بعد فترة من التصعيد المباشر بين الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الشمالية تبادل فيها رئيسا الدولتين التهديدات بالحرب واستخدام الأسلحة النووية، إلا إن الأسابيع الأخيرة شهدت موجة من التهدئة المتبادلة صرح خلالها الرئيس الأمريكي أن ثمت لقاءً مرتقباً مع زعيم كوريا الشمالية في الأسابيع المقبلة.

لقد كانت كوريا الشمالية وما زالت بالنسبة للولايات المتحدة إحدى قوى الشر العالمي، وكانت الإستراتيجية الأمريكية تجاهها دائماً قائمة على محاولة الاحتواء الذي يبدأ بالتهديد باستخدام القوة العسكرية وينتهي عند عتبة العقوبات الدولية، لكن ما السبب الذي دفع ترمب لأن يقفز قفزة إلى الأمام ليعلن عن اللقاء المترقب مع الزعيم الكوري الشمالي في سابقة لم تشهدها العلاقات بين البلدين منذ أزمة البرنامج النووي؟

الأزمة الكورية.. الخلفية التاريخية:

لكي نفهم أهمية ذلك اللقاء فلنا أن نعرج على الخلفية التاريخية للأزمة الكورية، فمع انتهاء الحرب العالمية الثانية حصلت كوريا على استقلالها عام 1945م، وقد كانت خاضعة للنفوذ الياباني. وبناء على اتفاق مشترك بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق تمركزت القوات الأمريكية في الجزء الجنوبي (كوريا الجنوبية). في حين أُسست جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية عام 1948م في الجزء الشمالي الذي تبنى النهج الاشتراكي، نشـبت حـرب بين الكوريتين في 25/6/1950م، ساعدت خلالها الولايات المتحدة الأمريكية كوريا الجنوبية في حين دعم الروس والصينيون كوريا الشمالية، وبعد حرب مدمرة استمرت أكثر من ثلاث سنوات تم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين الكوريتين في 27/7/1953م، ومن نتائجه قبول الروس والأمريكيين تقسيم شبه الجزيرة الكورية إلى دولتين: واحدة في الشمال (كوريا الشمالية) وأخرى في الجنوب (كوريا الجنوبية). ومن يومها أضحت كوريا الشمالية ملعباً تتبارز عليه القوى الدولية وأرضاً للصراع بين القوى الدولية بالوكالة.

لم ينته الصراع عند هذا الحد بل بدأت كوريا الشمالية بلعب دور الصغير المشاكس ففي أكتوبر عام 2002م أقر نظام بيونج يانج بأنه يمتلك برنامج أسلحة نووية سرياً، وفي أكتوبر عام 2006م تم الإعلان عن أول ثلاثة انفجارات نووية تحت الأرض، وفي مايو عام 2009م أي بعد شهر من المحادثات الدولية بشأن برنامج كوريا الشمالية النووي أعلنت بيونج يانج إجراء اختبارها النووي الثاني تحت الأرض، وهو ما حجز مقعداً لكوريا الشمالية في النادي النووي ومكنها من لعب دور أكبر من حجمها على مستوى العلاقات الدولية.

الأزمة الكورية صراع بالوكالة:

ولكي نعي ما يحدث في كوريا الشمالية وانعكاساته على العالم لا بد أن ندرك أن الإستراتيجيات السياسية لا يعلن عنها القادة السياسيون في الصحف، فعبارات السلم والأمن والسلام هي الغطاء الإعلامي لنوايا التمدد وبسط النفوذ، أو محاولات لإخافة الخصم وتهديده، فكل تصعيد ضد كوريا الشمالية ليس بالضرورة موجهاً لها، بل قد يكون تهديداً للأطراف التي تدعمها، والعكس أيضاً صحيح فقد يكون التصعيد الكوري مدفوعاً من حلفائها الإستراتيجيين (روسيا والصين) من أجل التفاوض على ملفات أخرى اقتصادية أو سياسية.

فعلى سبيل المثال عندما كشفت الولايات المتحدة عن نيتها نشر نظام (ثاد) للدفاع الصاروخي في كوريا الجنوبية لحمايتها من جارتها الشمالية كان ذلك بمثابة تهديد بصورة مباشرة للأمن القومي الصيني والروسي، وهما الدولتان اللتان تشكلان تحدياً متنامياً سياسياً واقتصادياً للغرب بصفة عامة وللولايات المتحدة بصفة خاصة.

