ما قد يميز رجل الدولة الناجح عن غيره هو أن يكون رجل دولة في مرحلته التاريخية التي يوجد فيها، وأن يتميز بين عصرين فيجعل ما بعده ليس كما قبله، وأن يعالج أخطاء من قبله من السياسيين، وبالأخص إذا كانت أخطاؤهم جارحة للشعب واقتصاده وقيمه وحضارته، وأخيراً أن يبقى التاريخ يذكر إنجازاته وأثره، وأن يرى فيه زعيماً وبطلاً قومياً، ومنقذاً لأمته، وفاتحاً لطريق نهضته، وهذا ما ينطبق على شخصية رجل الدولة عدنان مندريس رئيس وزراء تركيا الأسبق، فهو فاتح المرحلة الثانية من التاريخ التركي الحديث (1950-1960م)، بعد أن دخلت تركيا في المرحلة الأولى التأسيسية (1923-1950م)، والتي كانت في جوانب أخرى مرحلة الضيق والتعنت والتغريب وهجران الذات والضعف الاقتصادي داخلياً وخارجياً.

كان ميلاد عدنان مندريس في العام الأخير من القرن التاسع عشر عام 1899م، في مدينة آيدن التركية، وقد واكب مرحلة الانتقال السياسي للشعب التركي من الدولة العثمانية إلى الجمهورية التركية بكل صعابها وأمنياتها وآمالها من حرب الاستقلال وبناء النظام السياسي الجمهوري الجديد، فكان نائباً للحزب التركي الوحيد في ذلك الوقت وهو حزب الشعب الجمهوري عن مدينة آيدن، فكان بذلك بمثابة ممثل عن الحزب الحاكم ورئيسه ورئيس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك، ولكن اهتماماته الزراعية والاقتصادية والفكرية والحضارية جعلته يدرك أخطاء تلك المرحلة، بسبب دكتاتورية النظام السياسي، وتدخل الدولة باتخاذ القرارات الاقتصادية بالنيابة عن الشعب وأصحاب الشركات ورجال الأعمال الاقتصاديين، فكان مندريس من أوائل المطالبين بالتعددية السياسية الحزبية والديمقراطية الحقيقية، حتى لا تبقى مقاليد الدولة والشعب والاقتصاد بأيدي قيادة مغلقة من العسكريين الذين يتحكمون بالحزب الحاكم وبالنظام السياسي للجمهورية والتحكم بقيم الشعب الاجتماعية أيضاً.

كان عام 1946م مفتاح مرحلة جديدة من حياة الشعب التركي عندما أُقرت التعديلات التي تسمح بالتعددية السياسية وتأسيس الأحزاب السياسية أولاً، وخوض الانتخابات البرلمانية ثانياً، وتشكيل البرلمان والحكومات التنفيذية على أساس نتائج الانتخابات ثالثاً، لقد كان إقرار التعددية الحزبية السياسية بمثابة فتح باب الديمقراطية السياسية الصحيحة، وكانت مؤشراً مهماً على بدء مرحلة جديدة من العلاقات بين النظام السياسي الحاكم والشعب المسلم المحكوم، وبتعبير سياسي بين الدولة والدين في المجتمع التركي، في اتجاه منحى إصلاحي وتصالحي، وقد حاولت العديد من التيارات السياسية والدينية الاستفادة من بدء مرحلة التعددية الحزبية، لتجتمع قواها في تشكيل أحزاب سياسية منافسة لحزب الشعب الجمهوري، إذ بموجب الدستور التركي كان يمنع - ولا يزال - تأسيس أحزاب سياسية دينية، فكل المحاولات لتأسيس أحزاب إسلامية تم حلها ومنعها من العمل السياسي، ومنها:

1 - حزب «حماية الإسلام»، تأسس في 19/7/1946م، على يد نجمي كوناش ومصطفى أوزباك، وقد أغلق بعد 23 يوماً من تأسيسه بحجة مخالفته لدستور 1924م، الذي ينص على عدم اتخاذ الدين لأغراض سياسية.

2 - حزب «المحافظون»، أسسه الجنرال جواد رفعت أيتل خان، إلا إنه ألغي لاعتماده على أسس إسلامية في برامجه.

