تعد مسألة الصفات الاختيارية، والتي تُلقَّبُ كلامياً بمسألة «حلول الحوادث في الذات الإلهية»، من معاقد الخلاف بين شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية (ت:728هـ) وبين خصومه، ومخالفيه، فقد خالف فيها مذاهبَ الجهمية والمعتزلة والكُلابيَّة والأشعرية، وخالفَ فيها أئمَّةً من كبار أئمة الحنابلة، ممن لهم ثقلٌ في المذهب وأتباع، كشيخ الحنابلة القاضي أبي يعلى الفراء (ت:458هـ)، وأتباعه، كأبي الحسن بن الزاغوني (ت:527هـ)[1]، بل تجاوز ذلك إلى تصريحه بمخالفةِ آبائه في هذه المسألة، بعد أن كان يقول بقولهم، وهو إذ يصرح بذلك فإن أول من يصدق عليه ذلك: والده الشيخ شهاب الدين عبد الحليم (ت:682هـ)، وجدّه الشيخ مجد الدين عبد السلام (ت:652هـ).

ونفيُ الصفات الاختيارية فرعٌ عن أصلٍ كلاميّ، هو دليل حدوث الأجسام، وقد بُنِيَ على نفي الصفات الاختيارية أيضاً خلافٌ مع القاضي أبي يعلى وأتباعه في مسألة الحرف والصوت، ومسألة التعليل.

ومع أنَّ ابنَ تيمية يُصرِّح بإبطال هذا الدَّليلِ وإبطالِ ما بُنِي عليه من فروع باطلة، في ما لا يحصى من كلامه، ويُصرِّحُ بمخالفته لمن أثبته وفروعَه من أئمة الحنابلة؛ بل يُقرُّ على نفسه بمخالفة آبائه في ذلك، ولا يرى في التصريح بهذا التمايز أيَّ مانع، فإنه قد نشأت مواقف معاصرة من هذا التمايز تحمل في طياتها اعتباراتٍ ومقاصدَ يجدر رصدها، والنظر فيها.

وفي هذه المقالة لن نقتصر على البحث في مواقف المعاصرين من إثبات التمييز بين ابن تيمية وأبي يعلى في الصفات الاختيارية، وإنما سنجول في مسائل أخرى، مما نصل به إلى الغاية من هذه المقالة.

أولاً: المؤيِّدُون:

1) قول من يُؤيِّدُ التَّمييز بين عقيدة ابن تيمية ومخالفيه بهدف تقرير رعاية حرمة المذاهب، والتسليم في كل مذهب لأصحابه:

فتقرير رعاية حرمة المذاهب، والتسليم لأصحاب كل مذهبٍ في مذهبهم، هو الهمُّ الذي يشغل أصحاب هذا الاتجاه، ولذا فإنهم يؤيدون التمييز بين عقيدة ابن تيمية ومخالفيه.

غير أنه وقع في كلام بعضهم تقرير أصول في التعامل مع كلام ابن تيمية هي محلُّ نظرٍ، وسأذكر لتلك الأصول نموذجين:

النموذج الأول: تقرير أعلمية متأخري الحنابلة بكلام ابن تيمية، وتفضيل طريقتهم في التعامل مع كلامه بناءً على ذلك.

وهو نموذج مذهبي يميز بين ابن تيمية وأبي يعلى وأتباعه، ويتعامل مع ذلك بالمحافظة على اختيارات القاضي أبي يعلى ومدرسته الاعتقادية، ويأخذ من كلام ابن تيمية - لإجلاله له - ما لا يخالفها، ويعتبر أصحاب هذا النموذج أنهم قاموا بهذه الطريقة بـ«احتواء» ابن تيمية.

ويعُدّون كتابَ «نجاة الخلف في اعتقاد السلف» للشيخ عثمان بن قائد النجدي (ت:1097هـ) ممثلاً لمذهب الحنابلة الاعتقادي، وهو على طريقة القاضي أبي يعلى الفراء الحنبلي في نفي حلول الحوادث (الصفات الاختيارية)، غير أن ابن قائد يختار أقوالاً أقرب للسنة دون الخروج عن مدرسة أبي يعلى، فمن ذلك التفريق بين المشيئة والمحبة، قال: «مشيئته وإرادته تعالى ليستا بمعنى محبته ورضاه وسخطه وبغضه فيحب ويرضى ما أمر به فقط، وخلق كل شيء بمشيئته»[2]، ولذا بنى على ذلك في نهاية الكتاب[3] استعمال قاعدة «القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر»؛ في الإلزام بالقول بإثبات المحبة والغضب لمن أثبت الإرادة.

والتفريق بين هذه الصفات وبين الإرادة اختيارٌ من قولي أبي يعلى، بل آخر قوليه، قال ابن حمدان (ت:695هـ): «ثم المشيئة والإيثار والرضا والاختيار والقصد والولاية والمحبة كلها بمعنى الإرادة المذكورة، وقال القاضي أخيراً: المحبة والرضا غيرهما، فقد يريد ما لا يحبه ولا يرضاه، بل يكرهه ويسخطه ويبغضه كالفسق والكفر»[4]. وقال ابن تيمية: «وأما القاضي أبو يعلى فهو في المعتمد يوافق الأشعري[5]، وفي مختصره ذكر القولين»[6].

وإذ ذَكَر ابنُ قائد أن لفظ الجسم يُستفصَلُ فيه[7]، فيوقف اللفظ ويفسر المعنى، فإن ذلك التفسير يُردُّ عنده حيث تَضمَّنَ القولَ بحُلول الحوادث، لأنه قرَّرَ نفيها في أول الكتاب.

فهو إذنْ لم يخرج عن طريقة القاضي أبي يعلى وأتباعه، وإذا نقل من كتب ابن تيمية فهو ينقل ما لا يخالف أبا يعلى.

