منذ اثني عشر عاماً، وعقب تولي حركة حماس الحكم في غزة، بدأت العلاقة بين حركة حماس والحكومات المصرية تتنقل بين العديد من المحطات المختلفة، فما هي أبرز تلك المحطات؟ وإلى أين وصلت هذه العلاقة؟ وما التوقعات المستقبلية؟

مراحل تاريخية:

في عام 2006م، وبعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية، لم تكن هناك علاقة جيدة بينها وبين الحكومة المصرية خلال رئاسة محمد حسني مبارك، وذلك في ظل الحصار الذي فرض على قطاع غزة، وما نتج عنه من إغلاق لمعبر رفح البري، وتردي الأوضاع الاقتصادية في غزة.

ولكن كان لمصر برئاسة مبارك دور بارز في العمل على وقف الاقتتال بين حركتي فتح وحماس، حيث قدمت مصر العديد من الأوراق لإنهاء الانقسام، كان أهمها الورقة المصرية للمصالحة الفلسطينية لعام 2011م.

كما كانت مصر الراعية لملف التهدئة بين حركة حماس والاحتلال الصهيوني في تلك الفترة، وظهر ذلك واضحاً في المباحثات التي أجرتها مصر عام 2008م لوقف الحرب على غزة، وكذلك في إتمام صفقة تبادل الأسرى التي حدثت بين حماس والاحتلال الصهيوني عام 2011م، أو ما يعرف باسم صفقة وفاء الأحرار أو صفقة شاليط.

ووجدت حماس فرصتها في تحسين العلاقة مع مصر عقب ثورة 25 يناير، وتولي جماعة الإخوان الحكم في مصر متمثلة بالرئيس محمد مرسي، حيث شهدت تلك الفترة انتعاشاً كبيراً لقطاع غزة، حيث دخلت البضائع المصرية عبر الأنفاق المحفورة من قطاع غزة تجاه مصر، كما تم فتح معبر رفح البري بشكل شبه يومي.

ولكن سرعان ما توترت تلك العلاقة بشكل كبير بعد الإطاحة بمحمد مرسي، وذلك في 30 يونيو 2013م، وتولي العسكر من جديد الحكم في مصر برئاسة عبد الفتاح السيسي، حيث أصبحت حركة حماس حركة محظورة في مصر، وجه لها القضاء المصري العديد من التهم أبرزها تورط حماس في تفجيرات في سيناء واقتحام عناصر من حماس السجون المصرية أثناء ثورة يناير وإخراج بعض الشخصيات من السجن وهي القضية التي تعرف باسم «سجن وادي النطرون».

وفي يوليو 2014م، زاد توتر العلاقة بعدما أصدرت محكمة مصرية حكماً يحظر نشاط حماس في مصر، كما أصدرت محكمة الاستئناف بالقاهرة حكماً على محمد مرسي يقضي بحبسه 15 يوماً على ذمة التحقيق بتهمة التخابر مع حماس، وازدادت السجالات الإعلامية بين الطرفين وانعكست على مجمل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل القطاع.

وفي يناير 2015م أصدرت محكمة الأمور المستعجلة المصرية حكماً يعتبر كتائب القسام (الجناح العسكري لحركة حماس) منظمة إرهابية.

وكذلك شهد مايو 2015م توتراً آخر، حيث أصدرت محكمة مصرية حكماً يقضي بالإضافة إلى إعدام محمد مرسي إعدام عدد من التابعين لحركة حماس في غزة، أبرزهم الأسير لدى سلطات الاحتلال حسن سلامة.

أما يونيو 2015م فقد شهد نقلة نوعية، حيث أعلنت محكمة الأمور المستعجلة إلغاءها الحكم الذي يعتبر حماس منظمة إرهابية، وظلت العلاقة تشهد نوعاً من الاستقرار بين حماس والحكومة المصرية، مع استمرار إغلاق معبر رفح البري، وحظر نشاطات حماس داخل مصر.

وفي يناير 2017م، كانت العلاقة تشهد أجواء إيجابية مختلفة عن السنين الماضية، حيث استضافت مصر المكتب السياسي لحركة حماس في القاهرة، وأعلن رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية بعد التقائه مسؤولين مصريين أن هناك خطوات تقدمية في إنجاز ملف المصالحة الوطنية الفلسطينية.

وفي سبتمبر 2017م، وفد من حركة حماس يزور القاهرة، والبدء في تنفيذ ملف إنجاز المصالحة تحت رعاية مصرية، وكذلك أعلنت حركة حماس حل اللجنة الإدارية في قطاع غزة، وأعلنت استعدادها تلبية الدعوة المصرية في تحقيق ملف المصالحة وفق اتفاق عام 2011م، وتشكيل حكومة وحدة وطنية.