3 - حزب «الأمة»، أسسه المارشال فوزي جقمق، في 25/7/1948م، أكد في برامجه على احترام الدين، إلا إنه ألغي في عام 1953م، بحجة توجهاته الفكرية وأفكاره ضد مبادئ الجمهورية التركية .

هذه النماذج من استعجال تشكيل أحزاب سياسية على أسس دينية تبين تعطش الشعب التركي للعودة إلى جذوره الإسلامية، بكل مستوياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، بينما وجد عدنان مندريس بحكمته أنه لا يمكن القفز على منجزات المرحلة السابقة، ولو كانت خاطئة إلا من خلال القانون والاستفادة من التطورات السياسية، والعمل بطرق إصلاحية وتدريجية للتغيير، فكان قانون التعددية الحزبية ينص على شرط العلمانية لتأسيس الأحزاب السياسية، ولكن ليس بالضرورة أن تتبنى تلك الأحزاب موقف العداء للدين في برامجها الانتخابية ولا في سياستها الحكومية، فعمد عدنان مندريس إلى تأسيس حزب سياسي باسم «الحزب الديمقراطي»، وخاض به الانتخابات البرلمانية الأولى على أساس التعددية السياسية في تركيا عام 1950م، فكانت النتيجة مفاجئة للشعب التركي وللعالم بفوز الحزب الديمقراطي بزعامة عدنان مندريس في تلك الانتخابات، وقد هزم حزب الشعب الجمهوري المؤسس للجمهورية والذي حكم تركيا نحو ربع قرن منفرداً بالسلطة، أي إن حزب الشعب الجمهوري هزم على أيدي الديمقراطية، وبقي مهزوماً حتى اليوم على نفس اليد، لأن أفكاره ومناهجه وبرامجه لا تمثل إلا القلة القليلة من الشعب التركي.

عندما تسلم عدنان مندريس رئاسة الحكومة التركية عن طريق الانتخابات الديمقراطية تطلع إلى تلبية المطالب الشعبية في الحملة الانتخابية، فعمل أولاً على تحرير الاقتصاد من هيمنة الدولة، وهذا أنعش الاقتصاد التركي بزيادة نشاط الشركات والمصانع ورجال الأعمال والمستثمرين، وأتاح للمواطنين أماناً أكثر على تجارتهم وأملاكهم ومزارعهم ومصانعهم، فأخذت الطبقة الاقتصادية في الظهور والنمو والازدهار شيئاً فشيئاً، هذا الارتياح الاقتصادي لامس حياة كل مواطن تركي، وشعر بمدى التغيير الذي جاء به عدنان مندريس بالإصلاح الديمقراطي والاقتصادي، فقد كان القمع الاقتصادي السابق لدى حزب الشعب الجمهوري يستند على الطريقة الاشتراكية اليسارية وتسلط الدولة على المشاريع الاقتصادية.

وكان إدراك عدنان مندريس للمشكل الأكبر في حياة الشعب التركي موضع اهتمامه وتفكيره وإصلاحه أيضاً، فعمل على تخفيف وتعديل السياسات التعسفية السابقة في مجال الإصلاح الثقافي والحضاري والاجتماعي والتعليمي، فهو مواطن في دولة 99% من سكانها مسلمون، يؤمنون بالإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقاً فردية واجتماعية، ويحبونه بعقولهم قبل قلوبهم، وأن إبعاده عن حياتهم الاجتماعية والدينية والثقافية باسم الحداثة أو التحديث أو العصرنة أو العلمانية أو التحرر من الرجعية هي مصطلحات لا تنطبق على عقلية ونفسية الشعب التركي، فعمد مندريس إلى رفع القيود والمعاناة والاضطهاد الديني التي فرضها حزب الشعب الجمهوري على الشعب التركي نحو ربع قرن دون فائدة أولاً، ودون الحاجة إليها ثانياً، فلا علاقة بين الحداثة وقمع المتدينين، فأعاد الحياة إلى بعض الجوانب الدينية والاجتماعية ومنها:

السماح برفع الأذان باللغة العربية، بعد أن تم حظره عام 1928م.

