دخل العام الرابع على الحرب في اليمن بسبب الانقلاب الحوثي على الشرعية وسيطرته على كل موارد الدولة، لكن الأزمة الإنسانية ووجع المواطن اليمني كان قد بدأ قبل بذلك بأكثر من عام منذ بداية تغول تلك المليشيات التي تتلقى الدعم من إيران على المدن اليمنية بداية بالاعتداء على مركز دماج السلفي وإخراج أهله منه بالقوة، حتى سقوط المداميك الأولى للدولة اليمنية بسقوط مدينة عمران في 8 يوليو 2014م.

خلال الأعوام الماضية مرت على المواطن اليمني في شمال اليمن وجنوبه عدة أزمات وأوجاع وأمراض وأوبئة وفقر وفوق كل ذلك حرب ودمار وتشريد ونزوح.

مع بداية العام 2018م أطلق المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان ديوجاريك، مناشدات القلق تجاه الوضع الإنساني في اليمن، مشيراً إلى أن معاناة الشعب اليمني مستمرة دون توقف.

تصريحات مشابهة أطلقها منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في اليمن جيمي ماكغولدريك، أكد فيها أن 22 مليون مواطن يمني يعانون من سوء الأوضاع الاقتصادية، وأن نصفهم بحاجة ماسة للمساعدة العاجلة، مؤكداً أن الأزمة الغذائية في اليمن هي الأكبر عالمياً، وأن المساعدات الإنسانية غير كافية.

برغم كل الجهود الإنسانية التي تقوم بها السعودية عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، وبعض المنظمات الدولية، إلا أن تلك الجهود لم تستطع أن توقف الأزمة الإنسانية والصحية التي تتفاقم يوماً بعد يوم خصوصاً في المحافظات الواقعة تحت سلطة الحوثي.

بحسب معطيات الأمم المتحدة فقد سقط أكثر من 10 آلاف قتيل وأكثر من 58 ألف جريح خلال هذه الحرب، وهناك إحصائيات أخرى تذهب إلى أكثر من ذلك، وبالتالي تأثير ذلك على أسر القتلى سيكون كبيراً كونها فقدت عائلها الوحيد، فضلاً عن عشرات الآلاف من اليمنيين الذين نزحوا من منازلهم في مناطق المواجهات.

وإذا كانت تقارير الأمم المتحدة تتحدث عن 22 مليون مواطن يمني يعانون من الأوضاع الاقتصادية، فإن المطلع على الوضع الداخلي في اليمن يعرف أن تقارير الأمم المتحدة لم تشمل عموم اليمن، خصوصاً المناطق الريفية، والقرى والوديان، وبالتالي فالأزمة أكبر فداحة مما صورته الأمم المتحدة في تقاريرها، فالشعب اليمني يعاني ويكافح ويجاهد من أجل البقاء.

مؤخراً تحسنت الأوضاع بشكل نسبي في المحافظات المحررة وبدأت الحكومة تسليم رواتب الموظفين في تلك المحافظات، لكن المعاناة في المحافظات الخاضعة لسلطة الحوثي تتراكم يوماً وراء آخر ولن تعالج تلك المأساة إلا بتحريرها بالكامل وعودة سلطات الدولة، فالمليشيات تعتاش على قوت المواطنين، ولا تبالي بأوضاعهم الإنسانية.

ربما أن أكبر معضلة إنسانية تواجه الملايين من الأسر اليمنية في المحافظات الشمالية هي توقف رواتب الموظفين الذين يصل عددهم إلى أكثر من 800 ألف موظف بحسب الإحصائيات الرسمية، ووراء كل موظف أسرة مكونة من عدة أفراد، وكذلك توقف الأعمال، وتسريح الشركات الخاصة لموظفيها بسبب الأزمة الاقتصادية التي مرت بها البلد، ونتيجة فرض المليشيات الضرائب والجمارك والمجهود الحربي على التجار توقفت أعمالهم، وارتفعت أسعار المواد الغذائية والدوائية.

مأساة النزوح والتشريد جانب آخر من معاناة الشعب اليمني خلال هذه الحرب، فقد نزح الملايين من الناس من المدن التي تدور فيها مواجهات واضطروا للانتقال إلى مدن أخرى آمنة، وكلما اشتدت الحرب في منطقة نزحوا إلى أخرى وهكذا يعيش بعض السكان في موجة نزوح مستمرة.

وبحسب بعض الإحصائيات للمنظمات المحلية فقد تجاوز عدد النازحين مليونين و650 ألفاً، من بينهم قرابة نصف مليون تمكنوا من الدخول إلى المملكة العربية السعودية في بداية الحرب وحصلوا على زيارات وتسهيلات حكومية جعلتهم في وضع أفضل من النازحين داخل البلد.

أزمة انحدار وتراجع الريال اليمني ألقت بظلالها كذلك على قوت المواطن ومعيشته اليومية حيث وصل سعر الريال السعودي إلى 130 ريالاً يمنياً، بعد أن كان يساوي 60 ريالاً في بداية الحرب، وبسبب ذلك ارتفعت أسعار المنتجات وقلت فرص الناس في العمل، وضعف الدخل اليومي للفرد اليمني فأصبحت الكثير من الأسر جائعة تنتظر سلة غذائية من منظمة خيرية أو مساعدات المغتربين والبرامج الغذائية.