وفي أكتوبر 2017م وصل وفد مصري إلى قطاع غزة يضم اللواء همام أبو زيد واللواء سامح كامل، وذلك بالتزامن مع وصول حكومة الوحدة الوطنية برئاسة د. رامي الحمدالله، والبدء الفعلي في تنفيذ بنود المصالحة تحت إشراف ورعاية مصرية.

تفاهمات وقناعات:

للوقوف على هذا الموضوع، قال د. ماهر صبرة (القيادي في حركة حماس): «التطور الكبير الذي تشهده العلاقة بين حركة حماس والحكومة المصرية الحالية، لم يأتِ عفوياً بل جاء من قرارات ولقاءات معمقة بين الجانبين، فأصبحت هناك قناعة لدى الجانب المصري أن حماس ليست مسؤولة عن كثير من القضايا التي كانت تتهم بها، والتي تتعلق بأمن مصر وعلاقة حماس بجماعة الإخوان المسلمين».

الورقة القوية:

أضاف صبرة أن النظام المصري أصبح يرى في حماس واقعاً موجوداً في غزة يجب التعامل معه، وذلك وفقاً للمصالح المشتركة بين مصر وغزة، موضحاً أن مصالح مصر مع غزة تكمن في عدة جوانب، أبرزها أن القضية الفلسطينية كانت ورقة تاريخية تعتبر قوة عند مصر، ومصر تحرص على الاحتفاظ بهذه الورقة، وهي عندما تقترب من حماس تحافظ عليها فعلياً وكذلك مصلحة مصر في تحسين وضبط الوضع الأمني في سيناء، لاسيما أن سيناء لها حدود مع قطاع غزة.

ضغوط أمريكية وصهيونية:

كما أشار صبرة إلى إمكانية حدوث ضغوط مستقبلية من الإدارة الأمريكية أو الصهيونية على مصر، لقطع علاقتها مع حماس، ولكن مدى قناعة الجانب المصري بأن له مصالح مع حماس لن يجعل السياسات المصرية تنصاع للضغوط الخارجية.

مجازفة للنظام المصري:

عبّر صبرة عن تفاؤله تجاه استمرار العلاقة الإيجابية بين حماس ومصر، قائلاً: «لا أظن أن هذه العلاقة ستكون علاقة مرحلية، لأنه لم يكن النظام المصري ليبني هذه العلاقة في الوقت الذي تتهم فيه أمريكا حماس بالإرهاب، ولا يجازف النظام المصري بعلاقة مع حماس إلا بحقائق ظهرت للجانب المصري».

وأفاد صبرة أن حقيقة حماس لا تتناقض مع سياسات الحكومة المصرية، مؤكداً أن حماس ليست جزءاً من أي إشكاليات داخلية في مصر.

دور محمد دحلان:

من متابعة التطور في العلاقة بين حركة حماس ومصر، برز دور محمد دحلان وسيطاً للتفاهمات الحمساوية المصرية، حيث قال أشرف جمعة (النائب في التشريعي عن كتلة فتح الإصلاحية): «النائب محمد دحلان كان له علاقة مهمة في تصحيح العلاقة بين حماس ومصر، حيث كان دائم الحديث مع الحكومة المصرية الحالية على أن حماس فصيل فلسطيني يمكن استيعابه، وأن الحوار من الممكن أن يجدي نفعاً في وضع تفاهمات جذرية للمشاكل القائمة بين الطرفين».

وأضاف جمعة أن محمد دحلان كان له دور ملموس في ما قامت به مصر من استدعاء واستقبال المكتب السياسي لحماس في القاهرة، حيث وجدت مصر تجاوباً إيجابياً في رد حماس على أسئلة المخابرات المصرية، كما وجدت مصر فكراً جديداً لدى حركة حماس، كما وصف جمعة.

وأوضح جمعة أن ما جعل دحلان يبحث في تحسين العلاقات الحمساوية المصرية هو إخراج حماس من العزلة وجعل تفكيرها إستراتيجياً بعيد المدى، بما يعمل على تقريب العلاقات بين الأطراف العربية، للحصول على مصلحة وطنية نقية من الشوائب والخلافات.

حماس والامتداد للإخوان:

وقال د. حسام الدجني (المحلل السياسي) إن الهواجس والتخوفات المصرية التي كانت تحكم العلاقة مع حماس، هي بسبب كون حماس امتداداً أيدلوجياً لحركة الإخوان في مصر، وهذا انعكس سلباً على طبيعة العلاقة.

