برغم أن الانتخابات البرلمانية العراقية مقرر إجراؤها في الثاني عشر من شهر مايو القادم إلا إن ما تم سنه من قوانين في الفترة الماضية من البرلمان العراقي من شأنه أن يمهد الساحة لحصول الأحزاب والتكتلات الشيعية على الهيمنة السياسية على النحو الذي مضى في الانتخابات البرلمانية الثلاث الماضية، ليس هذا وفقط بل من المتوقع ألا تحظى الأحزاب والكتلة السنية على ما كانت تحصل عليه من قبل.

وبرغم مرور العراق بحرب أهلية تمثلت في خروج تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) عن السيطرة واستيلائه على مساحات ومحافظات كبيرة في العراق معظمها ينتمي للمكون السني، هذا التنظيم الذي كان أحد إفرازات التهميش والازدراء الذي تعرض له المكون السني بشكل ممنهج منذ بداية الاحتلال الأمريكي للعراق، إلا إنه لا يبدو في الأفق أن هناك محاولة لتدارك ما جرى والحيلولة دون وجوده مرة أخرى، وخلت الساحة من أية محاولة جدية لتجاوز تلك الأوضاع وتهيئة البيئة السياسية لصعود تيارات متجاوزة تلك الصراعات الطائفية، بل على النقيض، الذي يبدو أن المشهد السياسي العام لن يتغير، وأن الخريطة احتفظت بحدودها الجغرافية والسياسية مع محاولة حثيثة لإضعاف الطرف السني.

يأتي الاستحقاق الانتخابي الرابع منذ الاحتلال الأمريكي على وقع عمليات تهجير كبيرة إضافة إلى عمليات التدمير والقتل التي تعرض لها المكون السني، ما استدعى مطالبات حثيثة من قبل نواب سنة وأكراد في البرلمان لتأجيل الانتخابات لحين استقرار الأوضاع وعودة المهجرين لمنازلهم واستقرار أوضاعهم، وكانت المطالب تدور حول تأجيل الانتخابات لمدة عام على الأقل، لكن جاء قرار المحكمة الدستورية والأغلبية البرلمانية التي يهيمن عليها الشيعة برفض هذا المطلب والإصرار على إجراء الانتخابات في موعدها المحدد، لحاجة في نفس يعقوب.

المفوضية العليا المستقلة للانتخابات التي تتولى تنسيق العملية الانتخابية المقرة دستورياً كل أربع سنوات، أغلقت منذ أيام باب تسجيل الكتل والتحالفات المشاركة في الانتخابات البرلمانية لعام 2018م، مشيرة إلى أن 24 مليون عراقي من بين 36 مليون نسمة هو عدد العراقيين الذين يحق لهم التصويت في الانتخابات المقبلة.

وتجري الانتخابات العراقية النيابية المنتظرة في 18 دائرة انتخابية تمثل عدد محافظات العراق، وتنتخب كل منها 7 إلى 34 نائباً استناداً إلى عدد سكان كل محافظة، في مقابل ذلك هناك نسبة خاصة للأقليات (كوتا) تشمل ثمانية مقاعد، خمسة منها للمسيحيين، ومقعد للمندائيين، ومقعد للأيزيديين، ومقعد للشبك.

في ظل تلك الأرقام المبهمة سنحاول قراءة أين يقف السنة في خضم تلك التحالفات والتكتلات السياسية.

أولاً: التكتلات السنية:

ابتداء من الدور الذي قام به «بول بريمر» رئيس الإدارة الأمريكية في العراق إبان الاحتلال الأمريكي، وإلى يومنا هذا، يعاني السنة من التهميش والإقصاء على المستوى السياسي، حيث قام بريمر بتحديد نسب الطوائف والقوميات، وأعاد تركيب الدولة العراقية من جديد على أسس طائفية وعرقية، بعد أن حل معظم المؤسسات الفاعلة في الدولة العراقية. ودعا السياسيين العراقيين إلى عقد جلساتهم لتشكيل مجلس حكم مؤلف من جميع مكونات العراق، حيث كان عدد الأعضاء العرب السنة في هذا المجلس هو خمسة أعضاء يمثلون 20% من الشعب العراقي حسبما رأت الإدارة الأمريكية وقتها.

والعجيب أن السنة قبلوا منذ البداية بهذه النسبة المجحفة في هذا النظام الطائفي الجديد، ووصل الحال بالأحزاب السنية اليوم أن ترتمي بأحضان الأحزاب الشيعية، حيث استفادت الأحزاب الشيعية من تلك الظاهرة، لتبدو تكتلاتها كواجهة تمثل السنة بالعراق.

ينزل المكون السني إلى الانتخابات البرلمانية القادمة بأكثر من 50 حزباً وكياناً سياسياً. ويؤشر العدد الكبير لتلك الأحزاب إلى مدى الضعف والتشرذم الذي أصاب السياسيين السنة، وفي هذا السياق فإن أبرز التكتلات السنية تنحصر في:

تحالف التضامن العراقي: والذي شكله السياسي العراقي ومحافظ نينوى السابق أثيل النجيفي لخوض الانتخابات البرلمانية برئاسة أخيه أسامة النجيفي نائب رئيس الجمهورية، ويضم التحالف 11 كياناً سياسياً، بينها كتلة المشروع العربي التي يتزعمها السياسي ورجل الأعمال خميس الخنجر، وكذلك حزب الحق بزعامة النائب في البرلمان أحمد المساري.