فالصين تعد من أكبر الاقتصادات في العالم وفي الوقت نفسه هي الحليف السياسي والاقتصادي الأكبر لبيونج يانج وبالتالي عندما تجد نفسها غير قادرة على لجم الزعيم الكوري وتهديداته التي يخيف بها العالم وتراها الولايات المتحدة الأمريكية تهديداً مباشراً لأمنها، فإن الصين تخشى حال استمرار دعمها لهذا النظام أن تتعرض إلى عقوبات اقتصادية تحد من نموها المتصاعد خاصة بعد تلويح الولايات المتحدة بفرض عقوبات على الدول التي لها علاقات تجارية واقتصادية مع نظام بيونج يانج، ومن ناحية أخرى تخشى من انهيار الحكم في كوريا الشمالية وإيجاد نظام بديل موالٍ لأمريكا والغرب.

والروس أصبحوا أكثر تمدداً وأكثر جرأة في مواجهة الغرب فقد انتزعوا شبه جزيرة القرم من أوكرانيا ووقف الأوربيون مكتوفي الأيدي ولم يستطيعوا أن يدعموا حليفتهم أوكرانيا في استرداد جزء معترف به دولياً من حدودها، وكذلك وصل الروس إلى المياه الدافئة على البحر المتوسط من خلال قاعدتهم العسكرية في سوريا «القاعدة البحرية الروسية في طرطوس»، وبذا أصبحت روسيا على مرمى حجر بأسلحتها وصواريخها من أوربا.

لذلك فإن نشر منظومات دفاعية أمريكية متطورة على الحدود الصينية والروسية أمر أزعج الروس والصينيين كثيراً، ما دفعهم للقيام بمناورات عسكرية مشتركة كان الهدف منها الرد على الولايات المتحدة، وصفها الفريق الصيني المتقاعد وانغ هونغ غوانغ نائب القائد السابق لمنطقة نانجينغ العسكرية الغربية في مقابلة مع صحيفة «ذي ساوث تشاينا مورنينغ بوست» أنها موجهة ضد الأمريكان بشكل مباشر، وقال: إن المناورات المتقدمة المضادة للصواريخ التي تجريها الصين وروسيا هي جهد مشترك من جانب المنافسين العسكريين الرئيسين للولايات المتحدة، للدفاع ضد أمر هجوم محتمل من قبل الرئيس دونالد ترمب الذي تزايد شجاره مع رئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون منذ توليه منصبه. وقال أيضاً: «إن الهدف الرئيس من المناورات المشتركة بين الصين وروسيا هو الولايات المتحدة التي تمتلك صواريخ باليستية وكروز يمكن أن تشكل تهديداً حقيقياً لكل من بكين وموسكو». وأضاف أن «الصين وروسيا أرادتا استخدام هذه المناورات المشتركة للردع الإستراتيجي، وهما تريدان دفع الولايات المتحدة لسحب نظام دفاعها الصاروخي (ثاد) من منطقة شبه الجزيرة الكورية».

وهذا ما يستدعي الوصول لنتيجة أن الولايات المتحدة حين تستخدم الورقة الكورية لكبح جماح كل من الصين وروسيا للحد من صعودهما ونفوذهما، فإن الصين ورسيا كذلك حريصتان على إبقاء النظام الكوري الشمالي في دائرة نفوذهما الجيوسياسي لاستخدامه أيضاً ضد الولايات المتحدة أو المساومة عليه.

وأخيراً:

يبدو أن الولايات المتحدة هذه المرة بدلاً من استخدام الطرق المعهودة من التلويح باستخدام القوة العسكرية والحرب على كوريا الشمالية، فإنها استخدمت السلم في محاولة لنزع أنياب الذئب الكوري وإخضاعه للهيمنة الأمريكية وهو ما يشكل تهديداً مباشراً للجانب الصيني والروسي، فأي تقارب سياسي بين واشنطن وبيونج يانج هو خصم من رصيد الصين وروسيا، والكابوس الأكبر بالنسبة لهما أن يستسلم النظام الكوري للولايات المتحدة، أو يتم إسقاطه، لذا فالدولتان ستدفعان بقوة لمنع أي نوع من التقارب بينهما وإفشاله بأي وسيلة كانت، حتى تبقى كوريا الشمالية شوكة في الحلق الأمريكي ومصدر تهديد مستمر.

وأياً ما كان من أمر فإن صراعاً محتدماً سيبقى مستعراً في خلفية العلاقات بين الغرب الولايات المتحدة وأوربا من جهة وروسيا والصين الصاعدتين من جهة أخرى وتبقى كوريا الشمالية إحدى أدواتها، سواء تطور ذلك إلى مناوشات عسكرية أو بقيت النار تحت الرماد في مؤشر على حرب باردة، وهو ما يؤشر لبوادر الخروج من هيمنة القطب الواحد إلى عالم متعدد الأقطاب، ربما تجد فيه الأمم المظلومة مخرجاً إن أحسنت التصرف واللعب على التناقضات بدلاً من أن تصبح حشائش تموت تحت أرجل عراك الفيلة.