إن المتابع المنصف للأحداث المتتالية التي مرّت بها ليبيا منذ سقوط النظام السابق إلى يومنا هذا، ليظهر له بكل وضوح أن المعطيات والمؤشرات كلها تشير إلى أن الوضع العام يسير من سيئ إلى أسوأ، ولا نريد أن نستعجل في توجيه أصابع الاتهام إلى جهة مخصصة، أو فكرة محددة، أو شخصية معينة، بأنها كانت وراء ذلك الإخفاق الذي تعيشه بلادنا، إنما أردت في هذا المدخل أن نؤكد على أمرين اثنين، الإخفاق، وثم أسباب لذلك الإخفاق.

• ما قبل فبراير:

وجب التنبيه قبل الغوص في أغوار هذا الموضوع، أننا نحاول أن نتناول الواقع الليبي بكل إنصاف وموضوعية، بعيداً عن الحساسيات التي بين أنصار فبراير وأنصار سبتمبر التي ألقت بظلالها على المشهد بسلبية ظاهرة، وفي هذا السياق، سوف نتناول بعض القضايا التي يعاني منها الوطن والمواطن اليوم، ولكننا سنتناولها في عهد النظام السابق ثم بعد ذلك نتناولها في عهد فبراير إن صحت التسمية، وسوف نركز على ملف الحقوق والحريات، وملف الأمن، والملف الاقتصادي.

ملف الحقوق والحريات:

في زمن نظام القذافي نستطيع القول إن هذا الملف كان من أسوأ الملفات، إذ كان النظام السابق نظاماً شمولياً لا يسمح بالتعددية الحزبية ولا بالهيئات ولا النقابات ولا التجمعات، وكان قمعياً مع من يخالفه الرأي. وأما الانتهاكات فحدث ولا حرج، فكل من تحوم حوله شبهة معارضة النظام فهو معرض لأشد أنواع العقوبات، من سجن وحرمان وربما إعدام.

ملف الأمن:

هذا الملف له علاقة بالملف السابق، إلا إننا أردنا أن ننبه على أن الأمن مستتب إذا لم يكن هناك خطر يهدد بشكل أو بآخر شخص القذافي! أما إذا وُجد ما يهدد أمنه فتستباح تلك الجهة بكل وحشية، وحسبك أن مدينة درنة في سنة 1995م تم قصفها بالطائرات، ومدينة بني وليد في سنة 1993م تمت محاصرتها وانتهاك أمنها، وغيرهما من المدن والقبائل الليبية، إذن الأمن مرتبط بشخص القذافي فقط، ومن أوضح الأدلة على ما تقدم، أن القذافي أمر بفتح مخازن السلاح ووزعها على الليبيين حتى يقتل بعضهم بعضاً، وحتى تصبح ليبيا جمراً كما قال في خطاب له شهير. وكل ذلك لأن أمن القذافي تعرض للخطر! أما حينما يتعرض الليبيون للخطر فلا يبالي بهم القذافي، بل إن الليبيين قد ماتوا في تشاد وأوغندا ولبنان وإيران وغيرها ولم يبالِ بهم، بل إن القذافي ساهم في قتل الليبيين بدون سبب، كما في مجزرة أبو سليم، وطائرة الركاب التي أسقطها، وحقن أطفال بنغازي بالإيدز وغيرها من الحوادث.

الملف الاقتصادي:

ينعم وطننا بخيرات كثيرة، من أبرزها النفط، ومعلوم أن عائدات النفط على مدار أربعة عقود ونيف لا يعرف أين تروح ولا أين تغدو! اللهم إلا ما استمتع به القذافي وحاشيته المقربة، أما سائر الليبيين فلا يعرفون عن تلك العائدات النفطية شيئاً. وقد مرت ببلادنا حقبة من الزمن تعد فيها التجارة التي أحلها الله ظاهرة استغلالية تجب محاربتها والقضاء عليها، وبالفعل حدث ذلك، وصودرت أملاك الناس تحت شعار «من أين لك هذا؟» وشعار «لجان التطهير».