ويمكن أن يقال في تقييم هذا الاتجاه: إنه لا يقدم أي تفسير علمي لجعل تقريرات أبي يعلى الحاكمة على تقريرات ابن تيمية، فضلاً أن يجعل ما انفرد به متأخرو الحنابلة حاكماً على كلام الرجلين: سوى رعاية النظام المذهبي.

والواقع أن معارضة ابن تيمية لما يقرره إمامٌ من أئمة الحنابلة كانت معارضةً بمسالك علمية، منها: المعارضة بالدليلين الشرعي والعقلي، ومنها: المعارَضةُ بنصِّ الإمام أحمد، ومنها: المعارضة بالدليل وفهم الأصحاب عند المخالفة في فهم مراد أحمد، ومنها: المعارضة بكلام الأصحاب ممن خالفوا الإمام المعتَرَض عليه في ما ذهب إليه.

ومن أمثلة تلك المعارضات في تفسير ألفاظ الإمام أحمد في مسألة القرآن:

أن ابن تيمية ردَّ قولَ القاضي أبي يعلى في تفسير قول الإمام أحمد: «يتكلم إذا شاء»، قال أبو يعلى: «إذا شاء إسماعنا»[8]، ردَّ ابنُ تيمية هذا التفسير، وبيَّنَ مُخالفته لقول أكثر أصحاب الحديث من أصحاب الإمام أحمد[9].

وردَّ تفسيرَ أبي يعلى لقول الإمام أحمد: «من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع». قال أبو يعلى: «إن ذلك لا يقال، لأن القديم لا يُلفظ، إذ اللفظ الطرح والرمي». وهذا تفسير الأشعري (ت:336هـ)[10].

ورفض ابن تيمية الفاقرة الموجودة في كلام القاضي أبي يعلى وأتباعه، التي ذكرها ابن الزاغوني، وهي تفسير قول الإمام أحمد: «إن الله يتكلم بصوت»، بأن ما يصل إلى السمع عند التلاوة هو صوت الله تعالى[11]! وبين ما فيها من ضلال وابتداع، ومخالفةٍ للعقل والنقل والإجماع، وبين أن هؤلاءِ قابلوا الفساد الموجود في كلام الأشعرية في مسألة القرآن بفسادٍ مثله، وكعادة ابن تيمية في بيان عدم انفراده بين الحنابلة بما يقرره: فإنه بين أن أحد أئمة الحنابلة وهو الحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر البغدادي الحنبلي (ت:550هـ) رد على ابن الزاغوني مقالته[12].

ورفض ابن تيمية تفسير السجزي للكفر الموصوف به القائل بخلق القرآن، في الكلام الوارد عن أحمد وغيره من السلف والأئمة، بأنه يحتمل الكفر الأصغر[13]. وقد نقل ابن قدامة (ت:620هـ) كلام السجزي (ت:444هـ) بحروفه[14].

وفصَّل ابن تيمية في شرحه لكلام الإمام أحمد والسلف في تكفير من قال بخلق القرآن بين تكفير العام والمعين، وهي قاعدته الشهيرة في مسألة تكفير أهل الأهواء.

فمثل هذه المعارضات تقتضي تعاملاً علميّاً معها، دون تجاوزٍ لها لمحض رعاية النظام المذهبي.

وفي مسألة التحسين والتقبيح العقليين خالف ابن تيمية أبا يعلى، وذكر الأدلة على ذلك، وذكر أن بعض أئمة الحنابلة قال بالتحسين والتقبيح العقليين، كأبي الخطاب الكلوذاني (ت:510هـ)[15].

وفي مسألة الإيمان نجد من متأخري الحنابلة الشيخ مرعياً الكرمي (ت:1033هـ) ينتصر لقول المتكلمين في الإيمان في رسالته «توضيح البرهان في الفرق بين الإسلام والإيمان»، ويعارض إجماع السلف، الذي نقله الإمام النووي (ت:676هـ)، على عدم نجاة من لم ينطق بالشهادتين في الآخرة، يعارضه بقول جمهور المحققين من المتكلمين: إن النطق شرط لإجراء الأحكام الدنيوية[16]، واستدل لهذا المذهب بنفس الاستدلال الذي نقله الإمام ابن خزيمة (ت:311هـ) في «كتاب التوحيد»[17] عن الجهمية ونَقَضَه، وصرَّح مرعي بأن الحكم على الساجد اختياراً للشمس، والمستخف بالنبي صلى الله عليه وسلم  وبالمصحف؛ أن الحكم عليه بالكفر إنما هو لأن الفعل أمارة على التكذيب[18]، كما هو تأصيل القاضي أبي بكر بن الطيب (ت:403هـ) ومن تبعه.

وما قرره الشيخ مرعي هو ما قرره أبو يعلى في الجزء غير المطبوع من «المعتمد» كما نقله عنه ابن تيمية في «الصارم المسلول»[19]، وقد عارضه ابن تيمية بكلام أبي يعلى نفسه إذ ذكر أن أبا يعلى قرر في غير «المعتمد» ما يوافق أهل السنة في هذه المسألة.

ومع ذلك؛ فإن الشيخ منصوراً البهوتي (ت:1051هـ) ينقل القولين في «كشاف القناع»، ويعتمد في شرح القول الثاني على «شرح المقاصد» السعد التفتازاني (ت:792هـ)[20].

ونقل ابن حمدان عن أحمد قولاً مبتدعاً وهو أن ساب الرسول صلى الله عليه وسلم  إذا لم يستحل لا يكفر، يقول: «ومن سبَّ الله ورسوله كفر، وعنه: إن لم يستحله قُتِل ولم يكفر»[21].

وهذا القول نقله ابن تيمية عن القاضي أبي يعلى في «المعتمد» وأبطلَه من وجوه، قال: «القول بأن كُفرَ السابِّ في نفسِ الأمر إنما هو لاستحلاله السب زلَّةٌ مُنكرةٌ وهفوةٌ عظيمةٌ، ويرحم الله القاضي أبا يعلى، قد ذكر في غير موضع ما يناقض ما قاله هنا، وإنما وقع من وقع في هذه المهواة ما تلقوه من كلام طائفة من متأخري المتكلمين وهم الجهمية الإناث الذين ذهبوا مذهب الجهمية الأولى في أن الإيمان هو مجرد التصديق الذي في القلب، وإن لم يقترن به قول اللسان ولم يقتض عملاً في القلب، ولا في الجوارح»[22].