ائتلاف الوطنية: يضم 26 كياناً سياسياً، بينها قوى سنية بارزة، أبرزها الأحزاب التي يتزعمها رئيس مجلس النواب سليم الجبوري، ورئيس الكتلة العربية في البرلمان صالح المطلك ورئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي، وتم تسجيل التحالف رسمياً لدى المفوضية العليا المستقلة للانتخابات.

ويتزعم الجبوري (سني) حزب التجمع المدني للإصلاح، في حين يتزعم المطلك (سني) الجبهة العربية للحوار، ويتزعم علاوي حزب الوفاق الوطني العراقي.

وبرغم أن علاوي شيعي ليبرالي فإنه دأب على خوض الانتخابات البرلمانية في العراق ضمن تحالفات مع القوى السنية منذ إسقاط النظام العراقي السابق في 2003م.

ثانياً: التكتلات الشيعية:

أبرز المظاهر السياسية داخل التكتلات الشيعية هو انشطار «حزب الدعوة» الحاكم إلى تحالفين، الأول سمي «النصر»، ويقوده رئيس الوزراء حيدر العبادي، والثاني «ائتلاف دولة القانون»، بزعامة نوري المالكي، بالإضافة إلى كتلة الاستقامة التي يقودها زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، بجانب ائتلاف الفتح والذي يضم 18 كياناً من أجنحة سياسية لفصائل الحشد الشعبي، أبرزها منظمة بدر بقيادة هادي العامري، وجماعة عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي، وقوى أخرى منضوية تحت مظلة الحشد الشعبي.

وبرغم ما يبدو من تشرذم وتعدد الأحزاب الشيعية إلا إن ثمة دلائل تشير إلى وجود اتفاق بين العبادي والمالكي لتشكيل تحالف واسع بعد الانتخابات، يضمن بقاء منصب رئاسة الوزراء في حزب «الدعوة». وفي هذا السياق يشار إلى زيارة مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية «علي أكبر ولايتي» إلى بغداد في السادس عشر من شهر فبراير، حيث وصفت تلك الزيارة بأنها محاولة للملمة شتات الحلفاء الذين فرقتهم التحالفات الانتخابية بعد أن تفاقمت الخلافات بين المكونات الشيعية المختلفة. وأن ولايتي جاء إلى العراق ليلعب دور الوسيط وتقديم النصح للقوى والكتل الشيعية من أجل الحفاظ على المكتسبات السياسية في الانتخابات الماضية المتمثلة بمنصب رئيس الوزراء.

في الجانب الآخر هناك حديث متكرر في وسائل الإعلام عن وجود توافق إقليمي ودولي على استمرار العبادي في منصبه لأربع سنوات أخرى، باعتباره شخصية متوازنة، يجب أن تكمل ما بدأته في السنوات الأربع الماضية، بشرط الحفاظ على المسافة بينه وبين إيران بشكل معتدل.

ثالثاً: الأكراد:

قائمة السلام الكردستانية: تضم الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني والحزب الشيوعي الكردستاني - العراق. وبرغم وجود عدد من الأحزاب والقوى الكردية المتنافسة فيما بينها في الانتخابات إلا إنها في الأخير تتجمع في تكتل واحد يمثل الأكراد وتنتظر ما ستؤول إليه التحالفات السنية - الشيعية، لكنها أقرب إلى التحالف مع الجناح الذي سيقوده العبادي، برغم موقفه السياسي إبان محاولة استقلال الإقليم.

وفي الأخير تأتي انتخابات هذا العام في وقت يعد العرب السنة في العراق هم الحلقة الأضعف، ويبدو أن هناك رغبة من القوى الشيعية ومباركة إيرانية لاقتناص فرصة الضعف والتشتت والقتل والتهجير الذي أصاب السنة لإنهاء دورهم بشكل كامل بحيث يصبح المكون السني مجرد ديكور ورقم غير مؤثر في العملية السياسية، ولا يملك أي قوة ضاغطة، وهو الأمر الذي يدركه حتى السياسيون السنة الذين تحالفوا مع بعض الكتل الشيعية من أجل أن يحظى بفرصة للوصول إلى البرلمان.

الإشكال الأكبر أنه وعلى الصعيد الشعبي لم تتولد بعد القناعة الكاملة بجدوى المشاركة الكثيفة في الانتخابات بحيث يشارك الناخب السني بقوة ويزحف نحو صندوق الانتخابات. والإشكالية الأخرى أن معظم التكتلات السياسية السنية تقف دون ظهير إقليمي يدعمها سياسياً ومالياً، للوقوف أمام القوى الشيعية المدعومة من النظام الإيراني، ويحاول لملمة شتاتها وبلورة أهدافها لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض.

على كلٍّ يبدو أنه تمت هندسة الانتخابات القادمة لإقصاء العرب السنة بشكل كامل في ظل حالة من السيولة تعيشها المنطقة وتحيط بها النكبات من كل جانب.