من أمني إلى سياسي:

أوضح الدجني أن أبرز تطورات هذه العلاقة، كان في انتقال مصر من التعامل مع حركة حماس كملف أمني، إلى التعامل معها كملف سياسي، وهذا يعني أن حماس أصبحت منظمة سياسية غير إرهابية معترفاً بها لدى الحكومة المصرية الحالية، وهذا ظهر واضحاً بعدما أعلنت حركة حماس وثيقتها السياسية في 1 مايو 2017م والتي أعلنت فيها انفكاكها عن جماعة الإخوان، حيث ألقى هذا بارتياحه لدى مصر.

المصلحة المصرية:

أضاف الدجني أن مصر رأت في تجديد علاقتها مع حماس عودة للدور المصري في القضية الفلسطينية، حيث إن دولاً أخرى مثل قطر وتركيا لعبت دوراً في قطاع غزة أدى إلى إضعاف الدور المصري، كما شعرت مصر أن هذه العلاقات الجديدة ستعمل على تقويض العمليات الإرهابية في سيناء، وهذا ما حدث بالفعل بتوقيع يحيى السنوار (رئيس مكتب حماس في قطاع غزة) واللواء توفيق أبو نعيم (قائد قوى الأمن في غزة) وثيقة تقضي بإقامة منطقة عازلة ونشر قوات على الحدود، وكذلك على الصعيد الاقتصادي فإن التبادل التجاري بين قطاع غزة ومصر سيعمل على زيادة الدخل المصري لاسيما أن قطاع غزة يعتبر سوقاً استهلاكية كبيرة.

اللواء المتقدم لمصر:

لفت الدجني إلى ضرورة أن تلتفت مصر للأهمية الأمنية لقطاع غزة، حيث وصف ذلك قائلاً: «مقاومة غزة تعتبر اللواء العسكري المتقدم لمصر، حيث إنه في حال فكر الاحتلال الصهيوني في مهاجمة مصر، فستأتيه الضربة من خلفه، وبالتالي من الممكن أن تستفيد مصر من المقاومة الفلسطينية في الضغط على إسرائيل التي تعيث الفساد في القرن الإفريقي وسد النهضة وما يجري من تجفيف لمياه نهر النيل».

القضية المركزية لمصر:

قال مجدي شندي (الكاتب الصحفي ورئيس تحرير جريدة المشهد المصرية): «العلاقة الحالية بين حماس والسلطات المصرية بمثابة رد الشيء ﻷصله، فحماس تأسست كحركة مقاومة للاحتلال ومصر يعنيها تعزيز الصمود الفلسطيني، فلطالما كانت القضية المركزية لمصر هي قضية فلسطين، من أجلها خاضت حروباً، ومن أجلها انكسر مشروع نهضتها بهزيمة عام 1967م المرة».

ضمان الأمن القومي المصري:

أوضح شندي أن مستقبل هذه العلاقة يتوقف على استمرار مراعاة حماس لمتطلبات الأمن القومي المصري وضمان عدم استخدام الحدود المشتركة بين مصر وغزة إلا فيما يعود بالنفع على الطرفين، وكذلك عدم تبني الدعاية المضادة للسلطات المصرية خاصة من جانب القيادات الإخوانية بالخارج.

ويعتبر شندي الأسباب التي أدت إلى الأجواء الإيجابية الحالية هي ما استجد من وعي قادة حماس بأن التعاون لصيانة الأمن القومي المصري يصب في صالح القضية الفلسطينية، وكذلك إحساس السلطات المصرية بأن هناك مخاطر تحيق بالقضية الفلسطينية تستلزم رص الصفوف وتحقيق مصالحة وطنية فلسطينية.

روابط الشعبين:

وقال المواطن الغزي أحمد النجار (56 عاماً): «تربطنا بإخواننا المصريين روابط كبيرة، سواء كانت تاريخية أو قومية أو أقارب ومصاهرة وصولاً إلى الدم، فجثث الجنود المصريين الأبطال الذين استشهدوا على ثرى أرض غزة وهم يقاتلون العدو الصهيوني عام 1948م لهي أكبر شاهد على مدى العلاقة القوية التي تربطنا بمصر، وعلى حماس والحكومة المصرية عدم نسيان ذلك التاريخ المشرف بين الشعبين».

المعبر لا يزال مغلقاً:

في حين عبر الشاب محمد الكرد (28 عاماً) عن سعادته تجاه العلاقة الإيجابية بين الطرفين، في الوقت نفسه عبر عن استيائه من استمرار إغلاق معبر رفح مع تكدس الحالات الإنسانية داخل غزة.