وفي مسألة توحيد القصد والطلب، بين شيخ الإسلام مخالفة القاضي أبي يعلى للسلف إذ يقول: «وحُكِيَ عن ابن عقيل أنه سمع رجلاً يقول: أسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم، فقال له: هب أن له وجهاً، ألهُ وجهٌ يُلتذُّ بالنظر إليه؟

وهذا بناء على هذا الأصل؛ فإنه وشيخه أبا يعلى، ونحوهما، وافقوا الجهمية في إنكار أن يكون الله محبوباً، واتبعوا في ذلك قول أبي بكر بن الباقلاني ونحوه ممن ينكر محبة الله، وجعل القول بإثباتها قول الحلولية»[23].

وهذا القول انتقل إلى متأخري الحنابلة ممن صنف في الاعتقاد على هذه الطريقة. يقول ابن حمدان في «نهاية المبتدئين»: «ولا نحبُّ ذاته»[24].

ولذا فإن الانتقاد على المتكلمين في باب توحيد الإلهية كالقاضي أبي بكر ومن تبعه كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل، لا يُدفع بمجرد النقل عنهم - أو عن أتباعهم - أنهم يفسرون الإله بالمعبود، بل لا بد من تفسيره بالمحبوب، الذي لا يحب لذاته أحدٌ إلا هو، فلا يزول الاعتراض عليهم حتى يُقروا بأن الله تعالى يُقصَد بالمحبة، وأنه لا يستحق أحد أن يكون محبوباً لذاته إلا الله تبارك وتعالى.

قال شيخ الإسلام: «قد أنكر جمهور أولئك المتكلمين أن يكون الله محبوباً، أو أنّه يُحبّ شيئاً، أو يُحبّه أحد، وهذا في الحقيقة إنكار لكونه إلهاً معبوداً»[25].

وقال: «أما السلف والأئمة وأئمة أهل الحديث وأئمة التصوف، وكثير من أهل الكلام والنظر، فأقروا بأنه محبوب لذاته، بل لا يستحق أن يحب لذاته إلا هو.

وهذا حقيقة الألوهية، وهو حقيقة ملة إبراهيم، ومن لم يقر بذلك لم يفرق بين الربوبية والإلهية»[26].

وبعد ما تقدم، ظهر أن كل ما عارض فيه ابنُ تيمية القاضي أبا يعلى أو غيره من أئمة الحنابلة في المسائل الاعتقادية: لم يثبت أنه كان معهم في ما ذهبوا إليه نقلٌ عن الإمام أحمد، بل يقرر ابن تيمية أن النقل والدليل وكلام غيرهم من أئمة الحنابلة على خلاف ما ذهبوا إليه، بل قد يكون ما يقوله أبو يعلى مستمداً من كتب المتكلمين.

وهو في معارضته لأبي يعلى يدعو له، ويترحم عليه، كما في النقل آنف الذكر، وكما قال في مناقشته لمسألة الصوت: «فإن هذا تصرُّفُ القاضي، والله يغفر له»[27].

ومما يذكر أيضاً: أن ابن تيمية لا يقتصر فقط على ذكر موارد أبي يعلى التي أثّرت سلباً في آرائه الاعتقادية، كما تقدّم في مسألة الإيمان، وإنما يذكر موارد أثرت في الرجوع عن أقوال بدعيَّة، ومن ذلك ما ذكره من أن أبا يعلى كان يقول بإيجاب النظر بواسطة دليل حدوث الأجسام لإثبات وجود الباري جلّ وعلا[28]، ثم إنه سمع رسالة «الغنية عن الكلام وأهله» لأبي سليمان الخطابي (ت:388هـ)، وقرر في «عيون المسائل» أن «مثبتي النبوات تحصل[29] لهم المعرفة بالله تعالى بثبوت النبوة من غير نظر واستدلال في دلائل العقول، خلافاً للأشعرية في قولهم: لا تحصُل حتى تنظر وتستدل بدلائل العقول»[30].

إضافةً إلى ما تقدم، فقد كان ابن تيمية حريصاً على دفع الأكاذيب عن الحنابلة في ما يُفترى عليهم من مقالات، وهو يقرر ضمن ذلك أنه: «ما من طائفة إلا وفي بعضهم من يقول أقوالاً ظاهِرُها الفساد، وهي التي يحفظُها من يُنفِّرُ عنهم ويشنع بها عليهم، وإن كان أكثرهم ينكرها ويدفعها»[31].

يقول مُعلِّقاً على قول من أراد استعمال كلام ابن الجوزي (ت:597هـ) في ردّه على ابن حامد وأبي يعلى وابن الزاغوني؛ من يريد استعمال هذا الرد في ذم جنس الحنابلة فيقول: «قال أبو الفرج بن الجوزي في الرد على الحنابلة!» قال ابن تيمية: «هذا المُصنَّف الذي نقل منه كلام أبي الفرج لم يصنفه في الرد على الحنابلة كما ذكر هذا، وإنما رد به، في ما ادعاه على بعضهم، وقصد أبا عبد الله بن حامد، والقاضي أبا يعلى، وشيخه أبا الحسن بن الزاغوني، ومن تبعهم، وإلا فجنس الحنابلة لم يتعرض أبو الفرج للرد عليهم ولا حكى عنهم ما أنكره، بل هو يحتج في مخالفته لهؤلاء بكلام كثير من الحنبلية كما يذكره من كلام التميميين، مثل رزق الله التميمي وأبي الوفا بن عقيل»[32].

