قد أراد الله عز وجل بعلمه وحكمته البالغة أن يوجد الصراع بين الحق والباطل لتمضي سنة الابتلاء والمدافعة بين الفريقين فيهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة، قال تعالى: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40]، كما اقتضت حكمته سبحانه أن تكون الغلبة في نهاية الأمر للحق وأهله وأن مكر أهل الباطل يرجع عليهم قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [الأنعام: 123]، وقال سبحانه: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْـحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 18]، وقال سبحانه: {قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْـحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ 48قُلْ جَاءَ الْـحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [سبأ: 48، 49]، وقال تعالى: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْـحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ} [الرعد: 17]، وإن الناظر في واقعنا المعاصر يرى هذه السنة - أعني سنة الصراع بين الحق والباطل وبين الفضيلة والرذيلة واضحة جلية بل إنها تزداد شدة وضراوة مع مرور الزمن ولكن العاقبة للمتقين.

وقد انقسمت مجتمعات المسلمين اليوم في هذا الصراع إلى ثلاث فئات:

الفئة الأولى: الفئة المصلحة الداعية إلى الخير والفضيلة، وهم أشراف المجتمعات وأحسنهم قولاً وأثراً في الناس، وأنبلهم غاية وأسماهم هدفاً وهؤلاء هم صمام الأمان بإذن الله تعالى لمجتمعاتهم من خطر وشؤم حلف الرذيلة الذي يهدد الأمة بعقاب الله عز وجل في الدنيا والآخرة، وهؤلاء هم الذين عناهم الله عز وجل بقوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِـحًا وَقَالَ إنَّنِي مِنَ الْـمُسْلِمِينَ} [فصلت: ٣٣]، وقوله: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْـخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْـمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، وهم الذين يعملون بكل فضيلة في العقيدة والأخلاق والعبادة ويدعون إليها ويمثلهم اليوم كل الدعاة والجماعات الإسلامية وشباب الصحوة الذين يدعون إلى الفضيلة والتوحيد والطهر والعفاف ويحاربون الرذيلة بجميع صورها وهم الذين عناهم الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: «ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، حتى يأتي أمر الله» (مسلم1523).

الفئة الثانية: الفئة المفسدة الداعية إلى الشر والرذيلة، وهم سفلة المجتمعات، وهم أرذال الناس لأنهم خانوا ربهم وخانوا أمتهم وظلموها ونشروا فيها كل رذيلة في المعتقد أو السلوك أو الأخلاق وشنوا حربهم على حماة الفضيلة وعرضوا الناس للشقاء والنكد في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة وهؤلاء هم الذين عناهم الله عز وجل في كتابه الكريم بقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [الأنعام: 123]، وهم المعنيون بقوله تعالى: {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء: 27]، وهم الذين يشكلون مع أوليائهم من كفرة الغرب والشرق حلفاً عالمياً هو «حلف الرذيلة»، يحاربون فيه حماة الفضيلة ويمثلهم اليوم الطغاة المستبدون والعلمانيون وأهل العفن الفني والإعلاميون الهابطون وعصابات الدعارة والخمور والمخدرات وغيرهم.

الفئة الثالثة: هم الذين لم يرتفعوا في معتقداتهم وأخلاقهم إلى مستوى حماة الفضيلة ولم يهبطوا إلى مستوى أهل الرذيلة، وإنما هم فئة بين الفئتين ولديهم الاستعداد للخير الذي تدعو إليه الفئة الأولى، كما أن لديهم الاستعداد لتلقي الشر والإفساد الذي تسعى إليه الفئة الثانية، وكلتا الفئتين تتسابقان للتأثير على هذه الفئة وهذا يؤكد أهمية الدعوة، وقطع الطريق على الفئة المفسدة حتى لا ينحرف الناس عن الصراط المستقيم والملاحظ في هذه الفئة أنها السواد الأعظم من الناس بينما يغلب على الفئة الأولى والثانية أنهما قلة.

 والمدافعة بين حماة الفضيلة وحلف الرذيلة من سنن الله عز وجل حيث الصراع بين الحق والباطل قال تعالى: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251]، يصف الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله تعالى جانباً من الحرب التي يشنها حلف الرذيلة على الفضيلة وذلك في مقدمة كتابه الماتع «حراسة الفضيلة»، فيقول: «هذه رسالة نخرجها للناس لتثبيت نساء المؤمنين على الفضيلة، وكشف دعاوى المستغربين إلى الرذيلة، إذ حياة المسلمين المتمسكين بدينهم اليوم، المبنية على إقامة العبودية لله تعالى، وعلى الطهر والعفاف، والحياء، والغيرة حياة محفوفة بالأخطار من كل جانب، بجلب أمراض الشبهات في الاعتقادات والعبادات، وأمراض الشهوات في السلوك والاجتماعيات، وتعميقها في حياة المسلمين في أسوأ مخطط مسخر لحرب الإسلام، وأسوأ مؤامرة على الأمة الإسلامية، تبناها «النظام العالمي الجديد» في إطار نظرية الخلط بين الحق والباطل، والمعروف والمنكر، والصالح والطالح، والسنة والبدعة، والسني والبدعي، والقرآن والكتب المنسوخة المحرفة كالتوراة والإنجيل، والمسجد والكنيسة، والمسلم والكافر، ووحدة الأديان. ونظرية الخلط هذه أنكى مكيدة، لتذويب الدِّين في نفوس المؤمنين، وتحويل جماعة المسلمين إلى سائمة تُسَام، وقطيع مهزوز اعتقادُه، غارق في شهواته، مستغرق في ملذّاته، متبلد في إحساسه، لا يعرف معروفاً ولا يُنكر منكراً، حتى ينقلب منهم من غلبت عليه الشقاوة على عقبيه خاسراً، ويرتد منهم من يرتد عن دينه بالتدريج. كل هذا يجري باقتحام الولاء والبراء، وتَسريب الحب والبغض في الله، وإلجام الأقلام، وكف الألسنة عن قول كلمة الحق، وصناعة الاتهامات لمن بقيت عنده بقية من خير، ورميه بلباس: الإرهاب والتطرف والغلو والرجعية، إلى آخر ألقاب الذين كفروا للذين أسلموا، والذين استغربوا للذين آمنوا وثبتوا، والذين غلبوا على أمرهم للذين استُضعفوا»[1].

