منذ مدة وأنا أبحث في مخرجات مراكز الدراسات والفكر الغربية وكيفية صناعتها للقرار خاصة وأنها تمثل مراكز استشراق جديدة وتعد بحق أبرز الفواعل الأساسية في صناعة واتخاذ القرار في الغرب، إذ يعرفها أندرو ريتش أحد الخبراء الذين بحثوا في هذا الموضوع فيقول: أعرف خزانات الفكر على أنها منظمات مستقلة غير ربحية والتي تعتمد أساساً على الخبرة والأفكار لتقدم دعماً لصناع السياسة العامة.

في حين يعرف قاموس أوكسفورد هذا المصطلح بأنه: هيئة خبراء يقدمون النصيحة والأفكار في قضايا سياسية واقتصادية محددة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما قام به مجلس العلاقات الخارجية، وهو أحد أشهر مراكز الدراسات الإستراتيجية وأسس في 1929م بالولايات المتحدة الأمريكية يهتم أساساً بالعلاقات الدولية، حيث أطلق هذا المركز مشروع دراسات ضخماً حول الحرب والسلم لاستكشاف الأسس المرغوب فيها لسلام ما بعد الحرب. وقد أنتج المشاركون في هذه الجهود، في نهاية الأمر 682 مذكرة قدموها إلى وزارة الخارجية حول مواضيع متنوعة، بدءاً من احتلال ألمانيا إلى إنشاء الأمم المتحدة. وبعد مرور سنتين على نهاية الحرب، نشرت «مجلة فورين أفيرز» التي تعكس هوية وأهداف هذا المركز مقالاً غير موقع بعنوان «أسباب التصرفات السوفيتية». وقد ساعد المقال، الذي كتبه في الواقع الدبلوماسي الأميركي جورج كينان، في إقامة الأسس الفكرية لسياسة الاحتواء التي اتبعتها الولايات المتحدة خلال العقود الأربعة التالية.

نماذج لبعض أبرز مراكز الدراسات حول العالم:

مؤسسة بروكينغ للسلام: مؤسسة بروكينغ للسلام العالمي مؤسسة أمريكية مستقلة، تبلغ ميزانيتها السنوية 60 مليون دولار، مجالها السياسة الخارجية الأمريكية (الشرق الأوسط)، والاقتصاد والسياسة الاجتماعية.

مؤسسة تشاثام هاوس: مؤسسة مستقلة، يقع مقرها في لندن، وللمؤسسة ميزانية تبلغ 12.4 مليون دولار، مجالها: الاقتصاد الدولي، والدراسات الأمنية والإقليمية، كما لها اهتمام بالغ بالمنطقة العربية والإسلامية عبر مبادرة «الشرق الأوسط الكبير».

مؤسسة الدراسات الإستراتيجية والدولية CSIS: منذ أكثر من أربعين سنة ظلت هذه المؤسسة تزود العديد من صناع القرار في العالم بالعديد من الأبحاث ووجهات النظر، مجالها: السياسات الدفاعية والدبلوماسية، والدراسات الإقليمية، وتبلغ ميزانيها السنوية حوالي 29 مليون دولار.

أبرز مراكز الدراسات المهتمة بالمنطقة العربية (الشرق الأوسط):

مركز راند للبحوث والتطوير: أحد أشهر المراكز الأمريكية حيث يمتلك أكثر من 1300 باحث ومستشار، ويتميز موظفو هذه المؤسسة بخبرات في مجال العمل الحكومي والدراسة الأكاديمية والصناعة، فهم يمثلون نطاقاً واسعاً جداً من المجالات بل وتمتد خبراتهم الإقليمية لتشمل جميع القارات. ويتحدث الكثير منهم لغات متعددة، وهم مجتمعون معاً يتحدثون أو يقرأون ما يقرب من 50 لغة.

