لا يشك متابع أو باحث في أن لدى الكيان الصهيوني منظومة ديمقراطية ظاهرية، تعبر عنها أحزاب وانتخابات وبرلمان (كنيست)؛ ولكن الإشكالية تكمن في التفاصيل، وفي جوهر هذه الديمقراطية المزعومة وروحها، فليست الديمقراطية في الأنظمة والمؤسسات والإجراءات الظاهرية فقط، بل هي ثقافة ووعي وسلوك اجتماعي، تصل إلى جذور التعايش والسلام، وإلى المساواة والحرية، وإلى كل الشعب، ففي الكيان الصهيوني نسبة انعدام المساواة الاقتصادية والاجتماعية من أعلى النسب في الدول المعدودة على الديمقراطيات في العالم أجمع، وإذا سلمنا جدلاً بوجود الديمقراطية فسوف نراها ضعيفة متخاذلة أمام التيار الديني المتشدد واليمين العلماني الحاكم والطبقة العسكرية، واختفاء الطبقة الوسطى، واحتقار مقدسات الآخرين والأنظمة والكفر بها.

فالرابي/شاخ يصرح: «مثلما حل بالعالم قدر اسمه مرض السرطان، كذلك حل بالعالم مرض لا علاج له تقريباً، اسمه الديمقراطية، إنها مرض يتفشى ويأكل الجسد والروح»، والإشكالية أن مثل هذا الفكر يتسلل بقوة نحو القيادة والنخب، واليهود الشرقيون يعانون منه، ويهود الفلاشا في أزمة معه، والفلسطينيون حدث ولا حرج، ومعنى هذا أنه لم يبق للسكان الأصليين - الفلسطينيون - إلا حثالتها، فالفلسطينيون في ظل الاحتلال الصهيوني «ما زالوا حتى اليوم مواطنين غير متكافئين في الحقوق، وإسرائيل تصر على أنها لا ترغب في أن تكون دولة لكل مواطنيها، وإنما دولة يهودية ديمقراطية»، ولا يعلم أحد عن كيفية الجمع بينهما، ويظهر زيف الديمقراطية الصهيونية من خلال محاكمة الفلسطينيين ومحاكمة اليهود، وموقفهم من كنائس النصارى ومساجد المسلمين، وفي الطرق والحواجز، والتجنيس، إضافة إلى مدارس خاصة لهم وأخرى لغيرهم، ومستعمرات لأبنائهم فاخرة وبيوت للفلسطينيين سيئة معرضة للهدم، واضطهاد ديني طال النصراني والمسلم، بل وصل إلى اليهود المعارضين، وكل «ما بعد الحداثيين، وبعد الصهيونيين، وإنسانيي التوجه من معارضي الصهيونية يتوحدون جميعاً في فهمهم أنه لا توجد فرص لواقع ديمقراطي في إسرائيل»، كما يراه «إيلان غور» أما «بن كاسبيت» فيرى أن من الأخطار المحدقة بالديمقراطية صوت المتدينين وقوتهم، وحاخاماتهم، لأن «دولة يهودا الكاسحة في أبهى صورها تحدد للديمقراطية الإسرائيلية مصيرها»، والإشكالية كما يراها «روبن ريفلين» رئيس الكنيست: «أن أتباع اليمين لا يؤمنون بالحسم الديمقراطي»، ووصف المخرج السينمائي اليهودي «أودي ألون» الكيان الصهيوني بأنه: «دولة إرهابية، وتمنح الديمقراطية فقط لذوي البشرة البيضاء»، وقد ظهرت داخل الكيان المحتل احتجاجات عديدة ضد ديمقراطيته المزيفة، منها احتجاج 43 جندياً من جنود الاحتياط على الخدمة في فلسطين أثناء حرب غزة عام 2014م بسبب «أن الجهاز الذي خدموا به هو جزء من منظومة السيطرة العسكرية على المناطق الفلسطينية المحتلة، وأن المعلومات التي يتم جمعها تستخدم للملاحقات السياسية، وتجنيد المتعاونين، والابتزاز بطرق مختلفة للأبرياء من الفلسطينيين»، وهذا ما نشرته صحيفة هآرتس تحت عنوان: «جنودنا فضحوا قذارة النظام الإسرائيلي»، وكذلك قيام 800 شخصية صهيونية بمطالبة برلمان بلجيكا بالضغط على الكيان الصهيوني لكي يعترف بالفلسطينيين، والانسحاب إلى حدود 1967م، وما قام به أيضاً 550 مثقفاً ومفكراً يهودياً ببعث رسالة للبرلمان الإسباني للمطالبة بما سبق، مع حثه على العمل «لدفع إسرائيل لإنهاء الجمود السياسي الحالي، الذي يلحق ضرراً كبيراً بأمنها»، إضافة إلى قيام 327 شخصية يهودية ممن عاصروا الهولوكست بالتشهير بالكيان الصهيوني، واتهامه بارتكاب مجازر ضد الفلسطينيين وذلك في إعلان نشروه في صحيفة «نيويورك تايمز»، وكل هؤلاء على اختلاف تخصصاتهم واهتماماتهم يطعنون في ديمقراطية كيانهم.