• ما بعد فبراير:

اختلفت الدوافع التي من أجلها خرج الناس على النظام السابق، إلا إن النخب الوطنية الواعية، وكذلك غالب الناس، يكاد يجمعون على هدف واحد، ألا وهو معالجة وإيجاد حلول واقعية للملفات التي سبق ذكرها في الفقرة السابقة. إلا إن مجريات الأحداث لم تتجه حيث يريد الناس، ولذلك أسباب كثيرة نوجزها في التالي:

السبب الأول: تركة النظام السابق:

نجحت فبراير في إسقاط رأس النظام، إلا إن التركة التي خلفها ألقت بظلالها على المشهد العام، فاليوم إذا أردنا أن نخرج من هذه الأزمات الخانقة التي نعيشها، لا بد من استحضار أن هذه الأزمة التي نعيشها اليوم أصولها ممتدة إلى زمن النظام السابق، وهذه نقطة في غاية الأهمية إذا أردنا أن نتخلص من التصنيفات التي ابتلي بها الليبيون، سبتمبر وفبراير ونحو ذلك، والتي كان لها أثر سلبي على مجريات الأحداث. والاعتراف بهذا الجزء من التشخيص للأزمة سيساهم بشكل كبير في حلها، ومن جانب آخر، سيساهم في إيجاد أرضية التقاء بين المخلصين من طرفي النزاع في ليبيا، سبتمبر وفبراير، لبناء أسس دولة ليبيا الجديدة.

السبب الثاني: الواجهات السياسية ما بعد فبراير:

حتى يكون طرحنا موضوعياً، فمن الإنصاف أن لا نلقي باللائمة على النظام السابق ونحمله إخفاقنا وإفلاسنا، بل علينا أن نضع الموازين القسط لكل من تصدر المشهد العام، أحزاباً وهيئات وتجمعات وأفراد ومؤسسات، فيما يُعرف بالتوجهات السياسية ما بعد فبراير. ويمكن تقسيم هذه التوجهات قسمين، القسم الأول المعارضة التي كانت بالخارج، والقسم الثاني تيار ليبيا الغد، وهذا القسم الأخير ينقسم قسمين، قسم يميل إلى التيار العلماني، وقسم يميل إلى التيار الإسلامي. ويمكن تناول هذه الأقسام على النحو التالي:

المعارضة الخارجية:

المقصود بالمعارضة التي كانت في الخارج، هم أولئك الذين لهم نشاط سياسي أو حقوقي ضد نظام القذافي وكانوا مقيمين في أمريكا والدول الأوربية وغيرها، وتعد «جبهة إنقاذ ليبيا» بقيادة د. محمد المقريف، والتي تحولت إلى حزب بعد فبراير، من أبرز التيارات السياسية المعارضة التي كانت في الخارج، يضاف إلى حزب «جبهة الإنقاذ» الكثير من الشخصيات المستقلة، الذين رجعوا من الخارج وانخرطوا في العمل السياسي بعد انهيار النظام السابق، وقد علق الناس على هؤلاء كثيراً من الآمال في تحقيق الطموحات المرجوة.

تيار ليبيا الغد:

كما أسلفنا فإن هذا التيار ينقسم قسمين:

حزب تحالف القوى الوطنية:

وقد تشكل هذا الحزب بعد إعلان التحرير في مدينة طرابلس بقيادة د. محمود جبريل. ويعد هذا الحزب من أكبر الأحزاب على الإطلاق، وقد حظي بدعم داخلي وخارجي كبير، باعتباره رفع شعاراً يلامس حاجة المواطن كـ«التنمية المستدامة» وغيرها من الشعارات التي كان المواطن البسيط يتلمسها، وكذلك وجدت فيه بعض الدول الإقليمية والدولية ما يحقق أهدافها في ليبيا فدعمته دعماً مطلقاً.

حزب العدالة والبناء:

وهذا الحزب يعد الواجهة السياسية لجماعة الإخوان المسلمين المعروفة، ومما هو معروف أن جماعة الإخوان قد اضطهدت في زمن النظام السابق، وكان العديد من كوادرها في السجون، إلا إن عاطفة الناس الدينية جعلت الكثير منهم يتعاطفون مع حزب العدالة والبناء ويدعمونه ويصوتون له، مع عدم اقتناع الكثير منهم بالحزب ولا بتوجهاته وقياداته إلا إن الخيارات المطروحة للناس كانت محدودة جداً.

