إن كثيراً من الناس في هذا الزمن ابتلي بالقلق أو الاضطراب في أمور المعيشة أو الصحة أو غير ذلك من حاجيات الدنيا أو أمورها. وعلاج ذلك في آية من كتاب الله! قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْـحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} [محمد: ٢].

وهذا خبر محقق، عبر بالماضي إيذاناً بأنه لا يتخلف، فمن حقق الإيمان؛ قولاً قلبياً وعملاً، ثم أتبعه بالصالحات، وأولها الفرائض والواجبات ثم ما تيسر له من شعب الإيمان وخصاله، فهو موعود وعداً صادقاً بأمرين:

الأول: تكفير السيئات؛ بمعنى سترها، والتجاوز عنها، وعدم المآخذة بها، وفي النص عليها تنبيه على أن الإيمان والعمل الصالح لا يقتضي العصمة، بل قد تقع السيئة، وتحصل الزلة، لكن من تدارك فحقق الإيمان ـ ومن ذلك ألا يصر على العصيان ـ ثم أصلح فإن الله يغفر له.

وفي تقديم تكفير السيئات على إصلاح البال بدءٌ بالتخلية قبل التحلية، إشعاراً بأن المرء يؤتى من قِبل السيئات، وأنها سببٌ للهموم والغموم والأحزان، واضطراب الحال، وأن صلاح البال لا يتأتى معها.

والثاني: صلاح البال؛ وهو صلاح الأمر والحال بتيسير شؤونهم الدنيوية، وأصل ذلك أن البال هو الخاطر في القلب وبين صلاحه وصلاح شأن المرء تلازم.

ثم هذا الصلاح اللازم لصلاح حال القلب إما أن يكون بتيسير الأمور، وقضاء الشؤون، وإما أن يكون بأن يرزق صاحبها الكنز الأعلى وهو الرضا، وقد يكون بكل ذلك، وهو الأصل.

ومن ثمرات إصلاح البال، أن يرشدهم الله لأعمال الخير والبر في الدنيا، فإن قرير العين، مطمئن النفس، مرتاح الضمير، صالح البال أقدر على التصرف والنظر والاختيار، وأبصر بمواضع الإقدام ومواطن الإحجام، لا يقدم عاجلاً على فانٍ، ولا لذة عابرة تورث حسرة طويلة، يؤثر الآخرة على الأولى، فيورثه الله نعيم الجنة في الآخرة مع صلاح الحال في الدنيا كما قال: {مَنْ عَمِلَ صَالِـحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97]، فمن أحسن عمله في الدنيا أحسن الله جزاءه في الآخرة. هذه الآية في سورة النحل والآية المتقدمة في سورة محمد من أعظم الآيات المرشدة لطريق السعادة في الدارين.

وفي المقابل فإن من اختل عنده شيء في حياته فليتفقد أول ما يتفقد دينه، وحاله! فمبدأ الخلل من نفسه، ومن لم يصلح له باله فكيف يصلح حاله! ومن أعظم أسباب عدم إصلاح البال الذنوب والمعاصي؛ فكما أن الكفار يبطل الله أعمالهم ويشقيهم كما قال: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: ١]، فمن عنده شيء من أعمال الكفار أو شعب الكفر - وإن لم يكن بذلك خارجاً عن الملة - يكون له من الضلال عن الطريق والشقاء وذهاب البركة بمقدار ما عنده من ذلك الضلال الذي ارتكبه.

والمقصود أن نعلم بركة العمل الصالح وتحقيق التقوى، والأثر الطيب لذلك في العاجل والآجل، ونعرف شؤم المعصية وأثرها على مرتكبها في الدنيا قبل الآخرة، مستحضرين إذا تقلبت بنا أمور الحياة قول ربنا: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} [الشورى: 30].

ثم علينا أن نعلم أن لصلاح البال أسباباً من أعظمها:

العبادة، وحسن العلاقة مع الله: وذلك أقصر طريق لصلاح البال، قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنّه» (رواه البخاري). وتأمل كيف قرن الله عز وجل بين الأمر بالعبادة وتكفله بالرزق حيث قال: {وَمَا خَلَقْتُ الْـجِنَّ وَالإنسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ 56 مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ 57 إنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْـمَتِينُ} [الذاريات: 56 - 57]، وفي المقابل قال: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124]، فبقدر الابتعاد عن الله، وبقدر ضعف الصلة به، يكون الشقاء والضنك وسوء البال ومن ثم الحال.

تقوى الله عز وجل: قال تعالى: {أَلا إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ 62 الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ 63 لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يونس: 62 - 64]، وتقوى الله تعالى تقتضي مع عبادته البعد عن معصيته وأسباب سخطه، فالعبادة وحسن العلاقة أخص بفعل المأمور، والتقوى أخص بترك المحظور وبينهما من التلازم ما لا يخفى.

سلامة القلب: ولا تكون إلا بتحقيق التوحيد وكمال تعلق العبد بالله عز وجل حباً وخوفاً ورجاءً وطمعاً وتوكلاً، مع سلامته من الآفات كالحسد والحقد والغل، وهلم جراً. دُخل على أبي دجانة رضي الله عنه وهو مريض وكان وجهه يتهلل! فقيل له: ما لوجهك يتهلل؟ يعني مع شدة مرضك وما نزل بك! فقال: ما من عملي شيء أوثق عندي من اثنتين: أما إحداهما فكنت لا أتكلم في ما لا يعنيني، وأما الأخرى فكان قلبي للمسلمين سليماً[1]. وقال بعضهم يصف سليم القلب:

مستريحُ الأحشاءِ من كلِّ ضغنٍ

باردُ الصَدرِ من غليلِ الحَسُودِ

 قال الأصمعي: رأيت أعرابياً أتى عليه عمر كثير، فقلت: أراك حسن الحال في جسدك! قال: نعم تركت الحسد فبقيت نفسي[2]!

توحيد الهم: بأن يكون الهم هماً واحداً، وهو هم الآخرة، جاء في الحديث المرفوع عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «من جعل الهموم هماً واحداً هم آخرته كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبالِ الله في أي أوديتها هلك»[3].

القناعة بالرزق، ومعرفة فضل الله في ما أعطى: قال تعالى: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: ١٣١]، وفي الحديث: «من أصبح منكم آمناً في سربه، معافًى في بدنه، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا»[4]، فمن قنع استراح ومن طمع تعب وأتعب، ثم قد يحصل له ما طمع فيه وقد لا يحصل.

هذا والله أسأل أن يهدينا، وأن يكفر سيئاتنا ويصلح أعمالنا وبالنا وأحوالنا وأولادنا، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 


 


[1] رواه ابن سعد في الطبقات 3/556.

[2] محاضرات الأدباء 1/317.

[3] رواه ابن أبي شيبة 7/76، وابن ماجه في سننه (257)، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه (207).

[4] رواه البخاري في الأدب المفرد (300)، وابن ماجه في سننه (4141)، وحسنه الألباني في صحيح الأدب (230).