ولعل خطورة هذا المركز تتجلى في القضايا التي عالجها والتي لا تخص العالم العربي فحسب بل والعالم الإسلامي ككل، فعلى سبيل المثال اهتمت مؤسسة راند بما يسمى في أدبياتها وبحسب رؤيتها الخاصة «الخطر الإسلامي»، ومنذ عدة سنوات صدرت العديد من الدراسات «الجريئة والخطيرة» ففي عام 2005م صدر تقرير للمؤسسة بعنوان «الإسلام المدني الديمقراطي.. الشركاء والموارد والإستراتيجيات»، ويرى هذا التقرير أنه لا يمكن إحداث الإصلاح المطلوب دون التخلي عن الإسلام ذلك أنه يقف سداً منيعاً أمام محاولات التغيير - بل التغريب -، إضافة إلى العديد من التقارير التي صدرت عقب هذا التقرير، ومن أبرزها التقرير الصادر في 2007م: بعنوان: «بناء شبكات إسلامية معتدلة».

مؤسسة كارنجي للسلام الدولي: تضم محفلاً يوجد فيه الكثير من خبراء «الشرق الأوسط» لبحث أمور وشؤون المنطقة المختلفة، كما تملك هذه المؤسسة موقعاً باللغة العربية أصدرت عبره عدة نشرات إلكترونية تحت عنوان «نشرة الإصلاح العربي»، وتأمل ما يحمله معنى الإصلاح وفق الرؤية الغربية، هذا وتملك هذه المؤسسة فرعاً لها ببيروت، ومن بين الإصدارات المهمة لهذا المركز: «الشرق الأوسط الجديد»، والذي تناول عدة قضايا ركزت بالأساس على الساحة العراقية الإيرانية، والساحة اللبنانية السورية، والساحة الفلسطينية، وما زالت تصدر إلى الآن عدة دراسات وأبحاث حول هذه المنطقة والتي تعتبر بحق خزان معلومات لصانع القرار الغربي وبمثابة منظار له للمنطقة الغربية والعديد من هذه الدراسات يوفرها باحثون عرب!

معهد الشرق الأوسط لأبحاث الإعلام: ويرمز له اختصاراً بـ«ميمري»، وهو معهد أمريكي متخصص في متابعة الإعلام العربي والإسلامي وتقديم تقارير ودراسات متعلقة به إلى ذوي الشأن والاهتمام في الولايات المتحدة وأوربا، ومنذ 1998م تتمثل أخطر خدمات هذا المعهد في كونه يقوم بمراقبة ومتابعة تفصيلية لبث الفضائيات العربية والإسلامية، ويسجل كثيراً من برامجها ويترجمها، ثم يجهز من خلال تلك المادة أشرطة تحوي خلاصة منتقاة بعناية لتحقيق تأثيرات معينة ثم يبيعها إلى وسائل الإعلام الغربية، كما يطرح بعض هذه التسجيلات على الإنترنت دون مقابل، ويتابع باحثو المعهد الفضائيات العربية على مدى 16 ساعة يومياً، وتتم ترجمة المادة على الهواء مباشرة للقفز على حاجز اللغة كما يقول مسؤولو المعهد، ويركز فريق العمل على البرامج السياسية والنشرات والبرامج الدينية.

مجلس العلاقات الخارجية: هو المركز الفكري الشهير السابق الذكر والموجود في مدينتي نيويورك وواشنطن، كما أنه أعد الخطط الخاصة بعراق ما بعد الحرب قبل شهور عدة من بدء الحرب الأمريكية الفعلية على هذا البلد واحتلاله أوائل عام 2003م، وفي خضم هذا التسابق نحو دراسات «الشرق الأوسط» باتت دراسات هذه المنطقة السمة البارزة للمراكز الفكرية وخاصة التي تهتم بمختلف الشؤون العامة الأمريكية.

وأخيراً، أين نحن من كل هذا؟! إن حرب الأفكار تعد منذ القدم أخطر الحروب فتكاً، والقوم يتفننون في استعمالها والاستثمار فيها، فبحسب إحدى الإحصائيات الخاصة بدرجة الإنفاق على البحث العلمي بلغ الاستثمار في هذا المجال في الكيان الصهيوني قرابة 2,6% من إجمالي الناتج القومي أي ما قيمته 9.8 مليار شيكل، وبعبارة أخرى رصدت إحصائية لخمس سنوات من هذه الألفية ما تم نشره في العالم من أبحاث قدرت بـ 305 ملايين ورقة بحث علمية وتقنية، كان حصة الاتحاد الأوربي منها 37%، والولايات المتحدة الأمريكية  34%، وآسيا والباسفيك 21%، والهند 20%، والكيان الصهيوني  10%، أما الدول العربية مجتمعة كان نصيبها فقط 1% من جملة ما نشر!