ويقول راداً على من يصف الحنابلة بالحشوية: «من في أصحاب الإمام أحمد رحمه الله حشويٌّ بالمعنى الذي تريده؟ الأثرم؟ أبو داود؟ المروذي؟ الخلال؟ أبو بكر عبد العزيز؟ أبو الحسن التميمي؟ ابن حامد؟ القاضي أبو يعلى؟ أبو الخطاب؟ ابن عقيل؟ ورفعت صوتي وقلت: سمهم! قل لي من هم؟ من هم؟ أبكذب ابن الخطيب وافترائه على الناس في مذاهبهم تبطل الشريعة وتندرس معالم الدين؟»[33].

النموذج الثاني: تقرير أعلمية أصحاب المذاهب من ابن تيمية بمذاهبهم، لذا لا تصح معارضة ابن تيمية للجويني (ت:478هـ)، وذلك في نقل الجويني عن الأشعري أن له قولاً بتأويل الصفات الخبرية.

وهذا التقرير ورد في مقالتين لأحد الباحثين الأولى بعنوان: «هل أخطأ شيخ الإسلام ابن تيمية؟ نظرة في حكايته لمذهب الأشعري في الصفات الخبرية»، والثانية بعنوان: «مرة أخرى هل أخطأ ابن تيمية؟».

وابن تيمية عارض نقل الجويني القولَ بتأويل الصفات الخبرية عن الأشعري (ومن تبعه)؛ عارضه بنصّ الأشعري، وذكر أن نصّه على خلاف ذلك في «الموجز الكبير» و«المقالات الكبيرة» و«الصغيرة» و«الإبانة».

ومعارضةُ نقل عالمٍ من عُلماء مذهب؛ بنصِّ إمام المذهب يقوم على احتمالٍ جائزٍ عقلاً ونقلاً وعادةً: وهو أن يكون ذلك العالمُ الناقلُ قد سها أو أخطأ في نقله.

ومعارضة ابن تيمية في تغليطِه للجويني أيضاً مما يجوز عقلاً وشرعاً وعادة، للسبب آنف الذكر، لكن ذلك لا يكون إلا بأحد ثلاثة طرق:

الأول: إقامة الدليل على انتفاء احتمال الخطأ أو السهو عن الجويني في هذه المسألة.

وتلقي الأشعرية بعد الجويني لنقل الجويني بالقبول ليس دليلاً على نفي هذين الاحتمالين، لأن إجماعهم ليس معصوماً. ولذا فقول الباحث: «أليس من الأشعرية رجلٌ رشيد يكذب ما نسبه هؤلاء إلى المذهب؟» - يعني الجويني وأتباعه -، هذا الاستدلال: استدلالٌ بما لا يفيد في المطلوب.

الثاني: معارضة نقل ابن تيمية، بنقلٍ آخر من كتب الأشعري نفسه، يدل على نقيض ما ذكره ابن تيمية، ويقوم الدليل على رجحانه على ما نقله ابن تيمية. والباحث لم يطلع على «الموجز» وغيره فضلاً عن أن يعارض ما نقله ابن تيمية بما ورد فيه.

الثالث: الاستدلال بالاستقراء، وهو أن يؤدي تصفُّح نقولِ الجويني ونقول ابن تيمية عن الأشعري، إلى العلم بأفضلية الجويني على ابن تيمية في صحة النقل عن الأشعري، فتلحق هذه الجزئية بما تم تتبعه. وهذا دليل ظني.

لكن الباحث لم يسلك أيّاً من هذه الطرق في معارضة ابن تيمية، وغاية ما معه تقرير أعلمية الجويني على ابن تيمية بالمذهب الأشعري، والتشنيع على من لا يقول بذلك، قال: «من كان يعتقد أن ابن تيمية أعلم من الجويني بمذهب الأشعرية؛ فهو أحوج إلى أن يبحث عن علاج لعقله، بدل أن يخوض في العلم!».

إضافة إلى عدم سلوك الباحث الطُرُقَ العلمية في المعارضة والنقد، فقد وقع في تناقُضٍ، ففي حين شدد على ابن تيمية غاية التشديد أن يُعارِض الجويني، وحصر تميزه في النظرة المقارنة بين المذاهب، نجده يقرر الضابط لدى الأشعرية في التأويل بناء على قراءته هو لبعض كتب الأشعرية، وهي قراءة غير محققة.

لذا؛ نحن بحاجةٍ لتقرير أصول صحيحةٍ مستقيمة في التعامل مع حكاية ابن تيمية لأقوال أئمة المذاهب الأخرى، سواء الكلابية أو غيرهم، تكون نبراساً للمسترشدين، وهدى للمستفيدين.

2) قول من يؤيد التمييز بين عقيدة ابن تيمية وعقيدة القاضي أبي يعلى الحنبلي وأتباعه بهدف التقارب مع النشاط الأشعري المعاصر:

من أبرز ما يمثل هذا الاتجاه رسالة «منحة الرحمن على مختصر عقيدة ابن حمدان»، وهي تعليق نشرته مع الأصل دار المنهاج بجدة سنة 2015م.

وصاحب الأصل هو الشيخ شمس الدين بن بلبان البعلي الدمشقي (ت:1083هـ)، وكتابه «قلائد العقيان باختصار عقيدة ابن حمدان»، هو اختصار لمتن «نهاية المبتدئين في أصول الدين» الذي صنفه الشيخ أحمد بن حمدان الحرّاني الحنبلي (ت:695هـ)، وهذا المتن مأخوذٌ من كتب القاضي أبي يعلى.

وابن بلبان يصرح في كتابه كابن حمدان، وكالقاضي أبي يعلى: بنفي الصفات الاختيارية، أو ما سمّاه هو بـ«حلول الحوادث».

وقد اعتنى صاحبُ التعليق بالنقل عن القاضي أبي يعلى، حتى إنه يقدّمه على غيره، وينقل من كتبه المطبوعة كـ«الروايتين والوجهين» و«مختصر المعتمد»، وكتب أتباعه كـ«الإيضاح في أصول الدين» لابن الزاغوني.