تقييم الواجهات السياسية ما بعد فبراير:

هناك إجماع بين الناس، نخب وعامة، على أن الواجهات السياسية ما بعد فبراير أخفقت إخفاقاً ظاهراً، لا يختلف منصف عاقل أياً كان توجهه وتفكيره في هذا التقييم، وإن اختلفت نظرتهم للأسباب، إلا إن هناك توافقاً كبيراً على قضية إخفاق الأحزاب والواجهات السياسية، ولعلنا في هذا المقام نلخص أهم أسباب تلك الإخفاقات:

لم تضع الأحزاب رؤية واضحة المعالم للخروج بالشعب الليبي من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة.

الانفصام الشديد بين الشعارات التي ترفعها الأحزاب وبين التطبيق العملي والممارسات التي تمارسها تلك الأحزاب.

المصالح الحزبية مقدمة على مصلحة الوطن والمواطن.

تولي المناصب في الدولة الليبية مبني على الانتماء الحزبي وليس على المهنية والكفاءة.

الخطاب الإعلامي لتلك الأحزاب والمتمثل في بعض القنوات ساهم بشكل كبير في زيادة الأزمة، ولم يرتقِ إلى مستوى بناء وطن.

الصراع المحموم بين الأحزاب على النفوذ والسلطة.

إقصاء غالب النخب الوطنية التي لا تنتسب بشكل أو بآخر إلى تلك الأحزاب.

بروز بعض القيادات في تلك الأحزاب والتي لم تكن محل ترحيب عند الليبيين لخلفياتها الفكرية، أو ارتباطها بالنظام السابق، أو دخولها في منظمات أو تنظيمات محل جدل.

فقدان تلك الأحزاب للقاعدة الشعبية التي لم تر مصداقية شعارات تلك الأحزاب.

هذه أهم الأسباب التي جعلت الناس تنفر أشد النفور من تلك الأحزاب، مهما تنوعت واختلفت شعاراتها، ولعله من هذه الحيثية تحديداً صار من الضروري للمخلصين والوطنيين إيجاد بديل يجمع بين تحقيق رغبات وطموحات الناس وبين العمل المهني المنظم.

• حتمية إيجاد بديل وواجهة جديدة:

أسلفنا أن نفور الناس من الأحزاب والشخصيات التي ظهرت وبرزت بعد فبراير صار واقعاً لا يمكن تجاهله، إلا إن هذا النفور لا يكفي لبناء دولة مؤسسات، إذ لا بد من إيجاد بديل يستطيع مخاطبة النخب الوطنية وإقناعها بضرورة العمل المنظم بعيداً عن سلبيات وإخفاقات الأحزاب والواجهات السابقة. وهنا نلخص الأسباب التي تدعو إلى إيجاد البديل:

ضرورة إيجاد بديل يقوم بمهام ما أخفق فيه الآخرون.

احتواء الطاقات والنخب التي ليس لها انتماء وتفعيل طاقاتها وخبراتها نحو بناء الوطن.

صناعة القيادات الشبابية غير المنتمية للأحزاب وإشراكها في إدارة الدولة.

عدم وجود البديل يعني انفراد الأحزاب والواجهات السابقة بإدارة شؤون الدولة مما سيعيد الفشل ويكرر الفساد.

إبراز عناصر وطنية فاعلة ومخلصة لتغير تصورات الناس حول الأحزاب والعمل المؤسسي المنظم.

التواصل مع الدول الصديقة والتي تعنيها ليبيا لإطلاعهم على الواقع وإشراكهم في إيجاد حلول من شأنها أن تخدم الطرفين.

قطع الطريق على كل من يريد العبث بمقدرات وخيرات ليبيا.

ختاماً، وجب التنبيه أن الإخفاق في المشهد الليبي له أسباب كثيرة، قد نتناولها في مقالات لاحقة، إلا إنه في هذا المقال تم تسليط الضوء على الأحزاب السياسية. والله الموفق.