وقبل الدخول في تفاصيل المعركة المحتدمة اليوم بين حلف الرذيلة وسمات كل حلف أسوق ثلاثة مواضع من كتاب الله عز وجل يبين لنا فيها ربنا سبحانه صفات كل فريق وفي أي شيء يختصمون:

الموضع الأول: قوله تعالى: {وَلا تَنكِحُوا الْـمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنكِحُوا الْـمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إلَى الْـجَنَّةِ وَالْـمَغْفِرَةِ بِإذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [البقرة: 221].

الموضع الثاني: قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ 38 يَا قَوْمِ إنَّمَا هَذِهِ الْـحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ 39 مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِـحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْـجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ 40 وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إلَى النَّارِ 41 تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ} [غافر: 38 - 42].

ففي هاذين الموضعين يبين لنا سبحانه حكمه بين الفريقين وأنه لا يستوي فريق الفضيلة الداعي إلى توحيد الله عز وجل وعبادته وحده لا شريك له وما يترتب على ذلك من الفضائل العظيمة في الفهم والسلوك، لا يستوي هو ومن يدعو إلى الشرك وتعبيد الناس لمخلوق مثلهم وما يترتب على ذلك من الرذائل في الفهم والسلوك.

الموضع الثالث: قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء: 27]، قال ابن جرير رحمه الله تعالى عند هذه الآية: «معنى ذلك: ويريد الذين يتبعون شهوات أنفسهم من أهل الباطل وطلاب الزنا ونكاح الأخوات من الآباء، وغير ذلك مما حرم الله {أَن تَمِيلُوا} عن الحق، وعما أذن الله لكم فيه، فتجوروا عن طاعته إلى معصيته، وتكونوا أمثالهم في اتباع شهوات أنفسكم في ما حرم الله وترك طاعته: {مَيْلًا عَظِيمًا}، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب؛ لأن الله عز وجل عم بقوله: {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ} فوصفهم باتباع شهوات أنفسهم المذمومة، وعمهم بوصفهم بذلك من غير وصفهم باتباع بعض الشهوات المذمومة، فإذا كان ذلك كذلك، فأولى المعاني بالآية ما دل عليه ظاهرها، دون باطنها الذي لا شاهد عليه من أصل أو قياس، وإذا كان ذلك كذلك كان داخلاً في الذين يتبعون الشهوات: اليهود، والنصارى، والزناة، وكل متبع باطلاً لأن كل متبع ما نهاه الله عنه متبع شهوة نفسه، فإذا كان ذلك بتأويل الآية الأولى، وجبت صحة ما اخترنا من القول في تأول ذلك»[2].

ويقول سيد قطب رحمه الله تعالى أيضاً عند هذه الآية: «تكشف الآية الواحدة القصيرة عن حقيقة ما يريده الله للناس بمنهجه وطريقته، وحقيقة ما يريده بهم الذين يتبعون الشهوات، ويحيدون عن منهج الله - وكل من يحيد عن منهج الله إنما يتبع الشهوات - فليس هنالك إلا منهج واحد هو الجد والاستقامة والالتزام، وكل ما عداه إن هو إلا هوى يتبع، وشهوة تطاع، وانحراف وفسوق وضلال! فماذا يريد الله بالناس، حين يبين لهم منهجه، ويشرع لهم سنته؟ إنه يريد أن يتوب عليهم. يريد أن يهديهم، يريد أن يجنبهم المزالق. يريد أن يعينهم على التسامي في المرتقى الصاعد إلى القمة السامقة. وماذا يريد الذين يتبعون الشهوات، ويزينون للناس منابع ومذاهب لم يأذن بها الله، ولم يشرعها لعباده؟ إنهم يريدن لهم أن يميلوا ميلاً عظيماً عن المنهج الراشد، والمرتقى الصاعد والطريق المستقيم. وفي هذا الميدان الخاص الذي تواجهه الآيات السابقة: ميدان تنظيم الأسرة؛ وتطهير المجتمع؛ وتحديد الصورة النظيفة الوحيدة، التي يحب الله أن يلتقي عليها الرجال والنساء؛ وتحريم ما عداها من الصور، وتبشيعها وتقبيحها في القلوب والعيون.. في هذا الميدان الخاص ما الذي يريده الله وما الذي يريده الذين يتبعون الشهوات؟ فأما ما يريده الله فقد بينته الآيات السابقة في السورة. وفيها إرادة التنظيم، وإرادة التطهير، وإرادة التيسير، وإرادة الخير بالجماعة المسلمة على كل حال. وأما ما يريده الذين يتبعون الشهوات فهو أن يطلقوا الغرائز من كل عقال: ديني، أو أخلاقي، أو اجتماعي، يريدون أن ينطلق السعار الجنسي المحموم بلا حاجز ولا كابح، من أي لون كان. السعار المحموم الذي لا يقر معه قلب، ولا يسكن معه عصب، ولا يطمئن معه بيت، ولا يسلم معه عرض، ولا تقوم معه أسرة. يريدون أن يعود الآدميون قطعاناً من البهائم، ينزو فيها الذكران على الإناث بلا ضابط إلا ضابط القوة أو الحيلة أو مطلق الوسيلة! كل هذا الدمار، وكل هذا الفساد، وكل هذا الشر باسم الحرية، وهي - في هذا الوضع - ليست سوى اسم آخر للشهوة والنزوة! وهذا هو الميل العظيم الذي يحذر الله المؤمنين إياه، وهو يحذرهم ما يريده لهم الذين يتبعون الشهوات.