وقد حرص في تعليقه على إزالة الفروق الحقيقية بين المذهبين الأشعري والحنبلي، ومن شواهد ذلك:

أولاً: في مسألة القرآن: تجاوزَ كل ما يذكره الحنابلة من مخالفة الأشعرية، أو ذمّهم في هذه المسألة.

فعند تعليقه على قول الإمام أحمد - الذي أثبت ابن بلبان معناه في المتن -: «من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر»، قصر تعليقه على الحكم الفقهي المتعلق بمن يقول إن القرآن مخلوق[34]. ولم يذكر ما ذكره الحنابلة في مثل هذا الموطن، كقول ابن البناء الحنبلي (ت:471هـ) - وهو من تلاميذ القاضي أبي يعلى - معلقاً على نص الإمام أحمد: «فقد نصّ أحمد في هذه الروايات وغيرها على أن التلاوة هي القرآن، وأنها غير مخلوقةٍ، خلافاً للأشعرية في قولهم: التلاوة غير المتلو، والقراءة غير المقروء، وأن التلاوة والقراءة مخلوقة، والتلاوة والمتلو غير مخلوق»[35].

وكتبَ تنبيهاً نقل فيه كلاماً للخلوتي مُعلِّقاً فيه على كلام للسعد التفتازاني، يقول الخَلْوَتي فيه: «المسموع من التالي عند التلاوة يسمى كلام الله لدلالته على المعنى القديم، وفي الحقيقة: كلام الله اسمٌ للمعنى القديم القائم بذات الله عز وجل، وهو الذي يوصف بأنه قديم»[36].

وهو بهذا النقل يتجاوز ما ذكره أبو الفضل التميمي (ت:410هـ) في مسألة الحكاية والعبارة: «وكان [يعني الإمام أحمد] يبطل الحكاية ويضلل القائل بذلك، وعلى مذهبه أن من قال إن القرآن عبارةٌ عن كلام الله فقد جهل وغلط»[37]. وقد نقل ابن حمدان هذا عن أبي الفضل في «نهايته»[38].

فهل يُقدَّم في هذه المسألة الأصلية ما ينقله أبو الفضل التميمي عن الإمام أحمد، أم ما يقرره السعد التفتازاني نقلاً عن أئمة الأشعرية؟

وهذا التقريب الذي ذهب إليه المؤلف بين قول الأشعرية وقول أحمد في القرآن ليس كالتقريب الذي سلكه من ينسب الأشعرية لأهل السنة من متأخري الحنابلة كالشيخ عبد الباقي المواهبي (ت:1073هـ)، لاختلاف أدواته وأركانه، فهناك نقل عبد الباقي عن ابن قدامة إبطال الكلام النفسي، ونقل عن الطوفي (ت:716هـ) الإلزام بإثبات الصوت للأشعرية[39]، أي إنه قرر لهم أن الدليل يدل على مذهبِهِ هو، لا أنه تخلَّى عن مذهبه ووافق مذهبهم لأجل السعد التفتازاني!

ثانياً: في مسألة العلوّ: فسر المباينة في قول ابن بلبان: «يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائنٌ من خلقه» بنفي التشبيه، لا بإثبات العلو[40].

وتجاوز في ذلك آخر قولي القاضي أبي يعلى - كما يقول ابن حمدان[41] - في إثبات الجهة، وقد ذكر أبو يعلى هذا القول في كتابه «إبطال التأويلات»، وصرح هناك بمخالفة الأشعرية.

يقول: «فإذا ثبت أنه على العرش، والعرش في جهة، وهو على عرشه، وقد منعنا في كتابنا هذا في غير موضع إطلاق الجهة عليه، والصواب جواز القول بذلك، لأن أحمد قد أثبت هذه الصفة، التي هي الاستواء على العرش، وأثبت أنه في السماء، وكل من أثبت هذا أثبت الجهة، وهم أصحاب ابن كرَّام وابن منده الأصبهاني المحدث، والدليل عليه أن العرش في جهة بلا خلاف، وقد ثبت بنص القرآن أنه مستو عليه، فاقتضى أنه في جهة، لأن كل عاقل من مسلم أو كافر إذا دعا فإنما يرفع يديه ووجهه إلى نحو السماء، وفي هذا كفاية، ولأن من نفى الجهة من المعتزلة والأشعرية، يقول: ليس هو في جهة ولا خارجاً منها، وقائل هذا بمثابة من قال بإثبات موجود مع وجود غيره، ولا يكون وجود أحدهما قبل وجود الآخر ولا بعده، ولأن العوام لا يفرقون بين قول القائل: طلبته فلم أجده في موضع ما، وبين قوله: طلبته فإذا هو معدوم.

وقد احتجَّ ابن منده على إثبات الجهة، بأنه لمَّا نطق القرآن بأن الله على العرش وأنه في السماء، وجاءت السنة بمثل ذلك، وبأن الجنة مسكنه، وأنه في ذلك، وهذه الأشياء أمكنة في نفسها فدل على أنه في مكان»[42].

وهو بذلك يكون أيضاً قد تجاوز ما يذكره ابن منده (ت:395هـ) في هذه المسألة، بينما سارع إلى النقل من كلام ابن منده ما توهَّمَ أنه يدل على إبطال مذهب ابن تيمية في الصفات الاختيارية، مع أن المعنى الذي ذكره ابن منده في الموضع المذكور لا يمنعه ابن تيمية[43].

ثالثاً: في تحريم التأويل: اكتفى بتقرير أن مذهب التفويض الذي قرره ابن بلبان مقتضاه تحريم تعيين معنى من المعاني المحتملة، لأن هذا كلام بالظن.

أما أبو يعلى فهو يقول بالظاهر، ولا يقول: يجب نفي الظاهر كما تقوله الأشعرية، ويبطل التأويلات المبتدعة، والتي صنَّفَ من أجلها كتابه «إبطال التأويلات» الذي ردّ به على أبي بكر ابن فورك (ت:406هـ) أحد أئمة الأشعرية.

