قال لي صاحبي بينت في المقالات السابقة[1] نماذج من المحكمات، والآن أسألك عن معنى التجديد؟

فقلت له: التجديد بإيجاز أن يقوم عالم رباني مصلح بنصرة الدين وإظهار الحجة في العلم ونصرة السنة ولو في جانب منها.

قال: اذكر لي أسماء بعض هؤلاء المجددين على فترات التاريخ.

قلت: هم كثير ذكرهم يطول!

قال: ولو ثلاثة أسماء مشهورة حتى أتصور معنى التجديد!

قلت: المجددون في هذه الأمة كثير ومنهم الخليفة عمر بن عبد العزيز، والإمام أحمد بن حنبل، وهؤلاء الذين ذكرناهم ليس على سبيل الحصر وإنما على سبيل المثال، ومنهم الإمام الشافعي رحمه الله، فقد جدد علم أصول الفقه ونصر السنة، ومنهم الإمام أحمد بن تيمية رحمه الله فقد جدد العلم ودافع عن علم السلف وكشف خطر الفرق المنحرفة، ومن المجددين في العصور المتأخرة شيخ الإسلام العالم محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، فقد جدد أمر الإسلام ودعا إلى التوحيد والسنة وحارب الشرك والبدع والخرافات.

قال لي صاحبي: اذكر لي ترجمة الإمام الشافعي وأوجز.

قلت: هو الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يلتقي نسبه مع النبي صلى الله عليه وسلم في عبد مناف بن قصي، ولد عام 150هـ في غزة وتوفي عام ٢٠٤هـ، مات أبوه وهو صغير، ودخل مع أمه بعد سنتين الحجاز، وأمه أزدية، وحفظ القرآن في سن السابعة، وأقبل على تعلم اللغة العربية وبرز فيها، وعاش مع قبيلة هذيل في البادية وأخذ اللغة بالتلقي منهم، وأصبح بعد ذلك من أئمة اللغة الذين يحتج بكلامهم، وتعلم الفقه والحديث، وأخذ عن كبار علماء عصره، وأذن له بعض مشايخه في الفتيا لما ظهر نبوغه وهو شاب في سن العشرين، ولم يزل يتدرج في التعلم على كبار علماء عصره حتى تمكن في العلم، وظهر صيته ودافع عن السنة، وجدد في العلم حتى لقبه أهل السنة بناصر السنة.

قال لي صاحبي: ما أبرز الانحرافات التي كانت في عصره؟

قلت: كان عصر الشافعي يمور بالفرق والاختلافات والبدع ومن أبرز هذه الفرق الخوارج[2]، القدرية[3] والجهمية[4]، وراج مذهب المعتزلة بسبب دعم الدولة العباسية له، ومن أبرز علمائه في بداياته: واصل بن عطاء[5][6] الذي بدأ نشاطه عام 110هـ تقريباً، فقد ولد عام 80هـ وتوفي 151هـ، وقد أدرك الإمامُ الشافعي نشاط حركة الاعتزال في قوتها، حيث بدأ نشاطها يستفحل في العشرين بعد المئة، ودعمتها الدولة العباسية بإنشاء حركة الترجمة، واستيراد علوم الفلسفة من خارج الأمة الإسلامية.

قال لي صاحبي: ما هي العلاقة بين حركة الترجمة وحركة الاعتزال؟

قلت: كانت بداية فترة الترجمة في حياة هارون الرشيد، وقويت في عهد ابنه المأمون 198هـ، وكانت تسمى دار الحكمة، وقد أمدها المأمون بكثير من المترجمين، والمصححين وأرسل البعثات إلى أرض الروم واليونان وقبرص، وجلب كتب الفلسفة وترجمها ولم يقتصر على ما يحتاجه المجتمع الإسلامي من ترجمة علوم الطب والرياضيات والفلك وبقية العلوم المادية، بل ترجم تراث الفلاسفة، ولهذا سميت هذه الدار بدار الحكمة، وبهذا تقوى مذهب الاعتزال، وتوجه نحو حكمة اليونان والفلاسفة، وانصرفوا عن علوم المسلمين التي كانت في عهد الصحابة والتابعين، وصادموا عقائد المسلمين المعلومة في صفات الله وفي القدر وفي القرآن، محاولين تغيير وجهة المجتمع الإسلامي.

قال لي صاحبي: ما دور بقية الطوائف في دعم هذا الاتجاه؟

قلت: شارك النصارى في الترجمة، ومن هؤلاء حُنين بن إسحاق ويوحنا الدمشقي، وشارك في الترجمة أيضاً أهل البدع، والمجوس، معتمدين على الدعم السياسي والمالي الذي وفره لهم المأمون، وهذا أول انحراف في الدولة العباسية، وتقوى فيها بعد ذلك الفرس وانتعشت حركة التشيع، واستفحل أمرها في العصر العباسي الثاني حتى استقلوا بدول خاصة بهم ليس لها ارتباط بالدولة الأم إلا في بذل الخراج للخليفة العباسي، والدعاء له ومن دول التشيع في تلك الفترة دولة بني بويه.

