكار يوسا ليست بعيدة عن طروحات حركة ما بعد الحداثة، والتي تأسست على مراجعات جادة للفكر الحداثي، وحصيلته على المستوى الثقافي والإبداعي والسياسي والفكري والاجتماعي، بجانب ظهور روافد مجتمعية ومعرفية وتقنية فرضت متغيرات عديدة على حركة المجتمع والفكر.

  وقد ركزت ما بعد الحداثة بشكل خاص على فكرة الموت، ضمن قراءة مفكريها لاعتداءات 11 سبتمبر 2001م، في الولايات المتحدة الأمريكية، وكيف شاهدوا أناساً يضحون بأنفسهم في سبيل تدمير أحد الرموز الحضارية والمالية في العالم. ومن ثم أصدرت حكماً بأهمية إعادة النظر في العالم الواقعي/ المعيش، وأن الصراعات والمعارك لم تعد مقتصرة على ما تحمله الأخبار في أقطار العالم الأخرى، وإنما أضحت تضرب بقوة العالم الغربي، وتميت الآلاف، وتنشر الرعب والفزع. والأهم[2] أن الإحساس بالموت بوصفه فناء وإفناء، كان حاضراً في الفكر الغربي فلسفياً ووجودياً، فالتهديدات متصاعدة، وطغيان المادية والنفعية على الحياة؛ ولد في النفوس الإحساس بالاغتراب، وعبثية الحياة، وكثرت حالات الانتحار والرغبة في إفناء الجسد الاختياري، جنباً إلى جنب مع شعارات الموت المعنوية المتصلة بالحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية. أي إن الموت حاضر على مستويين: الأول عضوي في المفهوم التقليدي، والثاني: الموت بدلالاته الفكرية والنقدية.

 وفي جانب آخر، فإن ما بعد الحداثة تعاطت بإيجابية عالية، مع التغيرات الحادثة في بنية المجتمعات الغربية وأمريكا الشمالية، من حيث انتشار التقنيات الحديثة، وتسيدها في حياتنا، وهو ما انعكس على الثقافة المعاصرة ذاتها، وأوجب عليها التفاعل مع التغيرات العميقة في بنية المجتمع وأسلوب المعيشة. ولتقريب الفكرة أكثر، فإن مفهومي الزمان والمكان مختلفان في منظور ما بعد الحداثة، بالنظر إلى ثورة الإنترنت، وانهيار منظومة وسائل التواصل التقليدية (البريد، البرق، الهاتف الثابت...) فلم يصبح العالم قرية صغيرة، وإنما صار كأنه بيت واحد، الكل متواصل فيه على مدار الساعة، ليتلاشى في أعماقهم المكان المادي، بكل مسافاته وأبعاده وأزمانه أيضاً. وسادت الصورة بوصفها تقنية وثقافة وترفيهاً[3]. أما السياسة فهي لعبة، يتبارى فيها الساسة، ويبرزون قدراتهم على المناورة من أجل حشد أكبر قدر من المؤيدين، وتراجعت في المقابل الأيدلوجيات، واحتلت الأولويات خطط التأمين، وتجنب الإرهاب والعنف، مع الحفاظ على مستوى المعيشة العالي[4].

 فما أسوأ اختزال الثقافة في صور ومرئيات وصوتيات يتم تداولها، وتغيب في المقابل الكلمة المكتوبة أو تقل، بكل ما تحدثه في النفس من إثراء لغوي، وتعميق فكري، وزيادة القدرة على التأمل وإفساح المجال للخيال أو التخيل. وتلك من فوائد القراءة لما هو مكتوب. فتصبح الذات المتلقية في النهاية كائناً بصرياً أكثر من كونها قارئة متعمقة، فيما يمكن أن نسميه ظاهرة «الإنسان الزجاجي» أو «إنسان الشاشات»، الذي يعكف على شاشات: التلفاز، الحاسوب، المحمول.. إلخ، وتستغرقه وتطارده في سائر أنشطة حياته، فأينما ذهب أو أقام، هناك شاشة أمام عينيه، أو بيديه، فتتعاظم حاسة البصر، وتقل في المقابل الرغبة في القراءة للثقافة الحقيقية، ويزداد تسطح الذات والفكر، والأخطر حالة اللهاث وحمى الشراء والإشباع المادي اللانهائي لما تراه العين من الإعلانات الاستهلاكية، والمستويات المعيشية الفارهة التي تظهر في الأفلام والمسلسلات.

 والأمر الأخطر هو سقوط الذات تحت ما يسمى «التضليل الإعلامي» الذي يعني أن الذات البصرية/ الزجاجية، تكون رهينة للسوق الإعلامية، وللقوى الاقتصادية المتحكمة في هذه السوق، والتي توجهها تجارياً وفكرياً وعلى مستوى الذائقة.

 فالتضليل الإعلامي إحدى الأدوات الرئيسة للسيطرة، ويقع في أيدي مجموعة صغيرة حاكمة من صناع القرار، يتمثلون في أصحاب الشركات ومسؤولي الحكومات، وصب العقول في توجهات سياسية أو فكرية ما، بل إن التضليل الإعلامي نوع من القمع الفكري الشامل، والهيمنة الثقافية والاجتماعية، طبقاً لمبادئ السوق، بل إنها تجتذب خيرة العقول من أجل صياغة الرسالة الإعلامية والثقافية وفقاً لرغبات ملاك القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية، ودور السينما والترفيه[5].