والقول بالظاهر، مع القول بأن للنص معنى لا يعلمه إلا الله، وأنه من المتشابه، هو ما حمل منتقدي أبي يعلى على وصفه بالتناقض، كابن الجوزي وابن عقيل (ت:513هـ)[44].

إذن؛ فنحن أمام نموذج يدعو إلى التماهي التامّ مع المعتقد الأشعري.

وإنك لتعجب من تصدير هؤلاء - اليوم - لأبي يعلى الحنبلي وأتباعه في دعوتهم هذه، وتتساءل عمّا يريده هؤلاء، إذ إن النشاط الأشعري المعاصر - بالأمس القريب - كان قد اتخذ موقفاً سلبياً من القاضي أبي يعلى، إذ هو عندهم من سلف ابن تيمية في التجسيم، ومن أئمة المجسمة ويظهر ذلك بأمرين:

الأول: نشر الشيخ محمد زاهد الكوثري (ت:1371هـ) كتاب «دفع شُبَه التشبيه بأكُفِّ التنزيه» لابن الجوزي، وهو ردّ على أبي يعلى في كتابه «إبطال التأويلات»، وقد شنّع الكوثري على أبي يعلى، ثم أعاد طباعته حسن بن علي السقاف يوم أن كان أشعريّاً، وتأثر به صديقه إذ ذاك سعيد فودة.

الثاني: لما طبع كتاب «إبطال التأويلات» وصف النشاط الأشعري المعاصر المدرسة السلفية بأنها تقوم بإحياء التجسيم، وكتب بعضُهم «التحذيرات من كتاب إبطال التأويلات».

ولذا يذمّ سعيد فودة في تسجيلٍ مرئيٍّ أبا يعلى، ويسخر منه، ويصفه بالتجسيم، وهو يفترض أن الحنابلة عليهم أن يقتربوا هم من الأشعرية بالتنازل عن مقالاتهم، مع أن أئمة الأشعرية المتقدمين كانوا هم من يتقرب من الحنابلة، كما كان أبو الحسن يفعل، وكما كان بين البيهقي (ت:458هـ) وبين التميمي، إذ اعتمد البيهقي على التميمي في كتابه في مناقب الإمام أحمد[45].

إضافةً إلى ما تقدم مما يدل على أن النشاط الأشعري المعاصر وقف موقفاً سلبياً من القاضي أبي يعلى، فإن بعض أئمة الأشاعرة ممن هم معظمون لدى رموز هذا النشاط المعاصر قد وقف موقفاً متطرفاً من عموم الحنابلة، إذ يصرح الفخر الرازي (ت:606هـ) بذم جنس الحنابلة حيث يقول: «الحنابلة الذين قالوا بقدم هذه الحروف، وهؤلاء أخسُّ من أن يذكروا في زمرة العقلاء!»[46].

ثانياً: المعارضون:

1) قول من يعارض التمييز بين مقالات ابن تيمية والقاضي أبي يعلى وأتباعه للجهل بالمسائل الخلافية بينهما:

يمكن أن يقال في تحليل موقف هذا الاتجاه: إن الحملةَ التي قادها رموز النشاط الأشعري المعاصر ضد أبي يعلى ساهمت في إخفاء تفاصيل الخلاف بين مقالات أبي يعلى ومقالات ابن تيمية، لأن تلك الحملة صوَّرَتْهما على أنهما يقفان في جبهةٍ واحدة، هي عند الأشعرية جبهة المجسمة.

كما أن حضور أبي يعلى لدى كثيرٍ من الإسلاميين قاصرٌ على كتابه «الأحكام السلطانية» في مجال الفقه السياسي!

كما أن كثيراً منهم لا يعرفون مسألة الصفات الاختيارية أصلاً، وما يتفرع عنها كمسألة المحبة، والتعليل، والتحسين والتقبيح، والحرف والصوت، ولا يعرفون أثرها في اختلاف الفرق، إذ إنها لم تَنَلْ من الشهرة في الاختلاف السلفي الأشعري المعاصر - مثلاً -، ما نالَتْه مسألةُ تأويل النصوص.

والواقع أن عدداً من المسائل التي خالف فيها ابن تيمية أبا يعلى ومدرسته يَعُدُّ فيها قول أبي يعلى ومن تبعه من أقوال أهل البدع، فليس الخلاف فيها سائغاً.

وعددٌ منهم لقلةِ اطِّلاعِهم على كلام أهل العلم، يظنُّون أن مثل هذه التمييزات ستؤدي إلى إظهار ابن تيمية بموقف الشاذّ عن علماء الإسلام. ومثل هذه الظنون كان سببها التنفير من كتب الأئمة في الاعتقاد، ككتاب «الرد على الجهمية» وكتاب «النقض على بشر المريسي» للإمام عثمان بن سعيد الدارمي (ت:280هـ) رحمه الله تعالى، بدعوى أن كتُبَه من كتب الغلاة في الإثبات!

وأفسد الحال أيضاً دخول غلاة التبديع ممن همهم مناكفة الصحوة الإسلامية المعاصرة، والطعن في دعاتها كالشيخ محمد ناصر الدين الألباني (ت:1420هـ)، إذ استعملوا جزء الدشتي الحنبلي (ت:665هـ) في إثبات الحد؛ وهو يحوي كلاماً لأبي يعلى وابن الزاغوني، استعملوه في الطعن في الألباني.

2) قول من يعارض التمييز بين مقالات ابن تيمية ومقالات غيره من الحنابلة للانتصار لمذهب الإرجاء:

بعضُ من دخلت عليه شبهات المرجئة من المعاصرين: أراد أن يؤصل لتلك البدعة بواسطة كلام الحنابلة، ترويجاً لها، كما أراد من تقدّم ذكرهم من الأشعرية المعاصرين الترويج لمذاهبهم بواسطة كلام الحنابلة، سواء ابن الجوزي أو الخلْوَتي أو غيرهما.

فهؤلاء الذين دخلت عليهم شبهة الإرجاء يعارضون التمييز بين مقالات ابن تيمية ومقالات مخالفيه لكون هذا التمييز يسدُّ عليهم التأصيل لمذاهِبِهم بواسطة كلام الحنابلة.