قال لي صاحبي: ما الفرق بين دولة بني العباس ودولة الأمويين من حيث نصرة السنة؟

قلت: قام ملوك بني العباس منذ عهد المأمون عام 198هـ إلى 227هـ في أكثر من حقبة رئاسية على نشر المذاهب البدعية التي لم يكن يعرفها أهل السنة والتي كانت الدولة الأموية تحاربها لأن خلفاء بني أمية هم أهل السنة وأنصارها، والداعمون لها في جميع المجالات، وهم الذين قضوا على رؤوس البدع، وقد استفدت هذه الفروق من أستاذي الفاضل سليمان بن إبراهيم العابد[7]، حيث قارن بين علماء البلاط في دولة بني أمية وفيهم كبار التابعين وعلماء السنة الثقات، وبين علماء بلاط دولة بني العباس من المعتزلة الذين تخلوا عن السنة وقمعوا أهلها، وبذلوا الغالي والنفيس من أجل تغيير مناهج العلم والفكر، ولا يزال الانحراف في الدولة العباسية يزداد في الابتعاد عن أهل السنة والاعتماد على علماء البدعة وعلى العنصر الفارسي وعلى الفكر الفلسفي التغريبي، حتى استبدت السلطة من عهد المأمون في بداية القرن الثالث إلى ما بعد 227هـ، وبلغت شدتها في عهد المعتصم وقد كان مقلداً للمعتزلة ومستبداً، فبطش بأهل السنة، وعزلهم عن المجتمع، وأصبح البلاط العباسي يتحكم فيه أهل الأهواء، وتستبد به الفرق المنحرفة وأئمة الزيغ والضلال وعلى رأسهم أئمة المعتزلة.

قال لي: ما أثر ذلك على الثقافة والعلم؟

قلت: راجت في هذه الفترة علوم الفلسفة وتم تقديمها على علوم النقل وأصبح الكتاب والسنة لا يمثل عند هؤلاء المرجعية، وأصبحت الثقافة مرتبطة بالتراث الفلسفي والعلوم العقلية، وأصبح الانتساب إلى الكتاب والسنة عند أصحاب هذه الاتجاهات العقلية أو ما يسمي بعلوم العقليات مجرد شعارات، لا يلتزمون بنصوص الوحيين ولا يحتجون بها في ثقافاتهم وعقلياتهم، وتقدمت في هذه الفترة علوم الفلسفة وراجت بين الفرق مدعومة بقوة السلطان.

وفي هذه الفترة ظهر الإمام الشافعي واشتهر بقوته العلمية وإمامته في الدين وأصبح إماماً في اللغة وإماماً في الفقه وإماماً في الأصول، ومقدماً في نصرة الفقهاء والمحدثين، ونال شرف أكبر جائزة عالمية عند السنة حيث لقب بـ«ناصر السنة».

قال لي صاحبي: زعمت أن أئمة المعتزلة ومن شابههم من أهل الأهواء في تلك الفترة استحدثوا مرجعية في الفكر والاعتقاد غير مرجعية النصوص الشرعية، وفصلت الكلام على ذلك في كتابك «الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية»، فلعل من المناسب أن تورده لنا في هذا المقال!

قلت: نعم.

قال واصل بن عطاء رأس المعتزلة (80 - 151هـ): «إن كل خبر لا يمكن فيه التواطؤ والتراسل فهو حجة، وما يصح ذلك فيه فهو مطرح»، وهذا النص نقلته على هذا النحو من مصدره، ومعناه أن كل خبر - وإن كان خبر الرسول - لا يمكن - المقصود الإمكان العقلي - أن يتم عليه الاتفاق على التراسل والتواطؤ من ناقليه فهو حجة، وما أمكن فيه ذلك فهو مطرح، أي ليس بحجة.

والنص ظاهر الدلالة على أن اعتبار حجة الخبر إنما يكون في حالة دون حالة ولا عبرة بصحة السند وعدالة رواته وحفظهم وضبطهم فإن ذلك وحده لا يكفي، بل لا بد من الاستناد إلى حجة العقل وهي إثبات عدم إمكان التوافق والتراسل، وذلك إنما يكون في بعض الأخبار، وحينئذ تثبت بها الحجة، أما النوع الثاني فلا تثبت به.

ونلاحظ هنا أنه لم يستعمل اصطلاح المتواتر والآحاد بما يشعر أنه لم يكن معروفاً حينذاك، وتفيدنا هذه الملاحظة هنا أن رفع الحجية عن الخبر لا يقتصر على الآحاد بالاصطلاح المتأخر بل هو أوسع من ذلك، يدل عليه قوله: «إن كل خبر لا يمكن فيه التواطؤ فهو حجة»، وخبر الواحد أو الجماعة التي تزيد عن الواحد يمكن فيه التواطؤ وحينئذ ترتفع عنه الحجية، ولذلك نجد المتكلمين تواضعوا - كما يقول القاضي ابن الباقلاني: «على تسمية كل خبر قصر عن إيجاب العلم بأنه خبر واحد، وسواء عندهم رواه الواحد أو الجماعة التي تزيد عن الواحد.