وكثيرون يحسبون أن التقيد بمنهج الله وبخاصة في علاقات الجنسين شاق مجهد والانطلاق مع الذين يتبعون الشهوات ميسر مريح، وهذا وهم كبير والنظر إلى الواقع في حياة المجتمعات التي «تحررت» من قيود الدين والأخلاق والحياء في هذه العلاقة، يكفي لإلقاء الرعب في القلوب، لو كانت هنالك قلوب! لقد كانت فوضى العلاقات الجنسية هي المعول الأول الذي حطم الحضارات القديمة، وحطم الحضارة الإغريقية، وحطم الحضارة الرومانية، وحطم الحضارة الفارسية، وهذه الفوضى ذاتها هي التي أخذت تحطم الحضارة الغربية الراهنة وقد ظهرت آثار التحطيم شبه كاملة في انهيارات فرنسا التي سبقت في هذه الفوضى وبدأت هذه الآثار تظهر في أمريكا والسويد وإنجلترا، وغيرها من دول الحضارة الحديثة.

وقد ظهرت آثار هذه الفوضى في فرنسا مبكرة، مما جعلها تركع على أقدامها في كل حرب خاضتها منذ سنة 1870م إلى اليوم، وهي في طريقها إلى الانهيار التام، كما تدل جميع الشواهد.

يقول طبيب فرنسي نطاسي يدعى الدكتور ليريه: «إنه يموت في فرنسا ثلاثون ألف نسمة بالزهري، وما يتبعه من الأمراض الكثيرة في كل سنة. وهذا المرض هو أفتك الأمراض بالأمة الفرنسية بعد حمى الدق. والأمة الفرنسية يتناقص تعدادها بشكل خطير: ذلك أن سهولة تلبية الميل الجنسي، وفوضى العلاقات الجنسية والتخلص من الأجنة والمواليد، لا تدع مجالاً لتكوين الأسرة ولا لاستقرارها ولا لاحتمال تبعة الأطفال الذين يولدون من الالتقاء الجنسي العابر. ومن ثم يقل الزواج، ويقل التناسل، وتتدحرج فرنسا منحدرة إلى الهاوية».

والحال في أمريكا لا تقل عن هذه الحال، ونذر السوء تتوالى والأمة الأمريكية في عنفوانها لا تتلفت للنذر، ولكن عوامل التدمير تعمل في كيانها، برغم هذا الرواء الظاهري وتعمل بسرعة مما يشي بسرعة الدمار الداخلي برغم كل الظواهر الخارجية! ولقد وجد الذين يبيعون أسرار أمريكا وبريطانيا العسكرية لأعدائهم، لا لأنهم في حاجة إلى المال، ولكن لأن بهم شذوذاً جنسياً ناشئاً من آثار الفوضى الجنسية السائدة في المجتمع.

وقد كتبت إحدى المجلات الأمريكية منذ أكثر من ربع قرن تقول: «عوامل شيطانية ثلاثة يحيط ثالوثها بدنيانا اليوم. وهي جميعها في تسعير سعير لأهل الأرض، أولها: الأدب الفاحش الخليع الذي لا يفتأ يزداد في وقاحة، ورواجه بعد الحرب العالمية الأولى بسرعة عجيبة. والثاني: الأفلام السينمائية التي لا تذكي في الناس عواطف الحب الشهواني فحسب، بل تلقنهم دروساً عملية في بابه. والثالث: انحطاط المستوى الخلقي في عامة النساء، الذي يظهر في ملابسهن، بل في عريهن، وفي إكثارهن من التدخين، واختلاطهن بالرجال بلا قيد ولا التزام.. هذه المفاسد الثلاث فينا إلى الزيادة والانتشار بتوالي الأيام ولا بد أن يكون مآلها زوال الحضارة والاجتماع النصرانيين وفناءهما آخر الأمر. فإن نحن لم نحد من طغيانها، فلا جرم أن يأتي تاريخنا مشابهاً لتاريخ الرومان، ومن تبعهم من سائر الأمم، الذين قد أوردهم هذا الاتباع للأهواء والشهوات موارد الهلكة والفناء، مع ما كانوا فيه من خمر ونساء، أو مشاغل رقص ولهو وغناء.

والذي حدث أن أمريكا لم تحد من طغيان هذه العوامل الثلاثة، بل استسلمت لها تماماً وهي تمضي في الطريق الذي سار فيه الرومان!».

هذا طرف مما تتكلفه البشرية الضالة، في جاهليتها الحديثة، من جراء طاعتها للذين يتبعون الشهوات ولا يريدون أن يرجعوا إلى منهج الله للحياة. المنهج الملحوظ فيه اليسر والتخفيف على الإنسان الضعيف وصيانته من نزواته، وحمايته من شهواته، وهدايته إلى الطريق الآمن، والوصول به إلى التوبة والصلاح والطهارة: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا 27 يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 27، 28][3].

