عن عطاء الخراساني قال: قالت امرأة سعيد بن المسيب: «ما كنا نكلمُ أزواجَنا إلا كما تكلمون أمراءكم: أصلحك الله، عافاك الله»[1].

وهذه المرأة هي أم حبيبٍ الدوسية بنت الصحابي الجليل الملازم للنبي صلى الله عليه وسلم أبي هريرة رضي الله عنه.

ولا غرابة أنْ تتحلى بكل هذا الأدب الزوجي فهي البنت الصالحة التي تربت تربية إسلامية قويمة، سواء كانت تلقتها على يد والديها الكريمين، أو تلقتها على يد زوجها سيد التابعين سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى.

وبهذه الكلمات القليلة أوجزت هذه المرأة الفاضلة التعريف الصحيح لـ«الزوج» ورفعتْ من شأنه، دون أنْ تنتقص من شأنها كـ«زوجة» من خلال صورة واحدة من صور التعامل الزوجي ذي الدلالة العميقة على هذا التعريف.

وتعريف الزوج بالسيد والأمير تعريفٌ خاص بالزوجة والأسرة والبيت، أيْ إنَّ كل زوج في الرؤية الإسلامية هو أمير وسيد في بيته وأسرته وعلى زوجته وبنيه، وهو تعريف مُستقى أساساً من هدي القرآن الكريم، فإنَّ الله عز وجل نعت الزوج بالسيادة في سياق قصة يوسف عليه السلام، قال الله تعالى: {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا الْبَابِ} [يوسف: 25]، قال المفسرون: السيد الزوج[2]. وقال محمد رشيد رضا: «كان النساء في مصر يُلقبن الزوج بالسيد واستمر هذا إلى زماننا»[3]. وقال ابن عاشور: «الظاهر أنه لم يكن ذلك مستعملاً في عادة العرب، فالتعبير به هنا من دقائق التاريخ»[4]. وبهذا يتبين لك أنه أدبٌ زوجي أراد القرآن الكريم تعليمه نساء المسلمين، فتعلمنه وترجمنه واقعاً في حياتهم، كما أفادت أم حبيب رحمها الله تعالى في الأثر الآنف الذكر، ولذلك كانت الفقيهة التابعية أم الدرداء، زوجة الصحابي الجليل أبي الدرداء رضي الله عنه، إذا حدَّثتْ عن زوجها قالت: «حدثني سيدي»[5].

وفي واقع الأمر أنَّ هذا الأدب ليس مقتصراً على طريقة النداء والتخاطب والتواصل فحسب، بل هو انعكاس لخضوع المرأة الحقيقي لزوجها، ولذلك تخاطبه كما يخاطَب الأمراء والأسياد، قال محيي الدين بن أحمد: «كانت تقول المرأة لبعلها: يا سيدي. لملكة التصرف فيها»[6].

وهذا الخضوع يقابله عطف الزوج ورحمته وتحمله للمسؤولية الزوجية والأسرية على أحسن الوجوه، فهو خضوع راقٍ مبناه على الحب المتبادل بين الزوجين، وهو خضوع يوافق فطرة المرأة التي فطرها الله عليها، إذ تتطلع المرأة دوماً إلى رجل يأمرها وينهاها ويقوم على مصالحها وتعيش في ظل سيادته؛ إنها فطرة القوامة، قال الله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34]، قال ابن عباس: «أمراء، عليها أن تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته»[7].

الحديث عن مفهوم القوامة والسيادة، وما يقابله من الخضوع طويل ومتشعب، وإنما أردت الإشارة إلى هذا المفهوم الذي انحسر اليوم في تصورات المسلمين والمسلمات إلى أنْ أصبح غريباً مستنكراً، وعليه، فإنَّ واجب التربية اليوم الاعتناء بهذا المفهوم وتربية البنات عليه وتأهيلهن لأنْ يكنَّ زوجات صالحات بالمفهوم القرآني، وهو الذي يعني صالحات لأزواجهن طائعات مقصورات عليهم.