الوضع الصحي لا يختلف عن الأوضاع الأخرى في السوء والانحدار، فكثير من المستشفيات توقفت بسبب الحرب، وغادر المئات من الأطباء والممرضين البلد بحثاً عن النجاة وقوت العيش، حتى وصل نسبة الأطباء بين السكان إلى طبيب واحد لكل 40 ألف مواطن، ولا يوجد في اليمن بأكمله سوى 50 طبيباً متخصصاً في الصحة النفسية، وهو التخصص المهم في وقت الحروب، كما شهدت اليمن خلال العامين الماضيين وباء الكوليرا الذي انتشر في 22 محافظة يمنية وتسبب بوفاة أكثر من 2226 حالة، وسجلت منظمة الصحة العالمية أكثر من 800 ألف حالة يشتبه بإصابتها بهذا الوباء.

في الوقت ذاته انتشرت عدوى  الدفتيريا، حيث تقول التقارير إن هناك 318 حالة مشتبه بها، وتم تسجيل 28 حالة وفاة في 15 محافظة من أصل 22 محافظة في اليمن، ونصف الحالات من الأطفال دون سن 14 عاماً.

غير ذلك، كثير من الأسر خصوصاً التي تعيش في الأرياف عجزت أن تذهب بمرضاها إلى المستشفيات، فهي لا تملك النقود لدفع قيمة الدواء والفحوصات الطبية، وفضلت البقاء على الآلام والأوجاع، فضلاً عن تعطل العشرات من المستشفيات بسبب عدم قدرتها على تأمين وصول الدواء ومات العشرات في غرف العناية الصحية بسبب عدم توفر البنزين لتشغيل الأجهزة الطبية، وعجز المئات من المواطنين عن دفع قيمة غسيل الكلى ومات بعضهم في ممرات المستشفيات.

ومما ساهم في تفاقم الوضع الصحي والإنساني في اليمن تدمير البنية التحتية للبلاد بما فيها شبكات الصرف الصحي ومحطات تنقية المياه، لاسيما أن اليمن يعاني فعلياً من شح المياه أكثر من أي مكان في العالم، حيث هناك 16 مليون شخص يفتقرون إلى المياه النظيفة إما بسبب عدم وجود بنية تحتية أو بسبب عدم قدرتهم على تحمل تكاليف شاحنات المياه النظيفة، ومن أجل البقاء على قيد الحياة يضطر العديد من الأسر إلى البحث عن المياه في المناطق المجاورة، التي غالباً ما تكون رحلة خطرة (منظمة أوكسفام).

تقول منظمة اليونيسيف المختصة بالطفولة إن أكثر من ثلاثة ملايين طفل في اليمن ولدوا منذ تصاعد الحرب في مارس 2015م، هؤلاء الأطفال يعانون الأثر الكبير من نتائج الحرب في النزوح والأمراض وسوء التغذية وانعدام الخدمات الصحية.

تقول المنظمة في تقريرها الصادر في بداية العام 2018م إن أكثر من نصف الأطفال يحتاجون لمياه شرب آمنة، وخدمات الصرف الصحي الكافية، وأن 1,8 مليون طفل مصابون بسوء التغذية الحاد، منهم 400 ألف طفل يكافحون للبقاء على قيد الحياة.

وبحسب التقرير نفسه فإن مليوني طفل حرموا من التعليم، منهم حوالي 500 ألف طفل تسربوا من المدارس منذ بداية الانقلاب الحوثي.

وبالحديث عن التعليم فالأمر لم يقتصر فقط على الأطفال بل تضررت كل فئات المجتمع من البنين والبنات وعلى مستوى المدارس والجامعات، فقد تم تدمير الكثير من المدارس والجامعات وتضرر المستوى التعليمي وفضل الكثير من الطلاب عدم الذهاب إلى المدارس، وعجز المدرسون عن أداء رسالتهم التعليمية بسبب انقطاع الرواتب منذ ما يزيد عن عام كامل، فضلاً عن عجز الآباء والأمهات عن الدفع بأبنائهم إلى المدارس بسبب عدم قدرتهم على دفع الرسوم وتكاليف الدراسة.

يستطيع أي باحث متجرد يتابع الشأن اليمني أن يقول إن انقلاب جماعة الحوثي على الشرعية في اليمن قد تسبب على مدى السنوات الثلاث الماضية في تجريف الاقتصاد الوطني، وتدمير مؤسسات الدولة، وتلاشي فرص العمل، وإقصاء الآلاف من وظائفهم، الأمر الذي انعكس سلباً على معيشة السكان، وقاد إلى تهديد الملايين منهم إما بالموت قتلاً، أو جوعاً، أو بالمرض، في ظل انهيار شبه كامل للنظام الصحي.

بسبب هذا الانقلاب سيطر الحوثيون على الكثير من موارد الدولة واستخدموها لصالحهم الشخصي، وتمويل الحرب، وأصبحت قيادات الجماعة تملك أرصدة كبيرة في المصارف، وسيطرت على أراضٍ شاسعة من أراضي الدولة، ونهبت موارد الدولة تحت مسميات مختلفة، وهذا كله من رصيد المواطن البسيط.

غير هذا كله، فاليمن قبل الانقلاب الحوثي كانت أفقر بلد في المنطقة، أما بعد ثلاث سنوات من الحرب فالواقع يتحدث عن نفسه، فاليمن لم يعد سعيداً بل بات حزيناً مدمراً وجائعاً، وأصبح المواطن العادي هو الأكثر معاناة من كل ذلك.