والواقع أن ردَّ كلام عالم حنبلي مخالفٍ لمذهب السلف ليس طعناً في الحنبلية، وكلامُ الإمام أحمد موافق لمذهب من تقدّمه من السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.

ومما يمثل هذا الاتجاه: ما جاء في التعليق على رسالة «توضيح البرهان في الفرق بين الإسلام والإيمان» لمرعي الكرمي، فعند قول مرعي الكرمي: «من أقرّ بالشهادتين أُجرِيتْ عليه أحكام الإسلام في الدنيا وحكم بأنه مؤمن ولم يحكم عليه بكفرٍ إلا بظهور أمارات التكذيب كالسجود اختياراً للشمس أو استخفافاً بنبي أو مصحف»[47]؛ علق المُعلِّق بقوله: «قوله: (أمارات) كلامٌ دقيق! خلافاً لبعض المعاصرين الذين فهموا الاستحلال بالقلب فحسب هو الذي يحكم على صاحبه بالكفر، وأن ظهور الأمارات لا يمكن اعتمادها للحكم على صاحبها، حتى يستحل قلباً، فللجحود والاستحلال للكفر أمارات، فمن فعل المذكور من غير إكراه فهذه أمارة على استحلاله دون التفتيش عن قلبه، وهي دليل كفره، كمن سبّ الله ورسوله أو ألقى القرآن في قذرٍ وغير ذلك»[48].

وهذا الكلام - في أحسن تقدير - هو تقريرُ القاضي أبي بكر بن الطيب ومن تبعه من الأشعرية في كون المكفرات الظاهرة إنما حكم بالكفر على مرتكبها لكونها دليلاً على التكذيب[49]، وهو مذهب مخالف لمذهب السلف والإمام أحمد، وهو من حيث المعنى: مكابرةٌ ظاهرة. وقد ردّه شيخ الإسلام ابن تيمية في «كتاب الإيمان»[50].

خاتمة:

في واقعةٍ من تاريخ الجدل العقائدي، وُصِفَ الفخر الرازي بخروجه عن مذهب الأشاعرة، وكان ذلك في حياته، وبصرف النظر عن صحةِ ذلك من عدمه، فإن ما يعنينا أن الرازي كتب في آخر كتابه «اعتقادات فرق المسلمين والمشركين» يدافع عن نفسه، ويستنصر إخوانه لمساعدته، فيقول: «فإن الأعداء والحساد لا يزالون يطعنون فينا وفي ديننا مع ما بذلنا من الجد والاجتهاد في نصرة اعتقاد أهل السنة والجماعة، ويعتقدون أني لست على مذهب أهل السنة والجماعة، وقد علم العالمون أنه ليس مذهبي ولا مذهب أسلافي إلا مذهب أهل السنة والجماعة، ولم تزل تلامذتي وتلامذة والدي في سائر أطراف العالم يدعون الخلق إلى الدين الحق والمذهب الحق، وقد أبطلوا جميع البدع، وليس العجب من طعن هؤلاء الأضداد الحساد بل العجب من الأصحاب والأحباب كيف قعدوا عن نصري، والرد على أعدائي ومن المعلوم أنه لا يتيسر شيء من الأمور إلا بالمعاونة والمساعدة»[51].

وبالمقارنة بين هذه الحالة، وما نحن فيه، يظهر أننا أمام حالتين مختلفتين تماماً، فابن تيمية لا يتعامل مع مخالفته لأئمة الحنابلة كالقاضي أبي يعلى وأتباعه، ومخالفته لآبائه من مشايخ الحنابلة، الشيخ شهاب الدين عبد الحليم، والشيخ مجد الدين عبد السلام، لا يتعامل مع هذه المخالفة على أنها تهمةٌ أو شبهة، يستنصر الناس ليدفعوها عنه! بل هو يعدُّ هذه المخالفةَ من المخالفات الواجبةِ عليه، وبغيرها يكون متبعاً لغير ما أنزل الله.

يقول رحمه الله في فصلٍ كتَبَهُ في «الصفات الاختيارية»: «ولكن هذه المسألة [مسألة الصفات الاختيارية] ومسألة الزيارة وغيرهما حدث من المتأخرين فيها شُبَه، وأنا وغيري كنا على مذهب الآباء في ذلك نقول في الأصلين[52] بقول أهل البدع، فلما تبين لنا ما جاء به الرسول دار الأمر بين أن نتبع ما أنزل الله أو نتبع ما وجدنا عليه آباءنا فكان الواجب هو اتباع الرسول؛ وأن لا نكون ممن قيل فيه: {وَإذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} [لقمان: 21]، وقد قال تعالى: {قَالَ أَوَ لَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ} [الزخرف: 24]، وقال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إلَيَّ الْـمَصِيرُ 14 وَإن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إلَيَّ} [لقمان: 15، 15].

فالواجب اتباع الكتاب المنزل، والنبي المرسل، وسبيل من أناب إلى الله، فاتَّبَعنا الكتاب والسنة كالمهاجرين والأنصار، دون ما خالف ذلك من دين الآباء وغير الآباء، والله يهدينا وسائر إخواننا إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً»[53].

فالتمايز إذنْ بين مقالة ابن تيمية ومقالة غيره من أئمة الحنبلية في الاعتقاد هو أمرٌ يقر به هو نفسه، ولا يعدّه شبهةً ولا تهمةً، بل ما ذهب إليه يقرره وينتصر له بالأدلة الشرعية والعقلية، ويُبطِل حجج النفاة.

ويجدر التنبيه - ختاماً - إلى أمرٍ، وهو أن إثبات الصفات الاختيارية ليس مانعاً من الاستفادة من تقريرات من لم يثبتها من الكلابية، والأشعرية، وأبي يعلى وأتباعه من الحنبلية، سواءٌ في الاستفادة من تقريراتهم في إثبات العلو أو بعض الصفات الخبريّة نحو الوجه واليدين، رداً على من نفاها من متأخري الأشعرية، أو الاستفادة من إبطالهم بعض التأويلات المبتدعة للصفات، كالاستفادة مما يقرره الأشعري في «الإبانة»، وأبو يعلى في «إبطال التأويلات» وأبو الحسن ابن الزاغوني في «الإيضاح في أصول الدين».


