قال ابن النجار: «قرأتُ بخط مَعْمَر بن الفاخر في معجمه: أخبرني أبو القاسم الحافظ إملاءً بمنى، وكان من أحفظ من رأيت، وكان شيخنا إسماعيل بن محمد الإمام يفضله على جميع من لقيناهم، قدِم أصبهان ونزل في داري، وما رأيت شاباً أحفظ ولا أوْرَع ولا أتقن منه، وكان فقيهاً أديباً سَنياً، سألته عن تأخره عن الرحلة إلى أصبهان؟ قال: استأذنْتُ أمي في الرحلة إليها، فما أذنت»[1].

والحافظ أبو القاسم هو ابن عساكر صاحب التاريخ المشهور، كان ظاهرة علمية في القرن السادس الهجري، إذ بدأ سماع الحديث سنة 505هـ، وعمره ست سنوات، قال ابن خلكان رحمه الله تعالى: «غلب عليه الحديث فاشتهر به، وبالغ في طلبه إلى أن جمع منه ما لم يتفق لغيره، ورحل وطوف وجاب البلاد ولقي المشايخ»[2]. وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: «فخر الشافعية، وإمام أهل الحديث في زمانه، وحامل لوائهم صاحب تاريخ دمشق، وغير ذلك من المصنفات المفيدة المشهورة». وقال: «سمع بنفسه بدمشق من جماعة، ثم رحل إلى بغداد سنة عشرين، وحج منها سنة إحدى وعشرين، وسمع بمكة، وعاد إليها فأقام بها خمس سنين يشتغل ويحصل ويسمع ويتفقه بالنظامية ويعلق مسائل الخلاف على أبي سعد إسماعيل بن أبي صالح المؤذن، ثم رجع بعلم جم، وسماعات كثيرة، ثم عاد إلى الرحلة في سنة تسع وعشرين إلى خراسان وأصبهان وغيرهما من البلدان، وبقي نحو أربع سنين، ورجع بكتب عظيمة ومسندات وسنن وأجزاء كثيرة، وبعد تلك السنين رجع وقد سمع من مشايخ كبار وصغار نحواً من ألف وثلاثمئة شيخ وثمانين امرأة ونيف»[3]. وكان له فضل في جلب كتب الإسلام المشهورة إلى الشام، كمسند الإمام أحمد ومسند أبي يعلى الموصلي رحمهما الله تعالى[4].

كانت الرحلة في طلب الحديث ركيزة من ركائز الطلب، والمتخلف عنها يقل حظه من العلم بقدر تخلفه عنها، وأنت تلحظ انقطاعاً بين رحلة ابن عساكر إلى بغداد ورحلته إلى أصبهان. هذا الانقطاع كان بسبب عدم إذن أمه له في الرحلة إليها آنذاك، وبرغم علمه بتأثير تأخره عن الرحلة في سبيل طلب العلم، إلا أنه آثر طاعة أمه على ذلك.

تأخُّر بأجر عبادة:

كان أبو القاسم ابن عساكر فقيهاً كما كان محدثاً، وإنما غلبت شهرته الحديثية عليه، وعلى أية حال فقد نصب ميزان المفاضلة بين عبادة الرحلة في طلب العلم وعبادة طاعة الأم، فغلبت عنده عبادة طاعة الأم، فآثر تأخير رحلته إلى أصبهان وطاعة أمه التي لم تأذن له، وبذلك يكون محتسباً أجر تأخره عن هذه الرحلة طاعة لله ثم لأمه، كما يحتسب طلاب العلم رحلاتهم المضنية المجهدة ذات العنت والتغريب والأسفار. وإنما سقت هذه القصة بالذات لدلالتها التربوية في عظم حق الوالدين على أبنائهم؛ المنشغلين بالتعلم والتعليم، حيث يتكرر كثيراً ازدحام مصلحتي بر الوالدين وإجراءات التعلم والتعليم والتربية. وهي من دقائق المسائل التي تترك أثراً تربوياً عميقاً في نفوس البنين والبنات من خلال المعالجات الموقفية لهذه القضايا.

