كانت تتضايق «صغرى» كلما مرت بدكان «البان» في طريقها إلى الشركة التي كانت تعمل فيها، حيث كان شبان الحي التائهون يجتمعون فيه للهو واللعب فكلما وقعت عليها أبصارهم صفروا وعلقوا على تنورتها القصيرة الفاتنة وقميصها الضيق اللاصق بكلمات غريبة تسمع بعضها وتحاول الفرار عن كثيرها وهي تخطو بخطوات سريعة نحو محطة الحافلات لتتخلص منهم، ولكن أنى لها الخلاص! ما زالت تملك جمالها المكشوف ومفاتن جسدها الساحرة التي تدعو الناس إلى التلذذ بالنظر إليها، فكانت تقابل أناساً جدداً إذا تخلصت من شبان تائهين في منطقتها، بل كانت موضع إثارة واهتمام في كل مكان سواء في طريقها إلى المحطة أو في الحافلة أو في الشركة نفسها.

هذا شأنها كل يوم، بل بدأ تحرش المتشردين في ازدياد كلما ازداد نضوج أنوثتها، ولما بلغ السيل الزبى ولم تجد طريقاً للخلاص من أنظار الناس أسكب قلبها الحزين دموع الحزن واليأس وسالت العيون بدماء الحسرات، وكادت تخور قوى التفكير فيها وتتساقط كأوراق الخريف، تريد أن تترك العمل ولكن من يكفلها وأمها العجوز المسكينة المريضة التي تحتاج إلى قدر ليس بقليل من النقود لعلاجها، فتردع من فكرة ترك العمل. كانت في مثل هذه الأفكار إذ جاءتها فكرة الذهاب إلى صديقتها المخلصة زينب التي كانت تمدها بما تستطيع من غذاء ودواء، لتكشف أمامها عن بنات صدرها علها تجد حلاً لما يقض مضجعها ويقلل من نومها ويزيد من تفكيرها. ففي يوم من الأيام ذهبت إلى زينب التي كانت تعمل ربة بيت، فباحت لها بما كانت تعانيه، حيث استطردت قائلةً:

- إنني تعبت من أنظار الناس التي تلاحقني في طريقي إلى الشركة كأنني مأكولة شهية تفوح برائحة مغرية. إنني خائفة جداً، خائفة على عرضي ونفسي وروحي لما أسمع كثيراً عن اغتصاب الفتيات وقتلهن الفظيع.

أجابت زينب:

- لماذا لا تتحجبين لتريحي نفسك من هذه المتاعب التي لا جدوى من ورائها.

- أتحجب وكيف.. هل تقبلني الشركة محجبةً؟

- لم لا يا أختي فأنت حرة تفعلين ما تشائين وتلبسين ما تشائين، ثم ما علاقة العمل باللباس، المهم هو عملك وليس لباسك، فلو كنت متقنةً في عملك كَفَاهم منك مؤنةً.

- جميع الموظفات بالشركة يرتدين ما أرتديه أنا، فإنه زي موحد في الشركة يجب على جميعهن ارتداؤه.

- اعلمي يا أختي! الرزق على الله وليس على حساب الشركة، أما الحجاب فهو أمر من فوق سبع سماوات، ثم بالحجاب يزداد جمالك ويجعلك كالذهب المخزون، ثم فيه راحة لك ولغيرك من الناس، فلا تخافي إلا الله ولا تتكلي إلا عليه فمن يتوكل على الله فهو حسبه.

- صحيح، ولكن..

- كسري الحواجز، وتوكلي على الله، لعل الله يحدث لك أمراً. 

رجعت صغرى بقدر من الهدوء والاطمئنان إلا إن التفكير في عواقب الحجاب ما زال يُشغل بالها، ولكنها تجرأت فأعدت لها حجاباً، وفي يوم من الأيام وصلت صغرى إلى الشركة وهي محجبة. وكانت مرتاحةً في طول طريقها فلم يشعر شبان الحي أنها هي التي مرت بجانبهم، ولم يتحرش بها أحد في الحافلة، ولكنها واجهت في الشركة أكثر مما كانت تواجهه وهي سافرة. فقد نظرت إليها صاحباتها بنظرة اشمئزاز، وانتشر خبر حجابها في الشركة انتشار النار في الهشيم فكأنها ارتكبت ذنباً أو جاءت بسيئة لا تغتفر، وسرعان ما دعاها مدير الشركة «أسلم الدراني» في مكتبه.