ولنا أن نلاحظ أيضاً أن قوله: «ما أمكن فيه ذلك فهو مطّرح» أن الاطراح يشمل عدم إفادته العلم والعمل معاً، لأنه لم يفرق في النص المذكور بينهما، ولو كان يفيد العمل لما طرحه مطلقاً.

والحاصل أن هذا يعتبر من أول نصوص أهل الأهواء من ناحية اشتراط الإمكان وعدمه في صحة الخبر وحجيته، ونستفيد منه على وجه التحديد الأمور التالية:

 أن الاتجاه العقلي بدأ يتحكم في الأخبار الشرعية عند إمام المعتزلة.

 أن النتيجة المترتبة على ذلك هي اطراح جميع الأخبار ما لم يقرر العقل عدم إمكان التواطؤ والتراسل. يستوي رد خبر الواحد أو أكثر من الواحد، ويستوي عدم إفادتها للعلم والعمل أيضاً.

 أن الأصول الأولى في بناء فكر المعتزلة قامت على هذا الأساس.

تطور فكر المعتزلة على يد أبي الهذيل العلاف (ت 232هـ):

يعد أبو الهذيل[8] المناظر والمقرر لطريقة شيوخه في الاعتزال، وهو الأداة التي تم عن طريقها ربط الفكر المعتزلي بالفكر الفلسفي.

وإليك ما يثبت هذه القضية من الأدلة المنقولة عن كتب المعتزلة:

أ- أنه أول معتزلي استفاد من الكتب التي ترجمت أفكار الفلاسفة والتي تُرجمت في عهد المأمون سنة 218هـ، ونقل آثارها إلى الإسلام وخلط كلامه بها ونثبت هذا بطريقين:

الأول: شهادة النظام[9] وهو تلميذ من تلامذة أبي الهذيل، وقد نقلها القاضي عبد الجبار، وحاصلها أن النظام نظر في كتب الفلسفة ودقيق الكلام ثم علم أن أبا الهذيل شيخه يجمع ذلك كله وأكثر منه، بل إن النظام - مع أنه من أكبر أنصار عقيدة المعتزلة - يعد من غلمان أبي الهذيل.

الثاني: قول الشهرستاني في الملل والنحل حيث ذكر أنه أول من استفاد من كتب الفلاسفة التي تُرجمت وخلط كلامه بها.

ب- أنه دعم مقالة مؤسس فرقتهم وزاد فيها حيث جعل الرواية للأخبار ريبة، وجعل الحق في اتباع المقاييس، وهو أول من قال بوجوب النظر.

وبذلك نستطيع أن نقرر هنا أن مقالة واصل بن عطاء تطورت على يد أبي الهذيل لتصبح: الحجة فقط في اتباع المقاييس العقلية. وهنا التقى فكر المعتزلة بفكر الفلاسفة.

ولا يعكّر على هذا التقرير القول بأن أبا الهذيل اشترط للمتواتر شروطاً ليحتج به، وهذا يفيد أنه لا يعتمد على المقاييس العقلية فقط، ذلك لأن شروطه من أعجب الشروط ولا تدل بحال على أنه يسلم بحجية الأخبار ويكفي أن نعلم أنه يشترط لحجية الخبر أن يكون متواتراً وأن يكون أحد رواته من أهل الجنة، وهذا يدل على تلاعبه وعبثه، ويؤكد اعتقاده الخبيث من أن «الرواية ريبة والحجة في المقاييس».

تطورها مرة أخرى على يد النظام:

وإذا صرنا إلى النظام نجده قد حفظ كتاب أرسطاطليس في الفلسفة والمنطق، وقد قال عنه تلميذه الجاحظ ما رأيت أعلم بالكلام من النظام، وقد شهد النظام على نفسه بذلك.

وكان من ثمرة ذلك كله أن قَوي اتجاه فكر المعتزلة نحو فكر الفلاسفة واشتد تمسكهم بمنهجهم العقلي الذي أخذ في التولي عن الأدلة النقلية رويداً رويداً حتى بلغ القمة على يدي النظام، فبقدر ما يقربون من الفكر الفلسفي المترجم بقدر ما يبعدون عن الأدلة النقلية، فلما تعانق الفكر المعتزلي والفلسفي على يد النظام استوت مقالة واصل بن عطاء على سوقها بعد أن اشتد عودها على يد أبي الهذيل لتعجب الفلاسفة وتغيظ أهل السنة، فكانت مقالة النظام أن الحجة العقلية قادرة على نسخ الأخبار. وتجاوز النظام بقوله هذا قول صاحبيه من قبل واصل بن عطاء وأبي الهذيل، وتمت مقالة المعتزلة على ثلاث مراحل:

الأولى: اطراح جميع الأخبار ما لم يتقرر عدم إمكان التواطؤ.