قام بإلغاء الحظر على البرامج الدينية في الإذاعة وتلاوة القرآن فيها.

عمل على تشريع دروس الدين في المرحلة المتوسطة.

إقامة الكثير من المساجد أو ترميمها، بعد أن أغلق بعضها أو تم تحويلها إلى أعمال أخرى سيئة.

هذه الإصلاحات الاجتماعية أعادت إلى الشعب التركي مشاعر الحياة التي يعتز بها، والتي لا يحق لسلطة الدولة مهما كانت ملحدة أن تمنع الشعب منها قهراً، والعلمانية الأوربية نفسها لم تتدخل في حياة الناس الاجتماعية أو الدينية بشكل سافر كما فعل حزب الشعب الجمهوري ومؤسسه مصطفى كمال أتاتورك، وبذلك كان عدنان مندريس من أوائل السياسيين الأتراك الذين وضعوا حداً للتفسير المتعسف للعلمانية كمصطلح سياسي وسلوك اجتماعي، فالعلمانية في المصطلح السياسي تنظيم علاقة مؤسسة الحكم مع الشعب على أساس الحقوق والمساواة بين المواطنين دون تمييز بينهم بسبب أديانهم ومعتقداتهم وطوائفهم، وليست حكماً تعسفياً ضد فئة من الشعب، ولا هي موقف عدائي ضد الدين ومظاهره الاجتماعية والحضارية والثقافية والتربوية والتعليمية، وقد قابل الشعب التركي بالارتياح الإصلاحات التي قام بها عدنان مندريس بما فيها إصلاحاته بتفسير علمانية النظام السياسي، ولم يطالبوا بتدخل علماء الدين بإدارة شؤون الدولة السياسية، وهكذا ارتبط اسم عدنان مندريس بعودة الإسلام إلى الحياة التركية، وكان من أبرز مظاهر إحيائه الإسلامي الإجراءات السابقة.

لقد سعت حكومة عدنان مندريس إلى الإصلاحات السياسية الديمقراطية، ولكن بحذر وتدرج وخطوة بعد خطوة، لأن حكومة عدنان مندريس كانت تحت طائلة المحاسبة والتهديد من الدولة العميقة التي بناها حزب الشعب الجمهوري مع الجيش التركي لحكم تركيا في العقدين السابقين، ولذلك لم يوافق على تغيرات دستورية كبيرة دفعة واحدة، وعمل على المحافظة على أن تكون الجمهورية التركية مشابهة في نظامها السياسي للدول الأوربية وأمريكا، وبالأخص تنظيم علاقة النظام السياسي بالشأن الديني، أي في العلمانية السياسية، فلم يسمح بتأسيس أحزاب إسلامية سياسية، كما منع مكافحة العلمانية السياسية التي أقرها، سواء من الأحزاب أو الشخصيات التركية ذات المرجعية الدينية، وهكذا فإن الديمقراطية التي سمحت بالتعددية الحزبية السياسية وفرت فرصة ومدخلاً لتعديل العلاقة بين الدين والدولة، وبين الشعب ومؤسسات الحكم التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتركت الباب مفتوحاً لبدء مسيرة طويلة ومتدرجة في عودة الإسلام عاملاً مؤثراً في الصورة العامة للشعب التركي، بل وفي نوعية الأحزاب التركية السياسية المستقبلية والتي يتم تأسيسها من مسلمين متدينين بعده، كما ظهر على أيدي نجم الدين أربكان أو رجب طيب أردوغان وغيرهما، باعتبار أن الإسلام عامل مؤثر في صناعة الحياة السياسية التركية، سواء على صعيد الداخل أو في التعامل مع الدول العربية والإسلامية، ودون الحاجة إلى أسلمة الأحزاب السياسية، فلا معنى لأسلمة الأحزاب السياسية في تركيا طالما أن مؤسسيها وأعضاءها هم من أبناء الشعب التركي المسلم.

