أصبحت الهند في السنوات القليلة الماضية إحدى أكثر الدول نمواً اقتصادياً في العالم، ويحافظ الاقتصاد الهندي على وتيرته المتسارعة التي تعد الأعلى بين الاقتصادات الصاعدة، ووفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي يتوقع أن يتفوق الاقتصاد الهندي الذي يحتل حالياً المرتبة السابعة عالمياً على كل من الاقتصاد البريطاني صاحب المرتبة الخامسة والاقتصاد الفرنسي صاحب المرتبة السادسة، مع وصول الناتج المحلي الإجمالي للهند إلى 3.29 تريليون دولار، سعياً للوصول إلى هدفه المنشود بأن يصبح خامس أكبر اقتصادات العالم بحلول عام 2020م.

 وبالموازاة مع هذا النمو الاقتصادي فإن الهند، التي يزيد عدد سكانها عن مليار و300 مليون نسمة، تسعى إلى توسيع نفوذها السياسي والعسكري إقليمياً ودولياً، وباتت من أهم اللاعبين الأساسيين في جنوب القارة الآسيوية.

وهو الأمر الذي أثار شهية صانع القرار الأمريكي للتقارب مع هذه الدولة الصاعدة والاستفادة من إمكانياتها في عدد من الملفات ذات الأهمية لدى الولايات المتحدة خاصة مع مجيء حزب بهاراتيا جاناتا إلى الحكم، وهو حزب ذو نزعات قومية هندوسية وهو يمثل الأغنياء في الهند، ولذلك يميل نحو الغرب وينظر إلى الصين كعدو لدود، كما يعادي الدين الإسلامي، وهذا كله يزيد من تقارب الحكومة التي شكلها الحزب من واشنطن.

ماذا تريد أمريكا من الهند؟

في زيارة له العام الماضي أعرب وزير الخارجية الأمريكي عن رؤيته لطبيعة الدور الذي تريده أمريكا من الهند بقوله: «الهند بحاجة إلى شريك موثوق في المحافل الدولية، وأود أن أقولها بصراحة إن الولايات المتحدة الأمريكية هي هذا الشريك الموثوق، نظراً لقيمنا المشتركة ورؤيتنا المتطابقة حيال الأمن والاستقرار بالعالم، والصين تتحدى وتنتهك القوانين الدولية عبر الاستفزازات في بحر الصين الجنوبي».

واشنطن إذن لا تريد خسارة المواقع في حرب النفوذ ضد بكين في المنطقة، وترى في الهند «وكيلاً قوياً» يمكنه أن يساعدها على زيادة نفوذها العسكري والسياسي على حساب الصين من المحيط الهندي وحتى الهادئ. كما تسعى الولايات المتحدة لتطوير علاقاتها السياسية مع الهند، وهو ما يظهر في إقحام واشنطن لنيودلهي في عملية السلام الجارية بأفغانستان.

وفي ما يخص العلاقات العسكرية بين البلدين، قالت المبعوثة الأمريكية إلى أفغانستان وباكستان، أليس ويلز، في وقت سابق، إن الولايات المتحدة تعد الهند شريكاً إستراتيجياً كبيراً، وترغب في أن تتبنى نيودلهي دوراً فعالاً في إحلال السلام والأمن بالمنطقة. وذكرت ويلز أن واشنطن عرضت على نيودلهي تزويدها بمعدات عسكرية حساسة صالحة لاستخدامات متعددة. ولم تزود واشنطن إلا عدداً قليلاً من حلفائها بمثل هذه المعدات، لذا فإن إعطاء أسلحة حساسة لنيودلهي يعني أن واشنطن تولي اهتماماً كبيراً لعلاقاتها العسكرية مع الهند، لإيجاد عنصر قوي في المنطقة تستطيع من خلاله عرقلة الهيمنة الصينية.

وتعمل الولايات المتحدة على تطوير علاقاتها مع الهند، فخلال السنوات العشرة الماضية، باعت واشنطن أسلحة إلى نيودلهي بـ15 مليار دولار، وتخطط لإطلاق مشاريع عسكرية في الهند خلال السنوات الـ7 المقبلة بـ30 مليار دولار.

وفي يوليو من العام الماضي أطلقت الهند مناورات بحرية ضخمة مع الولايات المتحدة واليابان، قبالة سواحلها الجنوبية، بهدف تعزيز علاقاتها العسكرية، في مواجهة النفوذ الصيني المتزايد في المنطقة. وجرت تلك المناورات بالتزامن مع تصعيد المواجهات بين قوات هندية وأخرى صينية، في منطقة نائية وحساسة إستراتيجياً في «الهيملايا»، حيث تلتقي حدود الهند والصين وبوتان.

دور الهند في أفغانستان:

لا تشكل محاولة تطويق الصين الأهمية الوحيدة للتقارب الأمريكي مع الهند، فهناك العديد من الملفات الأخرى فالملف الأفغاني حاضر بقوة، إذ تعد أفغانستان بلداً تجري فيه حرب هندية بالوكالة ضد باكستان، والولايات المتحدة متورطة في المستنقع الأفغاني منذ قرابة 15 عاماً، وتحمل إدارة ترمب الجديدة مسؤولية ذلك كله على باكستان.