مثلت صغرى أمام المدير وهي ترتجف كأنها طير بلله المطر في الشتاء، ساكتةً لا تنبث ببنت شفه، سابحةً في مذاهب تفكيرها، ذاهبةً مذاهب بعيدة، فقاطعها المدير:

- لماذا ارتكبت مخالفة الزي الموحد للشركة؟

- خوفاً من أعين الطامعين.

- لماذا لا يهيمن هذا الخوف على غيرك من بقية الموظفات؟

- لهن دينهن وثقافتهن ولي ديني وعرضي ونفسي وروحي.. ألم تر يا سيدي المدير أن الله تعالى أمر بغض البصر وضرب الخُمر، والحجاب هو الذي يمكن أن يقلل من قضايا الاغتصاب التي تضرب أمن البلاد كل يوم. وبالحجاب يمكن القضاء على الأمراض النفسية التي يُعاني منها كثير من الشبان في مجتمعنا، ففيه راحة لهم من متاعب الشذوذ وراحة لنا أيضاً من متابعاتهم.    

هكذا ردت على المدير ما تلقفته صغرى من صديقتها المتدينة المخلصة السيدة زينب زوج الشيخ محمد القادري، وكان كلاماً موجزاً ومعسولاً يتسم بالعقلانية فأحدث انقلاباً في قلب المدير وأيقظ في نفسه النائمة نخوة إسلامية، إذ بادرها قائلاً:

- لا بأسَ، أنا متفق معك، ولك استثناء.

- شكراً سيدي، جزاك الله خيراً.

غادرت صغرى مكتب المدير وتباشير الفرح لامعة على وجهها، وظلت تباشر عملها بهدوء، ولكن قضية حجابها لم تزل حديث ساعة في الشركة وظل موضوعاً ثرياً للشباب والشابات، فمنهم من يصفها بالتخلف والتزمت ومنهم من يقول إنها جاموس تعكر صفونا! وما إلى ذلك من تعليقات مؤلمة وأقوال مجرحة المشاعر، أما «وشنو ديوي» التي كانت تغار منها فقد تقدمت خطوةً وبادرت قائلة:   

- لا بد من وضع الحد لهذه الجاموس!

قال صديقها «راجا سنغ»:

- لا بد من الوقوف ضد هذا المدير الذي يسوق الشركة إلى الجحيم.

تعالت الأصوات وكثر الهرج والمرج، حتى اتفقوا على تنظيم التظاهرات ضد الحجاب والمدير الذي سمح لكسر حواجز الشركة. وفي هذا الصدد اتصلوا بأعضاء منظمة تحرير النسوة، ومنظمة حقوق المرأة، وغيرهم من الشخصيات الاجتماعية والقانونية.

ففي اليوم المعلَن احتشدت موظفات الشركة والموظفون فيها وأعضاء المنظمات ورجال الأفلام واللهاة رافعين شعار التنديد بالحجاب واصفين إياه بأنه نقطة سوداء على تحرير المرأة، بالإضافة إلى مطالبتهم باستقالة المدير الذي سمح بالحجاب، ضاربين الهتافات ضد الإسلام وقوانينه السمحة. وكانت «وشنو ديوي» أكثرهم تحمساً فقد لبست حجاباً وحملت قارورة للبنزين وصعدت على سطح خزان للماء في ساحة «أمبيدكار»، ونفثت كل ما كان في قلبها من أحقاد تجاه الحجاب والإسلام والفتاة، وأخيراً نزعت الحجاب الذي لبسته سخريةً، ثم سكبت عليه البنزين، وأشعلت فيه النار، ونست أن قارورة البنزين لا تزال في يدها اليسرى فأسرعت النار إلى القارورة ولم تمض ثوان حتى أخذتها النار في حجرها المريح، وهي تصيح صيحة يُرثى لها، وصديقها وغيره يحاولون إطفاء النار، ولكنه لم يستطع إلا أن أصابت النار أكثر جسدها وأحرقته كالشاة المذبوحة.   

هكذا فجأة تغير المشهد، واكتظت الساحة بالصياح والعويل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، والله يفعل ما يريد.