وبعد أن وقفنا عند هذه الآية الكريمة وما تضمنته من البيان الرباني لخطر الرذيلة وحماتها الذين يتبعون الشهوات وما يقومون به من إفساد الناس والميل بهم عن منهج الله عز وجل ميلاً عظيماً. بعد هذا البيان الإجمالي نأتي إلى البيان المفصل في الحكم بين حماة الفضيلة وحلف الرذيلة وأثر كل فريق على الدين والعقل والنفس والعرض والمال هذه الضروريات التي جاء الإسلام لحفظها وحمايتها، وذلك حتي يتبين لنا أي الفريقين أهدى سبيلاً وأيهما أحق بالولاء والمحبة والنصرة والشرف والكرامة والأمن والسلام، ولكي يتميز الخبيث المحارب للفضيلة الحامي للرذيلة من الطيب الحامي للفضيلة المحارب للرذيلة، وذلك بحسب ما يلي:

حماة الفضيلة وأمن الدين (عقيدة وشريعة):

حماة الفضيلة يرون أن رأس الفضائل كلها عبادة الله عز وجل وتوحيده سبحانه لا شريك له والبراءة من الشرك وأهله والنفاق وأهله وعلى ذلك يعقدون ولاءهم ومحبتهم ونصرتهم كما يعقدون عليها معاداتهم وبغضهم وبراءتهم ممتثلين قوله تعالى: {إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ 55 وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 55، 56]، وقوله تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: ٢٢]، يقومون بذلك علماً وعملاً ودعوة لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.

وفي الشريعة والأحكام يعتقدون أن الحكم والتشريع لله وحده لا شريك له فلا حكم إلا لله، الحلال ما أحل والحرام ما حرم، وبناء على ذلك يرفضون كل حكم وكل قانون يخالف حكمه وشرعه سبحانه ويرون أن ذلك من صميم العقيدة والعبودية ومن أركان الإيمان الذي لا يصح إلا به فكما أنه سبحانه لا شريك له في توحيده وعبادته فهو كذلك لا شريك له في حكمه وشرعه فالذي قال في كتابه الكريم: {وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] هو الذي قال: {وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف: 26]، وبناء على هذه العقيدة فإن حماة الفضيلة يتعبدون لربهم سبحانه بالحكم بما أنزله والتحاكم إليه والتسليم لأوامره الدينية والقدرية، يعتقدون ذلك في أنفسهم ويدعون الناس إلى ذلك ويرفضون كل حكم يخالف حكم الله عز وجل، ولذلك تراهم من أطهر الناس عقيدة وعبادة وأزكاهم خلقاً وسلوكاً ونفعاً وإحساناً إلى الآخرين وهذا لا يعني أنهم لا يخطئون ولا يذنبون بل هم بشر يخطئ ويصيب ولكنهم إذا أخطأوا عن ضعف يمر بأحدهم فإنه لا يصر بل يبادر إلى التوبة ويقلع عن الذنب ويخاف من ربه لاعتقاده أنه فعل فعلاً محرماً يخشى أن يعاقبه الله عليه، هذا لون وما يفعله المجاهرون المصرون المعترضون على شرع الله عز وجل لون آخر.

هذا مجمل ما عليه حماة الفضيلة من العقيدة والسلوك الذي يدعون إليه ويقومون به في أنفسهم ومن أجله يشن حلف الرذيلة حرباً لا هوادة فيها عليهم.

حلف الرذيلة وأمن العقيدة والشريعة:

إن المتأمل لمنهج هذا الحلف المشؤوم ورموزه لا يجد عناءً في الوصول إلى قناعات راسخة بعداوة هذا الحلف المرذول لكل فضيلة دعا إليها الإسلام الذي هو دين الرسل جميعاً سواء في العقيدة أو الشريعة والأحكام والأخلاق التي تتفق مع العقول والفطر السليمة، ولذلك فهم العدو الحقيقي للمجتمعات المسلمة بل للبشرية جمعاء.

وأسوق فيما يلي بعض الأمثلة والأدلة التي تثبت عداوة هذا الحلف المهين لكل فضيلة في العقيدة والشريعة:

أولاً في العقيدة:

يشن حلف الرذيلة بجميع مكوناته من الكفار والمنافقين حرباً شعواء على رأس الفضيلة وأسها: عقيدة التوحيد الطاهرة المطهرة التي تخلص الإنسان وتحذره من أن يكون عبداً لمخلوق مثله إلى أن يكون عبداً لله وحده لا شريك له يوالي فيه ويعادي فيه، يشنون حربهم هذه على الدين بعد أن انسلخوا منه وودوا لو يكفر الناس كما كفروا، ويظهر هذا في فلسفتهم للحرية وأنها تشمل كل شيء، حرية العقيدة والتدين وحرية والأخلاق والسلوك الشخصي وحرية الاقتصاد إلخ.

والنتيجة التي يريدها حلف الرذيلة هي إخراج الناس من عبادة الله عز وجل إلى عبادة أصنام متعددة تتمثل في طاغوت أو نظام أو برلمان أو حجر أو بقر أو هوى متبع أو أي شيء سوى الله عز وجل، ولذا نراهم يشجعون بعض الطوائف المشركة المنتسبة إلى الإسلام التي انسلخت من التوحيد وعبادة الله وحده كغلاة الصوفية والفرق الباطنة وكل صاحب هوى وشهوة يرى فصل الدين عن الحياة وترك الناس يفعلون في معتقداتهم وأموالهم وسياساتهم ما شاءوا تماماً كما قال ذلك المشركون الأولون لأنبيائهم: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إنَّكَ لأَنتَ الْـحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود: 87]، وبناء على هذه الرذيلة الكبرى في العقيدة كانت مواقف حلف الرذيلة من الكفار في الغرب والشرق حيث ظاهروهم وتحالفوا معهم في محاربة الفضيلة وأهلها بكل ما يستطيعون من أفكار وأموال وجواسيس وإعلام وغير ذلك، وصاروا كما قال الله عز وجل عن سلفهم: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الحشر: ١١]، وهكذا فإن الشر يولد الشر، والرذيلة تولد رذيلة أخرى، ومن الرذائل التي نتجت عن محاربتهم لفضيلة التوحيد والولاء والبراء هجومهم على شريعة فاطر السماوات والأرض ورميهم لها بعدم مواءمتها وصلاحها لتيسير حياة الناس في زماننا اليوم، {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} [الكهف: ٥].