الثانية: الأخبار ريبة والحجة في المقاييس.

الثالثة: الحجة العقلية قد تنسخ الأخبار.

وننتقل بعد ذلك إلى آخر مقررات المعتزلة لنرى حصاد الفكر الفلسفي المعتزلي، ولنزداد إدراكاً لخطورته.

قال القاضي عبد الجبار المعتزلي، تحت عنوان: «بيان ما يجوز أن يدل عليه الخطاب وسائر الأدلة السمعية»، وأجاب عن اعتراض وُجّه إليه حاصله: أن الخطاب يدل كدلالة الخبر فإن لم تسلموا بذلك لزمكم القول بأن ما في القرآن لا يدل على عقيدتكم، ولا يجوز لكم الاحتجاج به.

فأجاب بقوله: «ليس بصحيح الاحتجاج بذلك في إثبات التوحيد والعدل وإنما نورده لنبين خروج المخالفين عن التمسك بالقرآن مع زعمهم أنهم أشد تمسكاً به، ونبين أن القرآن كالعقل في أنه يدل على ما نقول وإن كان دلالته على طريق التأكيد».

وقارن إن شئت بين محصلة قول أبي الهذيل: الأخبار ريبة والحجة في المقاييس. وبين قول متأخريهم: «ليس بصحيح الاحتجاج بذلك [أي بما في القرآن] في إثبات التوحيد».

وبعد تحليل نصوص أئمة الاعتزال الثلاثة يتبين لنا على وجه القطع أنهم لا يرون الحجة في اتباع الأخبار إلا بشروط عجيبة غريبة تدل بذاتها على عدم إثبات الحجة للأخبار الشرعية، ثم استقر الأمر عند المعتزلة على أن الحجة تعرف بالنظر العقلي وأن الشريعة قرآناً وسنة لا يصح الاحتجاج بها على إفادة العلم، ومن خلال هذه الدراسة نبين بوضوح أن القول بتضعيف الأدلة النقلية نشأ على يد أئمة المعتزلة: واصل بن عطاء، وأبي الهذيل، والنظام، وهم كما ورد في تراجمهم: أولهم مبتدع هالك، وثانيهم كذاب أفاك، وثالثهم زنديق متستر، وسابقهم الجعد بن درهم[10]. ثم إن فكر الفلاسفة شجع المعتزلة على التمسك بالأهواء ومخالفة أهل السنة، وقد استخدمه النظام وشيخه في إسقاط الحجة عن الأخبار الشرعية.

قال: تبين لي الآن خطر هذه المقالات والاتجاهات عند أهل الأهواء.

قلت: وقد كشف الشافعي عن خطر التبديل الشرعي، وحذر منه في مقدمة كتابه الرسالة في علم أصول الفقه، وسماهم في كتابه «أهل الارتياب»[11]، وهي تسمية مناسبة، ألا ترى قولهم سابقاً: «الأخبار ريبة».

وبين أن الحجة في النصوص الشرعية، وأنها هي المرجع الوحيد للعلم، وأكد على ذلك في مواضع كثيرة من هذا الكتاب وتميز فيه بقوة البيان والحجة، وكان مستقلاً كذلك في أسلوب الكتابة والتأليف، وقد استفاد من العلماء السابقين في المدارس الفقهية.

قال لي صاحبي: كيف استفاد الإمام الشافعي من المدارس العلمية السنية في عصره، وما هي أبرز رحلاته، وما أثر ذلك على قوته العلمية؟

قلت: لقد كانت هذه العلاقة علاقة تكامل، فهو تلميذ لتلك المدارس في تلك الفترة، حيث استفاد في نشأته العلمية من علماء مكة والمدينة والعراق ومصر، ومن أبرز شيوخه مالك بن أنس إمام دار الهجرة، حيث لازمه حتى بلغ التاسعة والعشرين، وانتقل إلى اليمن، واشتغل ببعض الولايات، وولي القضاء في نجران وقد وشى به حساده عند هارون الرشيد بأنه علوي وابتلي رحمه الله وحمل من اليمن إلى بغداد في القيد، وصبر وصابر واستمر في رحلاته العلمية وأخذ العلم عن العراقيين ومنهم الإمام محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة رحمهما الله، ثم عاد إلى مكة ومعه من كتب العراقيين حمل بعير، ورحل إلى بغداد مرة أخرى سنة ١٩٥هـ، وفي عام 199هـ رحل إلى مصر والتقى عدداً كبيراً من علماء المالكية، ولم يزل يشتغل بالتدريس والتأليف حتى توفي سنة 204هـ وعمره 54 سنة، وهذه الإشارات حول ترجمته تدل على حصوله على خبرة متنوعة في علوم شتى، واستفاد من خبرة العلماء الأكابر في شتى أقطار العالم الإسلامي، وكان له دور كبير في التجديد، وكوَّن خبرة علمية من خلال أعماله ورحلاته العلمية واطلع على تنوع المشارب والاجتهادات الفكرية، وهو من أكبر العلماء الذين جمعوا بين خبرة الفقهاء وشارك أهل الحديث في علومهم، ونصرهم في كتابه الرسالة، وهو إمام للفقهاء والمحدثين وفي اللغة، وعاش مع عصر التحولات الفكرية والأصولية، وبرز في دراسة مشاكل مجتمعه الفكرية وقدم الحلول لها، ولهذا كان مجدداً للعلم، والعمل بالدليل، وإحياء أصول السنة، واحتاج إليه كبار العلماء في العلم ومنهم الإمام عبد الرحمن بن مهدي، وهو من أئمة الحديث وتلميذ الإمام مالك بن أنس، وهو من علماء العراق حيث طلب من الإمام الشافعي في رسالة أرسلها إليه يرغب أن يحدد له الإمام الشافعي أصول العلم، وكتب عبد الرحمن بن مهدي إلى الشافعي وهو شاب أن يضع له كتاباً فيه معاني القرآن، ويجمع قبول الأخبار فيه، وحجة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة، فوضع له كتاب الرسالة.