لم يكن أبو القاسم بن عساكر فريداً في هذه المفاضلة وتغليب عبادة البر بوالديه أو أحدهما، فقد كان سلفنا الصالح على درجة عالية من البر بوالديهم، وتقديم طاعتهم على كثير إجراءات التعلم، فهذا الإمام الرباني، الحافظ المتقن - كما يصفه الذهبي رحمه الله تعالى - أحمد بن علي الأبَّار، استأذن أمه في الرحلة إلى قتيبة، فلم تأذن له، ثم ماتت، فخرج إلى خراسان، ثم وصل إلى بلخ وقد مات قتيبة، فكانوا يعزُّونه على هذا، فقال: هذا ثمرة العلم، إني اخترت رضا الوالدة[5]. لقد فات على الأبار السماع من قتيبة، وقتيبة هذا كان قِبلةً لأهل الحديث، يُيمِّمُون رحالهم شطره، فرأى أصحاب الأبَّار أنْ يعزُّوه ويسلوه في مصابه هذا، لكنه أجابهم بلغة الفقيه، وأعلمَهم أنَّ مثل هذه المواقف يتبين فيها أثر العلم وثمرة التربية، فيقيم ميزان المفاضلة الشرعية، فتفوز كفة بر الوالدة على السماع من قتيبة؛ ولو فات ومات، وكأنه يقول لهم: إذا لم أُمتحَن ببر الوالدة في مثل هذا الموقف فمتى يكون؟ وإذا لم يرَ الله تعالى مني الطاعة مع فوات الفضائل التي أبغيها وأرجو أنْ تنفعني فمتى أُريه؟.

وهذا والله هو الفقه! ولقد بارك الله تعالى لهم في أوقاتهم وأعمارهم وتعلمهم وتعليمهم برغم فوات جزء من ذلك بسبب طاعة الوالدين أو أحدهما، قال عبد الله بن جعفر بن خاقان المروزي: «سمعت بنداراً يقول: أردت الخروج [يعني: الرحلة] فمنعتني أمي، فأطعتها، فبورك لي فيه». قال الذهبي: «جمع حديث البصرة، ولم يرحل، براً بأمه، ثم رحل بعدها». فبارك الله علمه فأصبح «راوية الإسلام»، كما يصفه الذهبي، روى عنه البخاري ومسلم والأربعة وغيرهم من أئمة الحديث[6].

وقال الحسن بن سفيان: «إنما فاتني يحيى بن يحيى بالوالدة؛ لم تدعني أخرج إليه، فعوضني الله بأبي خالد الفرَّاء، وكان أسند من يحيى بن يحيى»[7].

هذا ما ينبغي على المعلمين والمربين أنْ يعلموه طلابهم: أنَّ طاعة الوالدين لا يفوت معها شيء، وإنما تحصل بها البركة والعوض في الدنيا والأجر والثواب في الآخرة.

درس التوحيد:

لقد قرن الله تعالى بر الوالدين بتوحيده في كتابه في غير موضع، قال الله تعالى: {وَإذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا} [البقرة: ٣٨]، وقال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا} [النساء: ٦٣]. وقال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا} [الأنعام: ١٥١]، وقال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا إيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا} [الإسراء: ٣٢].