ومن خلال النظرة العامة يتأكد أن في الكيان الصهيوني ديمقراطية شكلية لم تفلح بعد في أن تكيف لنفسها مميزات الديمقراطية الجوهرية، ثم إنه لا وجود للديمقراطية بمنأى عن وجود مواطنين ديمقراطيين، ولا وجود لمثل هؤلاء من غير تعليم الديمقراطية والتربية عليها. وأيضاً لا وجود للديمقراطية بدون وجود المعارضة، ويؤكد «إبراهام بورغ»: «ليست هناك معارضة في إسرائيل»، ويسخر «يونتان يفين» في صحيفة يديعوت بقوله: «الديموقراطية هي الحل الأقل سوءاً لتمضية الوقت بين حربين»، ويؤكد«جدعون ليفي»: «في إسرائيل لا يسمع عملياً سوى صوت واحد ووحيد، لا صوت غيره، ومن عملية إلى أخرى تدق المسامير في نعش التعددية الفكرية في إسرائيل»، فديمقراطية الكيان الصهيوني ليست عنوان عدل، بقدر ما هي مؤشر ظلم، وعلامة انهيار أكثر من كونها وسيلة بناء، وهي أقرب إلى العسكرية منها إلى المدنية يقول «باري شميس»، ابن الكيان والخبير بشعابه: «إسرائيل ليست بلداً ديمقراطياً، وإنما دولة مناهضة للديمقراطية»، لأنها تشكل خطراً على وجودها، ومن العجائب أن البدائل أشد خطراً على الكيان، فويلي عليك وويلي منك يا رجل.

ومن خوف الكيان الصهيوني من الديمقراطية أنه لا يطبقها في الداخل، ويحاربها في الخارج على مستوى عالٍ وبشكل عنيف، ويرى أنها تشكل تهديداً عل كيانه الهش فـ«ي. سريد» (سياسي صهيوني) يؤكد أن الكيان الصهيوني معني بوقف التحول الديمقراطي في المنطقة العربية، لما له من أثر في بنيتها الإستراتيجية.

وجاء في الإذاعة العبرية تباهي نتنياهو بأنه اتفق مع بوتين على خطر الديمقراطيات العربية، وأنها «تهدد إسرائيل وروسيا»، وفي صحيفة معاريف 13/8/2013م صرح «ي. درور» (مفكر صهيوني) «أن الحكومات العربية التي تتشكل نتاج تحول ديمقراطي ستكون معادية لنا، بغض النظر عن أيدلوجيتها»، لأن «الطغاة العرب ساعدوا على تحقيق الحلم الصهيوني، ولم يقصدوا يوماً التشويش عليه»، بحسب رؤية المؤرخ اليهودي «م.ب زوهر»، أما الكاتب اليهودي «ر. أيدلست»، فهو على يقين بأن «حكم الدكتاتوريات العسكرية والملكية وفر بيئة مثالية لتحقيق مصالح إسرائيل في العالم العربي»، ويوافقه رئيس الموساد السابق بمقولته: «حكم الاستبداد في العالم العربي ساعدنا على اختراق العالم العربي»، والكاتبة الصهيونية «كارولين كلغ» تدعو الغرب إلى «عدم التخلي عن السيسي؛ لأن بقاء نظامه من متطلبات بقاء إسرائيل قوية وآمنة»، والجنرال الصهيوني «عاموس جلعاد» أكد أن «السيسي منع تحولات كانت ستفضي إلى كارثة على إسرائيل»، كما أن الكيان المحتل يقر بدور العلاقات الحميمة بين ملك الأردن وقادة الموساد في تعزيز أمنها القومي، وتحقيق مصالحها في سورية، وقال محلل صهيوني: «الأسد طوق نجاتنا، ويجب أن نصلي لأجل بقائه»، والتصريحات والتحليلات في هذا الشأن طويلة جداً.

وخلاصة الموضوع:

أن الدكتاتوريات من مؤشرات سقوط الدول، وأخطر منها دكتاتورية تدعي الديمقراطية، وأخطر منهما «الديمقراطية الدينية»، فالكاتبة اليهودية «أرسل لعال» على قناعة تامة بأن «منظومة القيم التي يفرضها وزير التعليم المتدين بنات تؤسس لدكتاتورية دينية»، فهي في حالة صدام مع نفسها وأصدقائها قبل صدامها مع أعدائها، وأيضاً سقوطها أقوى وأعنف من غيرها، بسبب وجود فجوة بين ما تدعيه وما تمارسه، مع سوء سلوكها، ومعرفتها بما يجب وإعراضها عنه، وغياب فضيلة التسامح والسلام والحوار والتعايش عنها، ويرى «مولي بيلغ» (جامعة تل أبيب) «أن الإمكانية في المجتمع الإسرائيلي للتخلص من الفخاخ المعادية للديمقراطية هي إمكانيات بعيدة»، ومن تلك الفخاخ الاستيطان، والعنصرية، والبيئة العسكرية، والقتل، ومناهج التعليم، والتدين اليهودي، والجدار العازل، والأمن. والحقيقة أن ما بين الكيان الصهيوني والديمقراطية ليس مسافات أو سوء فهم، بل ما بينهما تصادم وتناقض، وتكفير ومصادرة، يوضح ذلك «مائير كهانا»، بصراحة ومباشرة: «لا يوجد أي نقاش في إمكانية بناء ديمقراطية في إسرائيل، لأن الديمقراطية تعني حقوقاً متساوية للجميع، بغض النظر عن الأصول الدينية العنصرية، لذلك فإن الديمقراطية والصهيونية لا تتعايشان معاً»، ويضيف: «اليهودية لا تقبل الديمقراطية إلا إذا كانت ضمن قاعدة تلتزم بقانون التوراة»، أو للخارج والإعلام، وهذا التوجه يخدع الرأي العالمي برهة، ويحفظ كيان الغزاة فترة، ولكنه سريع الانهيار، وشديد السقوط، وقريب الزوال.