قال عبد الرحمن بن مهدي: لما نظرت الرسالة للشافعي أذهلتني، لأنني رأيت رجلاً عاقلاً فصيحاً ناصحاً، فإني لأكثر الدعاء له، وما أصلي صلاة إلا وأدعو للشافعي  فيها[12].

فاستجاب الشافعي لهذا الطلب وألف كتاب الرسالة، واستمر في تنقيح هذا الكتاب من سنة 199هـ إلى 204هـ حيث أتم تنقيحه بمصر.

قال لي صاحبي: هل نستفيد من تجديد الشافعي اليوم في معالجة الانحرافات الفكرية في هذا العصر؟

قلت: نعم، ونؤكد ذلك بأمرين: أن الانحرافات الفكرية في هذا العصر هي امتداد لانحرافات أهل الأهواء كما بينا في المقالات السابقة، وقد تبين أن أهل الأهواء في كل عصر طريقتهم في التعامل مع أهل السنة متشابهة حتى لو تنازعوا واختلفوا فهم متفقون على مخالفة منهج أهل السنة ويصدون الناس عنه، ولهذا كان من أبرز الموضوعات التي عالجها الإمام الشافعي موضوع البيان، وتحديد طرق العلم، وتثبيت خبر الواحد والاحتجاج به، وتعظيم النصوص، وقد أكد في تجديده على إعادة الناس إلى النصوص الشرعية، وإتباع الشرع، وتعظيم أمر الله وأمر رسوله، ولا نزال نحتاج إلى الاستفادة من منهجه التجديدي، وسنؤكد في هذه المقالات المنطلقات والمعالم الأساسية التي اعتمدها الإمام الشافعي، وكانت أصلاً له لنصرة أهل السنة ومعالجة مشاكل عصره، والسعي في هداية المخالفين، والإجابة عن شبههم ومعالجة وبيان الآثار السلبية التي تترتب على ذلك.

قال لي صاحبي: بيِّن لي بعض الآثار السلبية التي ترتبت على مخالفة أصول السنة.

قلت: أولاً حاول أهل الأهواء إبعاد المجتمع عن علم الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم.

ثانياً: جعلوا الفلسفة وعلوم العقليات مقدمة على علوم الشرع، وهكذا صنع أهل الحداثة والعلمنة والمذاهب الفكرية في هذا العصر، وقد وقف هؤلاء وهؤلاء من تجديدات الشافعي موقفاً متشابهاً على تباعد العصور، وقد كشف عن ذلك العالم الفاضل الدكتور أحمد قوشتي عبد الرحيم، في كتابه «موقف الاتجاه الحداثي من الإمام الشافعي»[13].

قال لي صاحبي: هل نص الإمام الشافعي على تصنيف أهل الأهواء في كتابه الرسالة.

قلت: لم يصنفهم ولكنه أشار إلى انحرافاتهم وكشف عن خطرها مؤكداً وجوب التزام المسلمين بعقيدتهم الصحيحة، ووجوب التحاكم إلى النص الشرعي والإيمان بحجيته وتقديمه على ما سواه، وسماهم في كتابه أهل الارتياب.

قال لي صاحبي: لا شك أن مقالات أهل الأهواء خطر على الشريعة، ومآلها اطراح الشرع وتشكيك الناس فيه ودعوتهم إلى مرجعية أخرى، وما كنت أتصور أنهم يقولون الحجة العقلية قد تنسخ الأخبار كما قال أبو هذيل المعتزلي، وقول النظام من أئمتهم: «الأخبار ريبة والحجة في المقاييس»، وقول محقق مذهبهم القاضي عبد الجبار: «ليس الاحتجاج على عقائدنا بالقرآن»، وكذلك صنعت الرافضة إذ أحدثت للناس مرجعيات بشرية عزلتهم عن مرجعية الوحي، ومنحتهم القداسة والعصمة، ولهذا حذر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من خطر هذه الفرق على الإسلام قال الله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْـخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْـمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ104 وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ 105 يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ 106 وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ107 تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْـحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 104 - 108][14]، وكما جاء في حديث أبي هريرة عند أبي داود قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقةً، وتفرَّقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقةً، وتَفتَرِقُ أمَّتي على ثلاث وسبعين فرقةً»[15].