ولعل من أسرار هذا الاقتران، وهو إحدى الحكم في الإعلاء من شأن الإحسان إلى الوالدين: أنه مفضٍ إلى تجريد التوحيد في قلب الولد، إذ كثيراً ما تتعارض أهواء القلب ومحبوباته ومراداته مع الانشغال ببر الوالدين، فإذا غلَّب الولد جانب البر على أهوائه ومحبوباته ومراداته دون مكاسب آنية أو مادية يتحصل عليها، ولم يفعل ذلك إلا لِما ترسخ في قلبه من عِظم حق الوالد عليه وأنه من رضا الله تعالى؛ تطهر قلبه وخلص لله تعالى، وأصبح قلباً سليماً خالياً إلا من محبوبات الله تعالى ومراضيه؛ وهذه حقيقة التوحيد وجوهره ولبه وخلاصته، فإذا كان كذلك استنار قلبه بأنوار التوحيد وتنزلت عليه شآبيب الرضا الإلهي وأزهرت فيه مرابع البركات.

وهذا - والله أعلم - ما جعل القرآن المكي يؤكد في أحلك ظروف الصراع بين المؤمنين والمشركين من قريش على مسألة بر الوالدين، إذ يعاني شباب الدعوة حينها من هجر والديهم وقسوتهم عليهم، وربما تعذيبهم ليردوهم عن دينهم، فتتنزل الآيات الكريمة موصية بحق الوالدين، وانظر - دليلاً على ذلك - سورة العنكبوت التي افتتحت بالحديث عن الابتلاء، والتي نزلت في أواخر العهد المكي حيث بلغ الصراع أوجه، فقد أتبعت الحديث عن الابتلاء بالوصية بالوالدين، قال الله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} [العنكبوت: ٨]. هنا يتجلى الأثر التربوي لهذه الوصية، إذ يحسن الأبناء إلى والديهم برغم اختلاف الدين، وبرغم المعاناة؛ طاعة لله وحده.. تربية على التجرد والإخلاص.

معصية لا عقوق فيها:

ما أوردته من آثار سلفنا الصالح المبارك لا يعني ترك التعلم أو ترك التعليم والتربية لأجل طاعة الوالدين أو أحدهما، وإنما ترك إجراء من الإجراءات، أو منشطاً من المناشط لأجل طاعتهما أو أحدهما، ولا يزال أصل التعلم والتعليم واجباً دائماً، وممكناً كذلك. أقول هذا حتى لا يلتبس الأمر، وعلى هذا كان سلفنا الصالح. فهم يمتنعون من إجراء أو منشط ما، لتعارض هذا الإجراء والمنشط مع طاعة الوالدين أو أحدهما، ولم يمتنعوا من أصل المسألة.

إنَّ بر الوالدين لا يقتضي عبادتهما، وإنما طاعتهما في المعروف، ولذلك قال الله تعالى وهو يوصي بالإحسان إليهما: {وَوَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت: ٨].

هناك أمور تصح فيها معصيتهما، كالأمر بالشرك والمعاصي وترك الفرائض. وهناك أمور ربما صحَّت فيها معصيتهما غير ذلك؛ لكنها تفتقر إلى فتوى الفقيه وحدَّة نظر المجتهد لا المجازفة، لأنَّ معصيتهما في هذه الأحوال ستفضي غالباً إلى غضبهما، وغضبهما إنْ لم يكن لك عذر شرعي حقيقي فيه؛ فإنه مؤذن بغضب الله تعالى ومقته، وإنما نحن نفرَّ من غضب الله تعالى ومقته.

سئل عطاء عن رجل له أم وامرأة، والأم لا ترضى إلا بطلاق امرأته قال: ليتق الله في أمه وليصِلها. قال الرجل: أيفارق امرأته؟ قال عطاء: لا؛ قال الرجل: فإنها لا ترضى إلا بذلك؛ قال عطاء: فلا أرضاها الله، امرأته بيده إنْ طلقها فلا حرج، وإنْ حبسها فلا حرج. وسئل الحسن عن رجل أمَرَته أمه أن يطلق امرأته؟ قال الحسن: ليس الطلاق من برها في شيء[8].