توريث الآداب الزوجية:

لم يكن حديث أم حبيب عن أدب التواصل مع الأزواج بدعاً مبتكراً، ولا فلتة عابرة، وإنما هي الآداب الإسلامية يتوارثها الفضلاء جيلاً بعد جيل، وإذا كانت بنت أبي هريرة رضي الله عنه بهذا الأدب فكيف كانت تربيتها لبنتها؟

قال كثير بن المطلب بن أبي وداعة: «كنت أجالس سعيد بن المسيب، ففقدني أياماً، فلما جئته، قال: أين كنت؟ قلت: توفيت أهلي، فاشتغلت بها. فقال: ألا أخبرتنا، فشهدناها. ثم قال: هل استحدثت امرأة؟ فقلت: يرحمك الله، ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟ قال: أنا. فقلت: وتفعل؟ قال: نعم. ثم تحمد، وصلى على النبي وزوجني على درهمين - أو قال: ثلاثة - فقمت، وما أدري ما أصنع من الفرح، فصرت إلى منزلي، وجعلت أتفكر في من أستدين. فصليت المغرب، ورجعت إلى منزلي، وكنت وحدي صائماً، فقدمت عشائي أفطر، وكان خبزاً وزيتاً، فإذا بابي يقرع. فقلت: من هذا؟ فقال: سعيد. فأفكرت في كل من اسمه سعيد إلا ابن المسيب، فإنه لم يُر أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد، فخرجت، فإذا سعيد، فظننت أنه قد بدا له. فقلت: يا أبا محمد، ألا أرسلت إلي فآتيك؟ قال: لا، أنت أحق أن تؤتى، إنك كنت رجلاً عزباً، فتزوجت، فكرهت أن تبيت الليلة وحدك، وهذه امرأتك. فإذا هي قائمة من خلفه في طوله، ثم أخذ بيدها، فدفعها في الباب، ورد الباب. فسقطت المرأة من الحياء، فاستوثقت من الباب، ثم وضعت القصعة في ظل السراج لكي لا تراه، ثم صعدت السطح، فرميت الجيران، فجاؤوني، فقالوا: ما شأنك؟ فأخبرتهم، ونزلوا إليها، وبلغ أمي، فجاءت، وقالت: وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها إلى ثلاثة أيام. فأقمت ثلاثاً، ثم دخلت بها، فإذا هي من أجمل الناس، وأحفظ الناس لكتاب الله، وأعلمهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعرفهم بحق زوج. فمكثت شهراً لا آتي سعيد بن المسيب، ثم أتيته وهو في حلقته، فسلمت، فرد علي السلام، ولم يكلمني حتى تقوض المجلس. فلما لم يبق غيري، قال: ما حال ذلك الإنسان؟ قلت: خير يا أبا محمد، على ما يحب الصديق، ويكره العدو. قال: إن رابك شيء، فالعصا. فانصرفت إلى منزلي، فوجه إلي بعشرين ألف درهم»[8].

لقد وجد هذا الرجل زوجته من أحفظ الناس للقرآن وأعلمهم بالسنة وأعرفهم بحق الزوج على زوجته، فهي لم تتزوج حتى صارت أهلاً للزواج، بما تربت عليه وبما تعلمته. ولم يقتصر والدها على ذلك، بل هو يتابع شأنها بعد الزواج، اهتماماً ورعاية وعطفاً، وإنك لتلمس في طيات هذه القصة ما يكمن خلف أفعال سعيد بن المسيب من أفكار وتصورات.

ألا تستحق فتياتنا أنْ يكون تأهيلهن للزواج وفق صياغة جديدة تجمع بين أصالة المفاهيم وحداثة التقنيات أولويةً في برامجنا التربوية!

ألا تستحق فتياتنا أنْ تعقد لهن البرامج التربوية التي تعزز أنوثتهن وتحافظ على جاذبيتهن وتُبقي على معدنهن، وتصقل شخصياتهن الحقيقية وتثوِّر قدراتهن الطبيعية في ما ينفعهن ويخدم أسرهن وأولادهن!

ألا تستحق فتياتنا أنْ ترسم لهن خطة قيمية، تعاد لهن فيها غراس الحياء وأسوار الاستعفاف ولوحات التبعُّل الجميلة.. خطة تصنع فيهن شموخ الفضائل وبناء المكارم!

إنَّ واجب التربية اليوم لفتياتنا هو إعادة النظر في البرامج التربوية المقدمة للفتيات، والتي يغلب عليها تحفيظ القرآن الكريم وتعليم الشريعة على حساب تعزيز الأنوثة وصقل الشخصية وتنمية التواصل، والخروج بتوصيات إبداعية تعدل بين كل هذه المضامين التربوية في ميزان تربوي علمي.

إنَّ النظر إلى شخصية الفتاة بوصفها محوراً تربوياً هو الأصل في التصور الإسلامي، وبقدر ابتعادنا عن تنمية شخصيتها يكون ابتعادنا عن الأصل.