قلت: وفقك الله، ولهذا أكد الإمام الشافعي في كتابه الرسالة على وجوب طاعة الله وطاعة رسوله في أكثر من خمسين موضعاً وبأساليب متنوعة، واستقرأ في أول كتابه ووسطه وآخره كثيراً من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدالة على ذلك ونصب باباً مستقلاً في تثبيت خبر الواحد، وحذر في مقدمة كتابه من بدع الجاهلية، وعظم النصوص الشرعية، وبنى منهجه التجديدي على هذه المحكمات، ودعا الناس إلى الالتزام بالمنهج أسوة بما صنع أهل العلم قبله، واختص هو بتجديد علم أصول الفقه.

قال لي صاحبي: إذن نستطيع أن نستفيد من المجددين في كل عصر؟

قلت: نعم، ألا ترى لبدع القرآنيين في هذا العصر القائلين بأن السنة ليست حجة في التشريع، وكذلك قول بعض المفكرين السنة التشريعية ليست حجة في المسائل العامة، وقول المتأثرين بالقوانين الوضعية الغربية أن الشريعة لا تصلح مصدراً أساسياً للتشريع، ولهذا أجمعوا على أن المصدر الأول للقوانين الوضعية هو التشريع المطلق ويأتي في الدرجات الدنيا العرف ثم الدين، والشريعة عندهم مصدر احتياطي إلا في مجال المواريث وبعض أحكام الأسرة[16]، وهذا مشترك بين أهل الأهواء الذين ينحرفون عن الشريعة في كل عصر، وعلى هذه الأفكار الضالة قام الدين المبدل عند هؤلاء وهؤلاء.

قال لي صاحبي: ألا ينفع المعتزلة زعمهم الاحتجاج بالعقل والاهتمام بالعقليات، وكذلك الرافضة ألا تنفعهم دعوى حب أهل البيت وكذلك غلاة القانونيين الذين يعتبرون الشريعة مصدراً احتياطياً ولا يقدمونها في التشريع؟

قلت: هؤلاء وهؤلاء لا يؤمنون بانفراد الشارع بالتشريع، ولا يعتبرون الكتاب والسنة مرجعاً لأصول العقائد وأصول الأحكام، والجميع مأمورون بإجماع علماء المسلمين والنصوص القاطعة بترك هذه البدع والانحرافات والأهواء والتوبة منها، واتباع الشرع كما قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ 18 إنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإنَّ الظَّالِـمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْـمُتَّقِينَ} [الجاثية: 18، 19]، وقال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: ٣]، ولم ينفع هؤلاء ولا هؤلاء اهتمامهم بالعقليات والفلسفة وتراث الأمم الأخرى، ولم ينفع الرافضة حب أهل البيت، ولم ينفع الآخرين دعواهم احترام الدين مع أنهم جعلوه في آخر مرتبة من أمور التشريع والقانون.

قال لي صاحبي: الآن أدركت المشترك بين أهل الأهواء وأئمة الضلالة في كل عصر، وقد كشفت أدلة البحث العلمي هذه النتيجة المرة التي هي حصاد فكر أهل الأهواء المنتسبين للشريعة.

قلت: نعم، إذا جاء الحق زهق الباطل، فإن من المعلوم أن المسلمين لم يعرفوا في نشأتهم إلا الدين الحق الذي هو الإسلام، وأنه المصدر الوحيد لعقائدهم وأحكامهم التشريعية، وأن نصوص الكتاب والسنة معصومة وحجة في الاستدلال، تثبت بها الأمور الدينية والعقدية والتشريعية، ويجب التحاكم إليها واتباعها عبادة لله وطاعة لرسول الله، وتصديقاً لما جاء به ويلحق بذلك وجوب إدخال جميع المستجدات تحت أحكام الشريعة كما نص على ذلك الإمام الشافعي في كتابه الرسالة حيث قال: «كل ما أَنزل في كتابه رحمة وحجة، عَلِمه من علمه، وجهله من جهله»، والناس في العلم طبقات، موقعُهم من العلم بقدْر درجاتهم في العلم به.

فحقَّ على طلبة العلم بلوغُ غاية جهدِهم في الاستكثار من علمه، والصبرُ على كل عارض دون طَلَبِه، وإخلاص النية لله في استدراك علمه نصاً واستنباطاً، والرغبة إلى الله في العون عليه، فإنه لا يُدرَك خيرٌ إلا بعونه.