 هذا لا يتنافى مع ما ورد عن ابن عمر رضي الله عنه قال: «كانت تحتي امرأة أحبها، وكان أبي يكرهها فأمرني أبي أنْ أطلقها، فأبيتُ، فذكرت ذلك للنبي، فقال: يا عبد الله بن عمر، طلق امرأتك»[9]، إذ الحال المعروفة لدى المفتي والمجتهد عن جودة رأي الوالد أو الوالدة وحقيقة حال الزوجة هي المعيار الأقوى في الحكم بطاعتهما أو معصيتهما.

ولذا فإن على المعلمين والمربين أنْ يتفطنوا لهذه المسائل التي تعرض لهم بين الفينة والأخرى فربما اضطرب فيها الرأي بين الطاعة والمعصية، وأنْ يجعلوا التجرد وطلب الحق هو غرضهم وهدفهم في توجيه الأبناء حينها.

كما يجب التنبيه إلى ما أوصت به الآيات في حين معصيتهما، من ذلك: صحبتهما بالمعروف، ومنه إجلالهما واحترامهما؛ ولو بلغوا ما بلغوا من البعد عن دين الله تعالى، قال الله تعالى: {وَإن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15]. ومن ذلك: التوبة والاستغفار بعد معصيتهما المشروعة، قال الله تعالى: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إن تَكُونُوا صَالِـحِينَ فَإنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء: 25]، قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: هو الرجل تكون منه البادرة إلى أبويه، وفي نيته وقلبه أنه لا يؤخذ به. وفي رواية: لا يريد إلا الخير بذلك[10]. هذا هو سموُّ التربية وألقُها.

والبر هو ثمرة التربية الأخلاقية، ومعيار نجاحها، قال يونس بن عبيد: «كانوا يرجون للرَّهِقِ بالبرِّ الجنةَ، ويخافون على المتألِّهِ بالعقوقِ النار»[11].

والرهِقُ هو من يغشى المحارم وتخف نفسه إليها وتخف إلى الجهالة والرعونة والخُبث، والمتألِهُ الطائع لله المخبت المتنسك.

والمعنى أنهم كانوا يعدُّون برَّ الوالدين حسنة لا يغلبها في الميزان غشيان المحارم، وأنَّ عقوق الوالدين سيئة لا يغلبها في الميزان كثرة الطاعات، وأنهم كانوا يرجون لمن عُرف بالمعصية أنْ يتغمده الله برحمته ويدخله الجنة إذا كان باراً بوالديه، ويرجون لمن عُرف بالاستقامة والتعبد والتأله أنْ يعاقبه الله ويسخط عليه ويدخله نار جهنم إذا كان عاقاً لهما.

ويونس بن عبيد من التابعين الأخيار، قال عنه الذهبي: «الإمام القدوة الحجة»، ونقل عن ابن سعد قوله: «كان ثقة كثير الحديث»[12]، وهو يحكي عمن عاصرهم وعمن سبقوه، وحكايته هذه تعدُّ خلاصة شرعية مهمة، تجعل مسألة بر الوالدين ركيزة تربوية، وأخلاقاً عملية، تصح أنْ تكون مؤشراً على صلاح الإنسان وفساده.

وكما تدل مسألة البر على الصلاح والفساد، فكذلك تدلُّ توجيهات المربين والمربيات للطلاب والطالبات - حيال مواقفهم مع الآباء والأمهات - على وضوح التصورات التربوية لديهم.


 


[1] سير أعلام النبلاء 20/567.

[2] وفيات الأعيان 3/309.

[3] طبقات الشافعيين 1/693.

[4] طبقات الشافعيين 1/693.

[5] سير أعلام النبلاء 13/443.

[6] انظر: سير أعلام النبلاء 12/144-145.

[7] سير أعلام النبلاء 14/158.

[8] البر والصلة ص31.

[9] أخرجه الترمذي في السنن 3/486، ح1189.

[10] تفسير ابن كثير 5/67.

[11] مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا ص72.

[12] سير أعلام النبلاء 6/288.