وأصبحنا نسمع أصواتاً كفحيح الأفاعي بعضها يدعو إلى حصر الدين في المسجد دون أن يكون له أثر في حياة الناس السياسية والاقتصادية والاجتماعية فلهذه المجالات من حياة الناس نظم وقوانين تناسبها؟! وبعضها يطالب بصياغة جديدة للدين وأصوله وأحكامه باسم التجديد والعصرنة والحداثة، وتجرأ بعض هؤلاء الأراذل من حلف الرذيلة بالاعتراض على كلام الله عز وجل فاطر السماوات والأرض العليم الحكيم القاهر فوق عباده وكأنهم يناقشون ويعترضون على مخلوق مثلهم، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وهذه الرذائل العظيمة في التوحيد والتشريع أدت إلى رذائل في الأخلاق والسلوك والأعراض تترفع عنها الفطر السليمة بل تنكرها الحيوانات العجماوات ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ومعلوم أنه إذا فسدت العقيدة فسدت الأخلاق والأعمال ولكل مسلم أن يتصور ما تكون عليه المجتمعات لو سادت فيها شريعة حلف الرذيلة، إنها والله مأساة عظيمة وطامة كبرى ولكن الله عز وجل برحمته ولطفه وبره وإحسانه وعزته وحكمته يأبى إلا أن يبعث لهؤلاء الأراذل من يجاهدهم ويفضحهم ويرد كيدهم ورذائلهم والله من ورائهم محيط.

ولكي يتبين لكل عاقل عظم الجناية وعظم الكارثة التي منيت بها المجتمعات التي يتحكم فيها أهل الرذيلة من طواغيت وحكام مستبدين وبطانات منافقة وأرباب إعلام داعر رذيل أذكر جناياتهم وثمار دعواتهم العلقمية التي أفسدت الأخلاق والأموال والعقول والأعراض وهي غيض من فيض مما تعانيه هذه المجتمعات المنحلة التي تحكمها شريعة الغاب بل شريعة الغاب أفضل منها، {إنْ هُمْ إلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: ٤٤]، وأقدم لذلك بما قاله وكتبه بعض الناصحين من حماة الفضيلة على سبيل النذارة والتحذير من جنايات القوم.

يقول سيد قطب رحمه الله تعالى: «إن البشرية اليوم تعيش في ماخور كبير! ونظرة إلى صحافتها، وأفلامها، ومعارض أزيائها، ومسابقات جمالها، ومراقصها، وحاناتها، وإذاعاتها، ونظرة إلى سعارها المجنون للحم العاري، والأوضاع المثيرة، والإيحاءات المريضة، في الأدب والفن وأجهزة والإعلام كلها... نظرة إلى هذا تكفي للحكم على المصير البائس الذي تدلف إليه البشرية في ظل هذه الجاهلية، إن البشرية تتآكل إنسانيتها، وتتحلل آدميتها، وهي تلهث وراء الحيوان، لتلحق بعالمه الهابط»[4].

ويقول في موطن آخر: «كثيرون يحسبون أن التقيد بمنهج الله، وبخاصة في علاقات الجنسين، شاق مجهد، والانطلاق مع الذين يتبعون الشهوات ميسر مريح! وهذا وهم كبير.. فإطلاق الشهوات من كل قيد، والتجرد في علاقات الجنسين من كل قيد أخلاقي.. إن هذه تبدو يسراً وراحة وانطلاقاً، ولكنها في حقيقتها مشقة وجهد وثقلة، وعقابيلها في حياة المجتمع عقابيل مؤذية مدمرة ماحقة. والنظر يكفي لإلقاء الرعب في القلوب، لو كانت هنالك قلوب!

لقد كانت فوضى العلاقات الجنسية هي المعول الأول الذي حطم الحضارات القديمة، وحطم الحضارات الإغريقية، وحطم الحضارة الرومانية، وحطم الحضارة الفارسية، وهذه الفوضى ذاتها هي التي أخذت تحطم الحضارة الغربية الراهنة»[5].

من هذا الكلام الذي نحسبه خرج من قلب ناصح محترق على واقع المسلمين نستطيع القول إن من أعظم جنايات حلف الرذيلة على المسلمين وعلى البشرية جمعاء بعد إفساد عقائدها هو إفساد أعراضهم وأنسابهم وأخلاقهم بالتفلت من قيود الدين والحياء والفطرة وجعل الناس يعيشون كالبهائم.

وجناية أخرى من جنايات أهل الرذيلة ألا وهي الحياة التعيسة النكدة التي يعيشها أهل الشهوات وإن رأوا فيها لذة وراحة في البداية فلا تلبث أن تتحول إلى شقاء وقلق وريب وتعاسة

ومن أعظم جنايات هذا الحلف الرذيل على الأمة أن يحول أبناء المسلمين الذين استجابوا لهم إلى عبيد لشهواتهم وأهوائهم قد أعطوا زمامهم لأرباب الرذيلة يستعبدونهم ويقلدونهم في كل شيء ولا تسأل حينئذ عن حال الأمة المستعبدة فإن العبيد لا يصنعون حضارة إنها تصبح لقمة سائغة لأعدائها لا تملك مقاومة ولا جهاداً بل إنها تنهار وتخور بأدنى غزو من الكفار. وتكفي نظرة إلى الدولة الرومانية والفارسية والإغريقية وحديثاً الفرنسية لتعرف كيف تحطمت حينما انتشر فيها الخنى والسكر والجنس والفواحش، وكذلك دولة الإسلام في الأندلس لما شاعت فيها الفواحش والرذائل تحكم فيها أعداؤها وساموهم سوء العذاب.