 


[1] انظر في التصريح بنفي حلول الحوادث: «الإيضاح في أصول الدين» لابن الزاغوني (ص271) - وهذا الموضع يبني فيه نفي الأغراض على نفي حلول الحوادث -، و«نهاية المبتدئين في أصول الدين» لابن حمدان (ص30-31)، و«العين والأثر في عقائد أهل الأثر» لعبد الباقي المواهبي (ص34)، و«قلائد العقيان في اختصار عقيدة ابن حمدان» لابن بلبان (ص96)، و«نجاة الخلف في اعتقاد السلف» لعثمان بن قائد النجدي (ص14)، و«لوامع الأنوار البهية شرح الدرة المضية» للسفاريني (1/258).

[2] «نجاة الخلف في اعتقاد السلف» (ص15).

[3] «نجاة الخلف في اعتقاد السلف» (ص37-38).

[4] «نهاية المبتدئين» (ص25).

[5] انظر «المعتمد» (ص75-76).

[6] «منهاج السنة» (5/360).

[7] «نجاة الخلف في اعتقاد السلف» (ص22).

[8] وذلك في كتابه «إيضاح البيان في مسألة القرآن» - غير مطبوع -، ونقله عنه ابن حمدان في «نهاية المبتدئين» (ص26)، وابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (6/159).

[9] «مجموع الفتاوى» (6/159).

[10] «التسعينية» (3/872)، و«العقل والنقل» (1/268). وانظر «نهاية المبتدئين» (ص29).

[11] النص في كتاب «الإيضاح في أصول الدين» لابن الزاغوني (ص410-411).

[12] «التسعينية» (3/868-873).

[13] «الرسالة الكيلانية» الواردة في «مجموع الفتاوى» (12/487). وكلام السجزي في «رسالته لأهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت» (ص153).

[14] «المناظرة» (ص19-20).

[15] «درء تعارض العقل والنقل» (8/492)، وقرر أبو يعلى نفي التحسين والتقبيح في «المعتمد» (ص21-22)، وقرر أبو الخطاب إثباتهما في «التمهيد في أصول الفقه» (4/294-307). وذكر ابن حمدان في «نهاية المبتدئين» (ص42) أن إثبات التحسين والتقبيح العقليين قول التميمي أيضاً.

[16] «توضيح البرهان في الفرق بين الإسلام والإيمان» (ص52).

[17] «كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب جل وعلا» (ص216).

[18] «توضيح البرهان في الفرق بين الإسلام والإيمان» (ص55).

[19] (ص515).

[20] «كشاف القناع» (6/173).

[21] «نهاية المبتدئين» (ص67).

[22] «الصارم المسلول» (ص515).

[23] «كتاب النبوات» (1/334).

[24] «نهاية المبتدئين» (ص34).

[25] «كتاب النبوات» (1/267).

[26] «منهاج السنة» (3 / 165).

[27] «التسعينية» (3/872).

[28] نقل نصه في «العقل والنقل» (8/349).

[29] في «مجموع الفتاوى»: «حصل»، والتصويب من «نهاية المبتدئين» (ص22).

[30] «عيون المسائل» غير مطبوع، وقد نقل هذا النصّ منه ابن تيمية في «العقل والنقل» (9/36)، وفي «مجموع الفتاوى» (11/377)، وقبله نقله ابن حمدان في «نهاية المبتدئين» (ص22)، بدون «خلافًا للأشعرية...».

[31] «مجموع الفتاوى» (17 /362).

[32] «مجموع الفتاوى» (4/165-166).

[33] «مجموع الفتاوى» (3/186).

[34] التعليق على «قلائد العقيان في اختصار عقيدة ابن حمدان» (ص159-160).

[35] «المختار في أصول السنة» (ص71).

[36] التعليق على «قلائد العقيان في اختصار عقيدة ابن حمدان» (ص159-162).

[37] «اعتقاد الإمام المنبل أحمد بن حنبل» (ص36).

[38] «نهاية المبتدئين في أصول الدين» (ص27).

[39] انظر: «العين والأثر في اعتقاد أهل الأثر».

[40] التعليق على «قلائد العقيان في اختصار عقيدة ابن حمدان» (ص167).

[41] «نهاية المبتدئين» (ص33).

[42] «إبطال التأويلات» (ص296-297). وانظر «الإيضاح في أصول الدين» لابن الزاغوني (ص311-318).

[43] التعليق على «قلائد العقيان في اختصار عقيدة ابن حمدان» (ص166).

[44] انظر «دفع شبه التشبيه» لابن الجوزي (ص9-10)، و«تفسير سورة الإخلاص» ضمن «مجموع الفتاوى» (17/413).

[45] «العقل والنقل» (2/100).

[46] «مفاتيح الغيب» (27/612).

[47] «توضيح البرهان في الفرق بين الإسلام والإيمان» (ص52).

[48] تعليق على كتاب «توضيح البرهان في الفرق بين الإسلام والإيمان» (ص52)، طبعة دار المقتبس، 1435هـ 2015م.

[49] انظر «التمهيد» (ص348)، و«المواقف» (3/544).

[50] انظر «مجموع الفتاوى» (7/146-147).

[51] «اعتقادات فرق المسلمين والمشركين» (ص92-93).

[52] الأصلين هنا بدليل السياق، وتتبع استعمال اللفظ المذكور في موارده من كلام ابن تيمية: مسألة الزيارة ومسألة الصفات الاختيارية، وليس أصول الفقه وأصول الدين، كما توهمه من فسر هذه العبارة.

[53] «فصل في الصفات الاختيارية» ضمن «مجموع الفتاوى» (6/258).