فإن من أدرك علم أحكام الله في كتابه نصاً واستدلالاً، ووفقه الله للقول والعمل بما علِم منه: فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، وانتفت عنه الرِّيَب، ونَوَّرت في قلبه الحكمة، واستوجب في الدين موضع الإمامة.

فنسأل الله المبتدئ لنا بنعمه قبل استحقاقها، المديمَها علينا مع تقصيرنا في الإتيان إلى ما أوجب به من شكره بها، جاعِلَنَا في خير أمة أخرجت للناس أن يرزقنا فهماً في كتابه، ثم سنة نبيه، وقولاً وعملاً يؤدي به عنا حقه، ويوجب لنا نافلة مزيدة.

قال الشافعي: فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليلُ على سبيل الهدى فيها.

قال الله تبارك وتعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ إلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْـحَمِيدِ} [إبراهيم: ١]، وقال عز وجل: {وَأَنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: ٤٤]، وقال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]، وقال سبحانه: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشـَـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: ٢٥][17].

قال لي صاحبي: الكتاب والإيمان كما قال إمامنا الشافعي هما النور والهدى والصراط المستقيم، وهو ما لم يدركه أهل الأهواء الذين انقلبوا على الدين الصحيح، وبدلوا فيه، ولم يلتزموا بحجية النصوص الشرعية، ولا باختصاص الله سبحانه وتعالى بالتشريع وحاولوا صرف وجوه الناس عن هذه المحكمات، وإخضاعهم ولو بالقوة لتراث الأمم الأخرى.

قلت: هذا واضح لكل من اطلع على تاريخ أهل الأهواء قديماً وحديثاً ولم ينخدع بهم ولم يتأثر بأساليبهم، ولهذا كان إمامنا المجدد الشافعي مدركاً لخطرهم في عصره ومستقلاً عنهم في تجديد العلم من حيث المفاهيم ومن حيث الأسلوب، وقد أشرنا إلى أثر تجديده في عصره واستمراره إلى هذا العصر، وأشرنا إلى موقف الحداثيين والعلمانيين والعصرانيين من فكر وعلم الشافعي في كتابة الرسالة في عصرنا هذا.

قال لي صاحبي: أراك تعتمد المنهج الكلي في دراسة كتاب الرسالة والكشف عن المحكمات التي تضمنها.

قلت: نعم، لأن هذا المنهج هو خاصية كتاب الرسالة، وقد استفدت من الإمام الشافعي في بناء كتابه الرسالة على تلك المحكمات، واخترت منهج النقد الكلي لانحرافات أهل الأهواء، وكشفت عن المشترك الكلي بينهم، ولن يستطيع عالم أن يقدر جهد الشافعي في كتابه الرسالة إذا لم ينطلق من تلك المحكمات، ويتعرف على الكليات التي بنى عليها الشافعي كتابه، وإذا تيسر لنا الأمر نذكر بعض نصوص الشافعي المحكمة التي بنى عليها كتابه الرسالة في المقال القادم إن شاء الله.


 


[1] راجع الأعداد (٣٦٥)، (٣٦٦)، (٣٦٧).

[2] راجع ترجمة عن فرقتهم في كتابي «الثبات والشمول»، ص١٩١ - ١٩٢.

[3] الثبات والشمول للكاتب ١٨٠ - ١٨١، ط دار النشر. 

[4] الثبات والشمول للكاتب ١٨١ - ١٨٢.

[5] هو مؤسس مذهب المعتزلة ولد بالمدينة سنة 80هـ ونشأ بالبصرة، وهو الذي نشر مذهب المعتزلة في الآفاق حيث أرسل أصحابه لذلك، وسموا معتزلة لاعتزالهم حلقة الحسن البصري. انظر الفرق بين الفرق للبغدادي، ط1، دار الآفاق بيروت 98 - 102، وانظر سير أعلام النبلاء 5/ 464 - 465.

[6] الثبات والشمول للكاتب ١٨٢ - ١٨٣.

[7] هو الأستاذ الدكتور سليمان بن إبراهيم بن محمد العايد ولد عام ١٣٨٤هـ بمدينة الرس، بمنطقة القصيم بالمملكة العربية السعودية، ودرس في المعاهد الشرعية، وأكمل دراسته في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وحصل على الماجستير والدكتوراه من كلية الشريعة بمكة المكرمة في علوم اللغة العربية، وحصل على الأستاذية، والتقى كثيراً من علماء عصره، وأفاد من كبار المحققين والمهتمين بعلوم اللغة والشريعة في العالم الإسلامي، وله تآليف وبحوث كثيرة بعضها مطبوع ورحلاته العلمية كثيرة جداً، ومشاركته في دور العلم والمعاهد والجامعات في العالم الإسلامي كثيرة وحافلة بالإفادات، له منهج متميز في العلم والتعليم ومعرفة بطرائق البحث والتحقيق، مع معرفة واسعة بتراجم العلماء والباحثين وخاصة المعاصرين، وله اطلاع واسع على حركات الفرق، وخطورة آثارها السلبية على الحركة العلمية في العالم الإسلامي، وهو من العلماء الذين لهم آثار حسنة على الحركة العلمية المعاصرة، فقد أفاد منه كثير من طلبة العلم، وخاصةً طلاب الدراسات العليا في علوم الشريعة واللغة، يتحلى بأخلاق فاضلة وتواضع جم، مع اعتدال في الفكر، وتحقيق في العلم، وتولى مناصب علمية بارزة، ولا يزال مرجعاً علمياً يحرص على الاستفادة منه الباحثون والمهتمون بالبحث العلمي، وله سيرة مفصلة بأعماله على الإنترنت، نسأل الله أن ينفع بعلومه وأن يجزيه عنا وعن طلاب العلم خير الجزاء. 