لم تنل هذه الإصلاحات موافقة عناصر الدولة العميقة في تركيا، ممثلة بمؤسسة الجيش ورجال الدولة المسيطرين على مؤسسات الدولة في السنوات السابقة، برغم رضا وموافقة الشعب التركي عليها، فالدولة العميقة كانت تراقب الإصلاحات التي قام بها عدنان مندريس ولكنها لم تقم بالانقلاب العسكري حتى جاءتها الموافقة من الولايات المتحدة الأمريكية، فالإصلاحات الاقتصادية والسياسية والثقافية والحضارية كانت تواجه برفض من الدول الأوربية وأمريكا، برغم أن حكومة عدنان مندريس قد سارت بخطوات كبيرة في التعاون مع الغرب، ومنها انضمام تركيا إلى حلف شمال الأطلسي 1952م، وتقديم تركيا طلب الانضمام للاتحاد الأوربي 1954م، وتوثيق علاقات تركيا بالدول الغربية بهدف تحديث تركيا صناعياً واستقدام المساعدات الحديثة لبناء الجيش التركي، بما فيها الاعتراف بـ«دولة إسرائيل» استجابة للضغوط الغربية، واستقدام المساعدات الغربية لتركيا، في ظل مخاوف من التهديدات السوفيتية باحتلال تركيا، بعد الحرب العالمية الثانية.

لقد وضعت الدول الأوربية وأمريكا العراقيل أمام حكومة عدنان مندريس، وفرضت عليه عقوبات اقتصادية بسبب إصراره على الإصلاحات التي يطالب بها الشعب، فقد رفضت كل الدول الأوربية وأمريكا منح تركيا قرضاً مالياً بقيمة ثلاثمئة مليون دولار أمريكي لتحسين الأوضاع الاقتصادية في تركيا، مما اضطر حكومة عدنان مندريس للتفكير بطلب هذا القرض من الاتحاد السوفيتي، فاتخذت الإدارة الأمريكية قرار الانقلاب العسكري على حكومة عدنان مندريس، فتدخل الجيش وأسقط حكومة عدنان مندريس عام 1960م، بعد فوز عدنان مندريس في دورتين انتخابيتين، وتم وضعه في السجن، ثم إعدامه بعد عدة أشهر، بحجة حماية العلمانية الأتاتوركية.

وبغض النظر عن النهاية المؤسفة لرجل دولة كبير مثل عدنان مندريس وحزبه (الحزب الديمقراطي)، إلا إنه وضع حجر الأساس للحياة السياسية الديمقراطية في تركيا، فلم يستطع الجيش بعده الإمساك بالسلطة السياسية، وقام بتعديل الدستور التركي عام 1961م، وأجرى الانتخابات الديمقراطية وفاز فيها حزب العدالة بزعامة سليمان ديميريل، الذي تبنى في حملته الانتخابية المطالب الشعبية التي عمل عليها عدنان مندريس وحزبه، لأنها مطالب شعبية ولن يستطيع رئيس وزراء تركي قادم التخلي عنها، فالمطالب الشعبية هي طريق الفوز في الانتخابات البلدية والبرلمانية في ذلك التاريخ، وهي طريق فوز الرؤساء الأتراك في الانتخابات الرئاسية القادمة أيضاً.

لقد نجح عدنان مندريس في إعطاء الصورة الصحيحة لرئيس الوزراء التركي الناجح، ولرجل الدولة السياسي الناجح في تركيا وغيرها، وهي عدم مقاومة الإرادة الشعبية ولا قمعها، وأن المسؤولين السياسيين هم خدم للشعب لتحقيق مطالبه، فدستور 1961م لم يهدر الإصلاحات التي قام بها عدنان مندريس بل أقرها، بما فيها الإصلاحات في الجانب الاقتصادي والديني والحضاري، وبصورة أهم عدم فرض الرؤية التعسفية لحزب الشعب الجمهوري في تنظيم علاقة الدولة بالمتدينين والحريات الشخصية والحقوق والحريات العامة، فقد استبدل النص الدستوري الذي أقر عام 1924م بأن هوية الحكم «جمهوري علماني»، فأصبح في دستور 1961م: «تركيا دولة علمانية ديمقراطية»، وذلك بفضل السياسات التي اتبعها عدنان مندريس أثناء حكمه.