 يأتي هذا في ضوء تراجع السرديات الكبرى المنبثقة من الأيدلوجيات الكبرى التي سادت العالم في القرن العشرين، تلك الأيدلوجيات التي ساهمت في الإحساس بالهوية والهدف والقيمة لدى الشعوب، وأيضاً إضفاء الشرعية على دور العلم والمعرفة في العلاقة مع المجتمع ككل[6]، وهو الذي أضفى أيضاً شرعية على الحكومات والساسة، وكان حافزاً على اهتمام الناس بالأيدلوجيات، وما يتصل بها من نقاشات عميقة، وآداب وفنون معبرة عنها، والتي تنشئ في النهاية مجتمعاً يمتاز بحيوية فكرية، وتحفز الخيال وفق رؤى مؤدلجة، بغض النظر عن اختلافاتها.

 إذا نظرنا إلى ما تقدم حول موت الثقافة في منظور الواقع العربي الآن، سنجد أننا نعاني بالفعل من موت الثقافة والسياسة، ولكن ليس للأسباب الموجودة في المجتمعات الغربية، وإنما لبنية المجتمعات العربية ذاتها، التي جعلت الثقافة والمثقفين في ذيل قائمتها واهتماماتها وإنفاقها، في ضوء تراجع المستوى القرائي، وأمية المتعلمين الثقافية، بجانب الأمية الهجائية التي ما زالت تنهش في عقل الإنسان العربي.

 فمن أبرز ما يميز المجتمعات الغربية على الصعيد الفكري والفلسفي، أنها في حالة من الحراك المستمر على مستويات عديدة: صناعية، اقتصادية، تقنية، ابتكارية. وأن هناك مواكبة مستمرة من قبل المفكرين والفلاسفة للتغيرات الحادثة، في ضوء التمتع بحالة كبرى من الحريات، التي تتيح طرح عشرات الأسئلة، بما تنتجه من نقاشات مفتوحة، تنعكس بالإيجاب على الأدب والفنون، وتدخل في السياسة وفي وعي صناعها. أيضاً، لا يمكن فهم حركة الفكر الغربي بصورة واحدة، فلا يتخيل قارئ أن الغرب كله يتبنى مقولات الموت في أدبياته، وإنما هي جزء مما هو مثار على الساحة، وهناك معارضون آخرون له، أو مختلفون عنه، أو يبحرون فكرياً في مسارات أخرى تنأى عنه، فهي جزء من كل، وليست كلاً ينشغل به الجميع.

 وتلك مشكلة تواجهنا في الحياة الثقافية العربية، عندما يتم استيراد فكرة أو فلسفة، ويتم الترويج لها في ساحتنا الفكرية؛ فإن البعض يفهمها بشكل أحادي، ويرى ما عداها تراجعاً أو تأخراً، أو عدم معاصرة، خاصة إذا تم نقل الفكرة دون النظر إلى الأفكار المعارضة لها، أي تنقل من زاوية المؤيدين فقط، وغمط الرأي الآخر حولها.

 فالفكرة الوافدة لنا، تعني ميداناً جديداً للحوار والنقاش، وتعني أيضاً مزيداً من التبحر في البحث والترجمة، وتعني ثالثاً مزيداً من التلاقح مع المستجدات الفكرية.

 وفي جميع الأحوال، فإن الانفتاح على كل ما يفد إلينا مطلوب، فضلاً على أنه واجب، لأننا جزء - شئنا أم أبينا - من حركة الفكر العالمي، ولكن يتوجب علينا أن نستفيد من الحركية الفكرية الغربية، بما يدفعنا لقراءة مجتمعاتنا وفهم حركيتها.

 على الجانب الآخر، فإن الرافضين من ذوي الفهم الخطأ للأفكار الجديدة، يتحصنون وهماً في التراث، ليصنعوا معركة قديمة جديدة تسمى صراع الأصالة والمعاصرة، وهي ليست بمعركة كما يظن البعض، وإنما مظهر من مظاهر أزمتنا الفكرية، فمن قال إن أية فكرة وافدة وجديدة تعني أنها معاصرة يجب اتباعها؟ فمن الواجب مناقشتها بموضوعية، ولك كل الحق في القبول أو الرفض، المهم أن يكون النقاش موضوعياً ثرياً، مبنياً على فهم صحيح لما هو وافد، وليس كما يفعل البعض، بأن يقرأ عناوين منهج أو تيار جديد وتنال إعجابه، فيسارع بالمدح قولاً ثم كتابة مؤكداً أنها جزء من بضاعة تراثنا التي رُدَت إلينا. وينسى أن الفكرة الوافدة وإن تشابهت مع المطروح تراثياً، فإن مكوناتها المعرفية وأصولها تختلف عما عندنا، ولكن الجديد الذي تطرحه أنها تجعلنا نسلط الضوء على مساحات ومناطق وعلوم في تراثنا وثقافتنا كنا غفلاً عنها من قبل، وعندما وفدت إلينا مترجمة دفعتنا إلى قراءة التراث بعيون جديدة.