الثقافة الوافدة:

لم ينحسر التصور الإسلامي الصحيح للحياة الزوجية عفواً، وإنما انحسر بفضل الثقافة الغربية الوافدة الممنهجة، التي جعلت الزوجة شريكةً والزوج شريكاً، وهو مفهوم مستقى من المادية الرأسمالية المبنية على تبادل المصالح المادية، والتي تجعل الزوجة كياناً مستقلاً منفصلاً عن الزوج، بينما الإسلام جعلها جزءاً من الزوج، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إلَيْهَا} [الأعراف: 189]. وقد وفدت هذه الثقافة الدخيلة عبر أربع بوابات:

الأولى: المسلسلات الأجنبية التي يغلب عليها العرض الاجتماعي وفق النظرية الغربية للعلاقة الزوجية.

الثانية: الكتب الأجنبية المترجمة في باب التنمية الأسرية والعلاقة الزوجية، والمبنية على النظريات الاجتماعية الغربية.

الثالثة: كتب الروايات الأجنبية التي تحكي الواقع الغربي الاجتماعي.

الرابعة: الدورات التدريبية في التنمية الأسرية والتأهيل الزواجي، والتي يغلب عليها اليوم عدم السلامة من اللوثة الغربية في تفسير الزواج، وما ينتج عن هذا التفسير من لوازم.

كل هذه البوابات لا تزال مشرعة أمام فتياتنا، وهنَّ يستقين منها ـ بقصد أو بغير قصد ـ ثقافتهن الزوجية وتفسيرهن لمفاهيم الزواج، بينما لا تزال محاضننا التربوية تقدم التصور الإسلامي للزواج بضعف: ضعفٍ في التصور، وضعفٍ في العرض.

أما ضعف التصور، فإنه أذهلني قصور مفاهيم الزواج لدى كثير من المربيات والمعلمات، وهذا يتطلب تأهيلاً وتحسيناً لهن على هذه المفاهيم.

وأما ضعف العرض، فلا تزال المحاضن التربوية تجعل من شأن الزواج شأناً متخصصاً يعزى إلى جهات محددة أو أسماء محددة فقط، بينما هو يمثل محوراً من محاور تربية البنات، وبالتالي فإن مفاهيم الزواج تظهر بشكل باهت وفي برامج ضعيفة القوالب. وعلى أي حال؛ المسألة فيها نظر!

يتوجب اليوم على محاضن التربية أنْ ترفع من مستوى أدائها لتكون قادرة على سدِّ هذه الفجوة الثقافية، لا بالتذكير والوعظ فقط، وإنما باستحداث أجود التقنيات التربوية، وأقدرها على إنتاج فتيات صالحات.

المشكلات الزوجية:

تمثل المشكلات الزوجية أحد العناصر الموجودة في الحياة الزوجية، شئنا أمْ أبينا، إذ تتكرر في أغلب البيوت، ولو سلم منها بيتٌ لسلم منها بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وقصة الإيلاء مشهورة، وبالتالي فهي نمط يلزمه فقهٌ وتدريب وثقافة. وهي بهذا التوصيف لا تمثل خطراً أو مهدداً لكيان الأسرة لكونها في السياق الطبيعي، وكانت ولا تزال بيوت الناس هكذا.

إنما تكمن خطورة المشكلات الزوجية في الثقافة التي تؤسس للممارسات الخاطئة أثناء حدوث هذه المشكلات، وفي الخلاف الذي انبعثت منه هذه المشكلات.

كما أسهمت الثقافة الزوجية الوافدة في خلق تصورات خاطئة وشجعت على ممارسات خطيرة في هذه المسألة، ليس هذا مقام بسطها، وإنما الإشارة إليها.

وواجب التربية اليوم تنقيح التصورات الخاطئة المتعلقة بالمشكلات الزوجية أولاً، ثم الاهتداء بالترجمة السلفية العملية لهذه التصورات، فإنَّ سلفنا الصالح استطاعوا - برغم وجود المهددات - أنْ يحافظوا على كياناتهم الزوجية، وأنْ يجعلوا منها نماذج اقتداء واهتداء، وهذا واضح معلوم منثور في كتب التفسير والحديث والتراجم والطبقات.

إنَّ صناعة زوجة صالحة وفق مفهوم القرآن الكريم هو اللبنة الأولى في تأسيس مجتمع مسلم، وإنَّ هذا المُخرج التربوي مما تثنى به الخناصر حين تُعدَّد المخرجات التربوية في تربية البنات.

 


 


[1] حلية الأولياء 5/198.

[2] تفسير الطبري 13/102.

[3] تفسير المنار 12/236.

[4] التحرير والتنوير 12/256.

[5] صحيح مسلم 4/2094 كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب ح2732.

[6] إعراب القرآن وبيانه 4/474.

[7] تفسير الطبري 6/687.

[8] سير أعلام النبلاء 4/234.