ومن أعظم جنايات حلف الرذيلة على مجتمعات المسلمين بل على البشرية جمعاء إضعاف الغيرة أو انعدامها، الغيرة المركوزة في الفطر السليمة، بل إنها غريزة عند كثير من الحيوانات ولكن الممسوخين من أهل الرذيلة ودعاتها يريدون عالماً أخس من الحيوانات وأضل.

لقد كانت الغيرة وقوتها مما يتفاخر به المشركون في الجاهلية حيث لا دين ولا عقيدة، فكيف أصبحت اليوم بهذا الضعف والوهن عندما انتشرت الرذيلة والفواحش في كثير من المجتمعات، ولكي نرى ما أصاب الغيرة من ضعف شديد في كثير من مجتمعات المسلمين بفعل انتشار الرذائل حتى ألفها كثير من النفوس أذكر بعض ما حل في كثير من مجتمعات المسلمين من وهن الغيرة أو انعدامها، وهو باختصار وتصرف يسير من مقالة: «عندما تموت الغيرة» للأستاذ أحمد بن على العنسي، يقول:

عندما تضعف الغيرة ترى الرجل يسمح لمحارمه أمام الرجال الأجانب أن يلبسن الملابس الضيقة والقصيرة، والخفيفة التي تُظهر ما تحتها، مثل البنطلون وغير ذلك من ملابس التبرج، وإن وُجد لديه شيء من الحياء فإنه يلزمهن بلبس العباءة، لكن هل هذه العباءة حجاب؟ لا، ليست عباءة التبرج والفتنة بحجاب، وقد زينت من الأمام، وزخرفت لها الأكمام، وضيقت من الأعلى، ووسعت من الأسفل، وصنعت بألوان وأشكال مختلفة، حتى زادت من جمال المرأة، وزادت الفتنة بها، فلو لبستها امرأة قبيحة الشكل لظن الرجل أنها ملكة جمال لتزيين العباءة لها، وهذا الرجل يظن أنه قد عمل ما عليه من إلزام أهله بالحجاب المشروع، ولا يعلم أنه بعمله هذا قد خالف الشرع وضيع أهله.

عندما تموت الغيرة أو تضعف يسمح الرجل لزوجته وبناته عند ذهابهن إلى بعض البلاد التي لا تلتزم بالحجاب الشرعي للعلاج أو السياحة أو غيرها بترك الحجاب والتشبه بأهل تلكم البلاد، بل قد يأمرهن بذلك والعياذ بالله، حتى لا يُنظر إليه وإلى أهله على أنهم جهلة وغير مثقفين.

عندما تموت الغيرة يسمح الرجل لزوجته أو بنته بالسفر للدراسة وغيرها دون محرم، سواء إلى بلاد إسلامية أو بلاد الكفر، بل تجده يسعى لسفرها ويأتي بالوساطات، ويدفع الأموال لتمنح زوجته أو بنته أو أخته منحة دراسية إلى إحدى الدول، ويفتخر بذلك أمام الناس أن إحدى نسائه حصلت على منحة إلى الخارج، فتذهب تقضي عدة أشهر، أو عدة سنوات بمفردها. ولم يعلم هذا الرجل الذي قل علمه، وضعفت غيرته أن سفر المرأة بلا محرم من الرجال لا يجوز كما ثبتت بذلك الأدلة. فعن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم: «نهى أن تسافر المرأة مسيرة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم»[6]، وعن ابن عباس أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يقول: «لا يخلوَنَّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله! إن امرأتي خرجت حاجةً، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، قال: فانطلق فَحُجَّ مع امرأتك»[7]، فهذا الرجل كانت امرأته ذاهبة إلى الحج وهو سفر طاعة، وزوجها قد استعد للجهاد، ومع ذلك أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يلحق بزوجته.

عندما تضعف الغيرة يذهب الرجل بأهله إلى طبيب رجل ليكشف عليها، مع وجود الطبيبات؛ وهو ليس مضطراً، وسيكون الكشف بحسب المرض، فقد تكشف وجهها، أو صدرها، أو بطنها، بل بعض الرجال يجعل الطبيب يولِّد زوجته، مع أنه لا توجد ضرورة لذلك؛ فهناك طبيبات يقمن بالعمل نفسه الذي يقوم به هذا الطبيب، لكنه موت الغيرة.

عندما تموت الغيرة يهمل الرجل أهله: من بنت، أو زوجة، أو أخت، أو غيرهن، فيختلين بالأجانب من الرجال. والأماكن التي يحصل فيها الخلوة المحرمة كثيرة منها:

أ - الخلوة في العمل: فكم تقع الخلوة بين الموظفين والموظفات، وهذا مشاهد؛ فبعض المكاتب لا يوجد فيها إلا موظف وموظفة، بل قد تعمل المرأة في الليل، خاصة في المستشفيات المختلطة، سواء كانت طبيبة أو ممرضة، وبحكم العمل قد تجلس الطبيبة مع الطبيب ساهرين في غرفة واحدة، ينتظران المرضى ليس معهما أحد في الغالب، أما في أقسام الرقود؛ فهناك غرف خاصة في كل قسم بالممرضة والممرض حتى يتابعا حالة المرضى في الليل، وبالطبع يجلس الرجل مع المرأة بمفردهما يتبادلان الأحاديث الودية بحكم الزمالة، وثالثهما الشيطان، والرجل في بيته يشاهد الفضائيات، أو يغطُّ في نوم عميق، ولا يرى ماذا يعمل أهله. لا أريد بكلامي هذا أن أطعن في عرض أحد، لكن هذا هو الواقع والغالب في أكثر الوظائف إلا من رحم الله؛ لأن هذا ما يريده لصوص الأعراض وأعداء الفضيلة.