والآن تتلاقى المصالح الهندية والأمريكية في أفغانستان ضد باكستان، حيث تسعى الولايات المتحدة لإدراج الهند ضمن إستراتيجيتها الجديدة بشأن أفغانستان، وهو ما يعد دليلاً ملموساً على التحالف المتزايد بينهما، فقد أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، بعد قليل من وصوله إلى سدة زعامة البيت الأبيض عن تغييرات جديدة في سياسات واشنطن شملت أفغانستان وباكستان والهند. وقال ترمب إن التغيير الجديد في سياسة بلاده تجاه أفغانستان سيستند على «الظروف، بدلاً من الوقت»، في إشارة إلى أن مهمة الجيش الأمريكي في أفغانستان ستنتهي بتحسن الظروف الأمنية فيها، وليست مرتبطة بتاريخ محدد. واتهم ترمب في إستراتيجيته باكستان بأنها تمنح «ملاذاً للإرهابيين»، وهو ما رفضته إسلام آباد ودعته إلى التخلي عن هذا الخطاب.

التقارب الهندي الأمريكي في الشأن الأفغاني يأتي بشكل قاطع على حساب الدولة الجارة باكستان، وهو ما دعا باكستان أن ترفض أي دور للهند في حل الأزمة الأفغانية.

ما حدا برئيس الوزراء الباكستاني، شاهد خاقان عبّاسي، أن يحذر أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، من أن الهند لا يمكنها تقديم أي مساهمة لتحقيق السلام في أفغانستان.

ويعد تصريح عبّاسي أقوى رسالة ترسلها باكستان لأمريكا، رداً على مساعي التقارب بين واشنطن ونيودلهي، حيث بدا أن الولايات المتحدة منحازة أيضاً للموقف الهندي من قضية كشمير التي تحلتها الهند وتطالب باكستان بالسيادة عليها.

الهند والقضية الفلسطينية:

منعطف آخر أرخى بظلاله على التقارب الهندي الأمريكي وهو الموقف الهندي من القضية الفلسطينية فتاريخياً كان الموقف الهندي يميل لدعم الفلسطينيين، فقد عارضت الهند قرار تقسيم فلسطين رقم 181 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، في العام 1947م، ودعمت حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.

التقارب في العلاقات مع الولايات المتحدة فتح الباب على مصراعيه أمام تقارب هندي مع «الدولة» المدللة لديها وهي الكيان الصهيوني، والجدير بالإشارة هنا أن التقارب الأمريكي الهندي بدأ بشكل أكثر تطوراً مع إدارة أوباما وحتى قبل مجيء ترمب للسلطة، فصحيح أن التقارب الهندي الصهيوني بدأ منذ العام 2004م والعلاقات بينهما أخذت في النمو، خاصة بعد تنامي العلاقات الصهيونية مع كثير من الدول العربية، لكنها كانت أكثر تحفظاً حتى العام 2014م، وهي الفترة التي عاد فيها حزب المؤتمر الوطني الهندي مجدداً إلى الحكم، غير أن الأمور أخذت منحى جديداً مع الحكومة التي تمخضت عنها انتخابات 2014م، والتي جاءت بناریندرا مودي رئيساً للوزراء، وحزب بهاراتيا جاناتا للحكم، حيث قام مودي عام 2014م بإيفاد وزير داخليته راجنات سينغ لزيارة الكيان الصهيوني، ومن ثم العودة مباشرة دون المرور برام الله حيث مقر السلطة الفلسطينية، وهو ما تمليه الأعراف الدولية في هذا الشأن، فمثلت هذه الزيارة إشارة إلى علاقات صهيونية هندية من نوع مختلف.

تطورت الزيارات الثنائية بزيارة أخرى عام 2015م قام بها براناب موخرجي رئيس الدولة إلى الكيان الصهيوني، غير أن الأعراف الدولية لم تخرق هذه المرة، فقد مر الرئيس الهندي ذو المنصب الشرفي برام الله.

لقد تلاقت الأهداف الإستراتيجية للولايات المتحدة مع تنامي العلاقات الهندية مع الكيان الصهيوني في ثلاثة محاور: استكمال تطويق إيران من الجنوب الشرقي، واحتواء الصين القوة المرشحة لمنافسة الولايات المتحدة في القرن الحالي، وقمع الحركات الأصولية الراديكالية في المنطقة.

وبطبيعة الحال فالكيان الصهيوني لم يكتفِ بهذا بل رأى أنه بحاجة للهند، وهي إحدى دول مجموعة البريكس والتي تضم (البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب إفريقيا) لتطوير علاقاته مع دول هذه المجموعة، كذلك فإن إقامة علاقات مع دول البريكس تساهم إلى حد ما في عدم تبني هذه الدول لقرارات دولية معادية للكيان الصهيوني. كما أن باكستان ليست بعيدة أيضاً عن تطور العلاقات الهندية الصهيونية، فالكيان الصهيوني معني كما الإدارة الأمريكية بمحاولة تطويق باكستان، الدولة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي، عبر إمداد الهند بالأسلحة الأمريكية المتطورة.

صحيح في علم السياسية أنه لا يوجد عدو دائم ولا صديق دائم ولكن توجد مصالح دائمة، لكن الأمة تملك من أوراق القوة والتأثير ما تعادل به أوراق أعدائها وتفوق، لكن المشكلة ليست في من يملك الأوراق ولكن في كيفية إدارتها والاستفادة منها لكسب مزيد من المواقف وتحقيق مصالح الأمة في كثير من القضايا.