[8] هو أبو الهذيل محمد بن الهذيل البصري المشهور بالعلاف يعد من أئمة المعتزلة والمقرر لطريقتهم ولد بالبصرة سنة 135هـ، يقول عنه ابن قتيبة: «ثم نصير إلى قول أبي الهذيل العلاف فنجده كذاباً أفاكاً» توفي 226 هـ وقيل 235هـ، انظر الفرق بين الفرق 102 وما بعدها، وسير أعلام النبلاء 10/ 542 - 543، وتأويل مختلف الحديث 43 تصحيح محمد مهدي النجار دار الجيل 1393هـ.

[9] هو إبراهيم بن سيار بن هانئ يعرف بالنظام، توفي 231هـ وقيل 221هـ، يعد أعظم شيوخ المعتزلة، وهو زنديق طاعن في الصحابة منكر للقياس والإجماع، يقول عنه الجويني في البرهان بعد أن نقل طعنه في الصحابة وإنكاره الإجماع والقياس قال: «ما ذكره النظام كفر وزندقة ومحاولة استئصال قاعدة الشرع...» البرهان 2/ 761 - 763. ويقول عنه ابن قتيبة: «وجدنا النظام شاطراً من الشطار يغدو على سكر ويروح على سكر ويبيت على جرائرها ويدخل في الأدناس، ويرتكب الفواحش والشائنات». انظر 17 - 20 تأويل مختلف الحديث، وقال البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق (منشورات دار الآفاق الجديدة الطبعة الأولى بيروت) عن النظام: «أما كتب أهل السنة والجماعة في تكفيره فالله يحصيها» ص115، ثم ذكر فضائحه من ص115 إلى 136، وأما طعنه في الشريعة وحملتها ومحاولة استئصال قاعدتها كما قال الجويني فحدث ولا حرج وانظر الفرق بين الفرق 114، 129، 133 - 136.

[10] هو الجعد بن درهم من الموالي، أظهر القول بخلق القرآن وكان قدرياً قتله خالد بن عبد الله القسري والي الكوفة سنة 118هـ، وهو شيخ الجهم بن صفوان وهذا من الموالي أيضاً، وهو من نفاة الصفات ومن مؤسسي الجهمية وهم أتباعه وتارة تطلق على نفاة الصفات مطلقاً. انظر ميزان الاعتدال: 1/ 185 - 197، وانظر تبرؤ الصحابة منهم - الفرق بين الفرق 15، وانظر شرح العقيدة الطحاوية 620 - 623.

[11] الرسالة مسألة رقم 585.

[12] قال المزني أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى، صاحب الشافعي (ت 264هـ): قرأت كتاب الرسالة للشافعي خمسمئة مرة، ما من مرة منها إلا واستفدت فائدة جديدة لم أستفدها في الأخرى. وقال أيضاً: أنا أنظر في كتاب الرسالة عن الشافعي منذ خمسين سنة، ما أعلم أني نظرت فيه من مرة إلا وأنا أستفيد شيئاً لم أكن عرفته.

[13] كتاب جدير بالقراءة، وهو كتاب فريد في بابه.

[14] قال ابن أبي حاتم حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ مُجَاشِعِ بْنِ عَمْرٍوَ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: «يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ» قَالَ: تَبْيَضُّ وُجُوهُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وقَوْلُهُ تعالى: «وتسود وجوه» قَالَ: تَسْوَدُّ أَهْلُ الْبِدَعِ وَالضَّلالَةِ (تفسير ابن أبي حاتم - 3/ 729).

[15] حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل محمَّد بن عمرو - وهو ابن علقمة الليثي - خالد: هو ابن عبد الله الواسطي. وأخرجه ابن ماجه (3991)، والترمذي (2831) من طريقين عن محمَّد بن عمرو، به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

وهو في مسند أحمد (8396) وصحيح ابن حبان (2647) و(6731).

[16] انظر كتاب أصول القانون لحسن كيرة عند كلامه عن مصادر القانون الوضعي ص ٢٥٤.

[17] الرسالة للشافعي (1/ 19).