ب - الخلوة مع الطبيب في عيادته، بحيث يسمح الرجل لزوجته أن تذهب إلى الطبيب بمفردها تختلي به في العيادة، بل يصل الأمر ببعض الرجال أن يذهب مع أهله إلى الطبيب وينتظر في الخارج، وزوجته مع رجل أجنبي في غرفة مغلقة، وقد نبهنا سابقاً أنه لا يجوز أن تذهب المرأة إلى طبيب إلا للضرورة.

 ج - الخلوة بالمدرس، وهذا حاصل في الأسر الثرية؛ حين يأتي الرجل لبنته بمدرس خاص لتعليمها بعض المواد، وقد صارت هذه البنت في المرحلة الثانوية أو الجامعية، وبالطبع لا بد من غرفة خاصة هادئة لا يوجد فيها إلا حضرة الأستاذ وتلميذته، حتى يتمكن المدرس من الشرح وتلميذته من الإصغاء، ويجب أن لا يدخل عليهما أحد، حتى ينتهي الدرس الذي يستغرق ساعة أو ساعتين أو أكثر، والله أعلم ماذا يحصل بالداخل والأب في سبات عميق، مع أن هذا العمل لا يجوز ولو كان المدرس عالماً من العلماء؛ فكيف لو كان المدرس فاسقاً لا دين له ولا خلق!

د - خلوة المخطوبة مع خطيبها، وهذا حاصل حتى عند من يدَّعون الغيرة، وهذا لا يجوز شرعاً؛ لأن الخاطب لا يزال أجنبياً عن هذه المرأة حتى يعقد عليها، وتصبح زوجته، كما أنه لا تُؤْمَن عليها الفتنة والوقوع في الفاحشة؛ فالشيطان حريص على ذلك، أعاذنا الله منه. وليعلم كل مسلم ومسلمة أن الخلوة سبب من أسباب الوقوع في فاحشة الزنا؛ لذلك سدت الشريعة هذا الطريق، وأغلقت هذا الباب؛ حفاظاً على الأعراض، وحماية للفضيلة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يخلوَنَّ أحدُكم بامرأة إلا مع ذي محرم»[8]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان»[9].

عندما تضعف الغيرة ترى الرجل يتساهل في مسألة اختلاط النساء والرجال، زعماً منه أن هذه عادة أهله وقبيلته، فترى الجلساء في بيته مختلطين رجالاً ونساء، فيسمح لزوجته أو بنته أو أخته بالجلوس سافرة مع الرجال؛ فهذا أخو الزوج، وهذا ابن العم، وابن الخال، وابن الجيران، وما شابه ذلك، مع ما في الاختلاط من مفاسد كثيرة منها: تبرج النساء في هذه المجالس، فيقع النظر المحرم من الرجال للنساء والعكس، ويقع بذلك فتنة عظيمة، فيرى الرجل أن زوجة فلان أجمل من زوجته، وترى الزوجة أن فلاناً وسيم ليس كزوجها ذميماً، فيقع التقاطع وسوء العشرة. ومنها إثارة الشهوات بالنظر المحرم، والضحك والمزاح؛ فيستساغ هذا العمل عند الرجل فتموت الغيرة، وعند المرأة فتفقد حياءها. ومن أماكن الاختلاط المدارس والجامعات المختلطة؛ فلا يجوز لرجل بقي عنده ولو شيء يسير من الغيرة والشرف أن يسمح لمحارمه بالدراسة في هذه الأماكن، بأي حجة من حجج الشيطان.

عندما تضعف الغيرة يذهب الرجل بأهله من النساء إلى الأماكن المزدحمة، مثل: الأسواق، والحدائق، يزاحمن الرجال؛ فهذا من أمامها، وهذا من خلفها، وهذا عن يمينها، أو شمالها، وأشد حماقة من هذا الرجل ذلك الذي يذهب بأهله إلى الأسواق المزدحمة فتنزل المرأة من السيارة إلى تلك الأسواق تزاحم الرجال، وهو منتظر لها في السيارة الساعة والساعتين وكأن أمرها لا يعنيه.

عندما تضعف الغيرة يسمح الرجل لزوجته أو إحدى محارمه بالعمل خارج المنزل في أماكن مختلطة، مفقود فيها الحياء والشرف، وموجود فيها الاختلاط والنظر المحرم، والخلوة في بعض الأحيان، وهذا كله لا يهم ذلك الرجل الذي قد ضعفت غيرته، إنما المهم هو كم المعاش، وليس للشرف والعفاف عنده أي أهمية؛ فالمال عنده كل شيء، فلا مانع لديه من أن تعمل زوجته أو بنته ليلاً أو نهاراً، أو حتى تسافر دون محرم من قرية إلى قرية، ومن مدينة إلى مدينة، ويستمر سفرها عدة أيام، أو أشهر؛ والأمر عنده عادي وطبيعي، ما دام وراء ذلك فائدة مادية ممتازة!

عندما تضعف الغيرة ترى الرجل يسمح لنسائه بالاحتفاظ بصور الممثلين والرياضيين وغيرهم؛ لأنها معجبة بهم والرجل لا يعارض ذلك؛ لأنه يرى أنها حرة، تحب من تريد، وتعجب بمن تريد؛ فهذا من خصوصياتها! ولا يعلم هذا الرجل الأحمق أن الرجل الغيور لا يرضى أن يتعلق أهله بالرجال الأجانب، كيف وهؤلاء الرجال فسقة منحرفين؟ فكيف يرضى بهذا من لديه شيء من الشهامة والشرف!

عندما تموت الغيرة يسمح الرجل لزوجته، أو بنته، أو قريبته بمسايرة رجل أجنبي، فيراها تأتي وتذهب مع زميلها في الجامعة، أو الوظيفة على أقدامهما، أو بالسيارة، وهو لا يحرك ساكناً، بل قد يشجعها، ويقول: اركبي مع فلان ابن الجيران؛ فمعه سيارة يوصلك في طريقه، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

عندما تضعف الغيرة تجد رجلاً لا يدري عن أهله شيئاً، ولا يهتم بأمورهم، فهو لا يعلم من دخل بيته، ولا يعلم عن زوجته وبناته أي شيء، متى دخلن البيت، ومتى خرجن منه، ومع من يذهبن، ومع من يأتين! فهذا الرجل في غفلة عن أهله الذين سيُسأل عنهم يوم القيامة، مشغول بأمواله وأعماله، يوفر لهم المال، ولا يهتم بتربيتهم ولا بأخلاقهم، وقد حصل بسبب هذا الإهمال قضايا كثيرة؛ فهذا أب يتلقى خبر وفاة بنته التي ذهبت في الصباح إلى الجامعة، والتي من المفترض أن تكون في الجامعة ولكن الخبر جاء بوفاة هذه البنت مع شاب غير معروف في حادث مروري خارج المدينة، وما أكثر القصص التي تحكي أحوال آباء وأزواج غافلين عن أهلهم، لا يعلمون إلا بعد وقوع فضيحة كبيرة؛ عند ذلك يعلم هؤلاء أشباه الرجال بأنهم قصروا فيما كان يجب عليهم فعله، فيندمون حين لا ينفع الندم.

عندما تضعف الغيرة فإن الرجل يكلف زوجته، أو بنته بشراء حاجات البيت دون ضرورة؛ فهو صحيح ولديه وقت فراغ، وإن كان مشغولاً فلديه أولاد كبار يذهبون إلى الأسواق بدلاً عنه، لكنه موت الغيرة، بل يصل الأمر في بعض الرجال أن يلقي مسؤولية البيت كاملة على زوجته؛ فهي التي تذهب إلى السوق، وتشتري الطعام والشراب ولباسها ولباس الأطفال، بل وملابس زوجها، وهي من تستأجر البيت، وتتفاهم مع صاحب البيت، وتدفع الإيجار وتذهب لتسديد فاتورة الكهرباء والمياه، وأصبحت هي الرجل تختلط بالرجال، وزوجها يسلِّم لها ما تحصَّل عليه من مال، ثم يذهب ليأكل ويشرب، وينام وكأنه بهيمة، ليس عليه أي مسؤولية؛ فأي رجل هذا، وأي رجولة لديه؟[10].

هذه بعض الثمار العلقمية لحلف الرذيلة وجناياتهم على مجتمعات المسلمين بل على البشرية جمعاء وإن مثل هذه الرذائل التي لم يسلم منها اليوم مجتمع من مجتمعات المسلمين ما بين مقل ومكثر فضلاً عن ديار الكفر في الشرق والغرب لم تأت بين يوم وليلة وإنما جاءت على مر السنين والليالي والأيام بمكر من حلف الرذيلة في الليل والنهار وساعدهم في ذلك شياطين الجن والإنس من الكفرة وإخوانهم من المنافقين والطواغيت المتحكمين في الإعلام والتعليم وأدوات التوجيه حتى تروض الناس وتلوثوا بهذه الرذائل الممنوعة شرعاً وعقلاً وفطرة. وإن الخطورة من هذه الرذائل هي فرضها في حياة الناس حتى يألفوها ولا تستنكر وتشرعن في حياة الناس ويجاهر بها ويصدر حلف الرذيلة القوانين المرخصة لحانات الخمور ومواخير الزنا والربا، ولو أن هذه الرذائل فعلت في السر والخفاء مع شعور فاعليها بالإثم والفحش واعتقاد حرمتها في النفوس لكان الأمر أهون.

والسؤال المحير الذي لا ينتهي العجب منه هو أن هذه الرذائل والفواحش سواء كانت رذيلة الكفر أو النفاق أو الخيانة أو رذائل الفحشاء والمنكر من زنا وخمور ودياثة وهتك أعراض: هل يشعر أصحابها من المقترفين لها والداعين لها بالإثم والقذارة وتأنيب القلب وأنهم يقودون أمتهم إلى الهاوية أم لا يشعرون؟ ولماذا التهالك منهم على إيقاع أكثر الناس فيها؟

والجواب في الجزء الثاني من المقال بإذن الله.


 


[1] حراسة الفضيلة ص10،11.

[2] تفسير ابن جرير الطبري 8/214- 215.

[3] في ظلال القرآن 2/631- 635 باختصار.

[4] في ظلال القرآن 1/511 باختصار.

[5] في ظلال القرآن 2/632 باختصار.

[6] البخاري (1995)، مسلم (827).

[7] البخاري (5233)، مسلم (1341).

[8] البخاري (5233)، مسلم (1341).

[9] الترمذي (1171)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي.

[10] انظر المقال في مجلة البيان العدد رقم 213.