يعد المؤرخ والمفكر التونسي د. محمد هشام جعيط من أهم المفكرين العرب الذين اشتغلوا ونقبوا في التاريخ الإسلامي وأعطوا أهمية كبرى لمناقشة جملة الإشكاليات المركزية في التاريخ الإسلامي وأهم مكونات الفكر الإسلامي والموروث الحضاري بشكل عام. ولعل من أهم القضايا المركزية التي تناولها دكتور جعيط مسألة نقد الشخصية العربية والثقافة الإسلامية والأزمات التي عاشها المسلمون وأهم الإشكاليات الكبرى التي واجهوها، كما تناول جعيط علاقة الإسلام بأوربا، وكذلك التركيز على التعمق في دراسة السيرة النبوية وشخصية النبي صلى الله عليه وسلم مستخدماً في ذلك المنهج التاريخي الذي تتداخل فيه جملة من العلوم الأخرى كالأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم الأديان والفلسفة حتى يتسنى له تقديم قراءة أكثر موضوعية وبعيدة عن التحليل الإيماني الذي يرى فيه أنه محاولة لاغتيال الحقيقة التاريخية.

الظروف التاريخية التي شكلت فكر جعيط

 لعل بعض القارئين لا يرون أهمية لهذا العنوان في هذه الدراسة لأن شخصية جعيط ليست هي المقصودة هنا في هذه الدراسة، ولكني أقول إنني أحاول أن أستخدم المنهج نفسه  الذي اتبعه جعيط في قراءته لجملة الإشكاليات الفكرية والتاريخية والدينية في موروثنا الحضاري، فمعرفة الظروف التاريخية التي نشأ فيها جعيط ستساعدنا حتماً في فهم ملامحه الفكرية وأهم المصادر التي شكلت فكره وأثرت فيه سواء من داخل الحقل المعرفي العربي والإسلامي أو حتى من بقية الحقول المعرفية والمدارس التاريخية الأخرى التي كان لها الأثر الكبير في تشكيل رؤيته الفكرية والتاريخية.

جعيط الذي ولد سنة 1935م مفكر مخضرم عاش فترة الاستعمار الفرنسي والحرب العالمية الثانية ودرس في مدرسة الصادقية التي تختلف في منهجها التعليمي عن التعليم الزيتوني، كما أنه أكمل دراساته العليا في فرنسا وعاش مدة شبابه في أوربا، ولا شك أن جعيط تشبع بالفكر الغربي خلال وجوده في فرنسا مما جعله يتأثر بأهم المدارس التاريخية التي ظهرت في أوربا خصوصاً المنهج التاريخي الذي اعتمدته المدارس الاستشراقية الأوربية في دراستها للتاريخ الإسلامي ودين الإسلام ونصوصه المركزية. كما أن جعيط عاش مرحلة ما بعد الاستعمار أي في فترة الاستقلال وما نتج عنها من تحولات جذرية في بنية المجتمعات العربية والإسلامية، خصوصاً تونس البلد الذي يعيش فيه جعيط، والذي لم يكن منسجماً مع النمط السياسي البورقيبي وكذلك النمط المجتمعي الذي عاش فيه، برغم أن جعيط ينحدر من عائلة علمية وبرجوازية متدينة فهو ابن عبد العزيز جعيط شيخ جامع الزيتونة والذي كان مختلفاً مع بورقيبة صاحب المشروع الحداثي الساعي إلى بناء تونس على النمط الأوربي. كل هذه الظروف كان لها الأثر الكبير في تشكيل النسيج الفكري لهشام جعيط وحركت فيه الرغبة في مناقشة كل المسلمات والقراءات التي يعتقد كثير من العرب والمسلمين أنها الحقيقة المطلقة.

إن حالة التخضرم التي عاشها جعيط بين فترة الاستعمار وفترة ما بعد الاستعمار هي التي ستنعكس حتماً على طبيعة وملامح فكر جعيط وستتحكم في قراءاته للموروث الثقافي الإسلامي مما قد يلمح لحالات من التناقض والغموض في دراساته جراء حالة التخضرم التي عاشها.

جعيط مفكر يتقاذفه القلق والحيرة

 لعل من أهم ما يميز هشام جعيط عن بقية المفكرين الآخرين من العرب والمسلمين الذين يتبنون المنهج التاريخي في تحليلهم للدراسات الإسلامية مثل أركون وعبد المجيد الشرفي وغيرهم أنه مفكر يعتقد أن الإسلام هو العنصر الأساس الذي يشكل الشخصية العربية والإسلامية وأنه لا يمكن الاستغناء عليه، ويرى أنه عامل محدد في بناء هذه الشخصية، ولكن يعتقد أن الذي يجب تغييره في ذلك هو الفهم الخاطئ للإسلام وللتاريخ الإسلامي الذي يحاول الكثير من المفكرين الإسلاميين قراءته قراءة إيمانية تغيب الحقيقة وتغتالها لتنتج لنا ثقافة إسلامية مأزومة خالية من كل علمية وموضوعية.

جعيط يختلف عن الدكتور عبد المجيد الشرفي الذي يختلف في طريقة تناوله لمجمل هذه القضايا الكبرى في التاريخ الإسلامي عن الدكتور هشام جعيط، وبغض النظر عن الاختلافات إلا إنهما يتفقان بشكل عام في المنطلق المنهجي وهو المنهجي التاريخي، وربما هذا يعود إلى تأثر كلا الطرفين بالفكر الاستشراقي الذي كانت تحركه بشكل خاص نزعة معادية للإسلام وللحضارة الإسلامية.

هذا التأثر بالمدرسة الاستشراقية لدى جعيط يجعل فكره يتسم بالحيرة والتناقض في الوقت نفسه، ويجعل رؤيته للنص الديني مثلاً هي قراءة من خارج سياقه وبأدوات لا تنسجم مع الحقل المعرفي الإسلامي، لأنها من إنتاج معرفي مختلف تماماً عن الثقافة الإسلامية التي كان لزاماً على جعيط أن ينتج منهجاً جديداً لتشريح مثل هذه القضايا، ويستنبط أدوات تشريحية تكون منسجمة مع النص الديني ومع طبيعة الظروف التاريخية التي ظهر فيها، والاعتماد على وثائق مادية وليست قراءات وتأويلات نابعة من سياقات معرفية مختلفة تماماً في مزاجها ومكوناتها عن السياقات المعرفية العربية الإسلامية.

من هذا المنطلق نلمح حالة من القلق لدى المفكر جعيط خلال تحليله لجملة هذه القضايا المركزية في الحقل المعرفي الإسلامي، ربما يعود هذا القلق إلى أن جملة الأبحاث التي انطلق منها لم تكن قلقاً نابعاً من ذات جعيط ومن حالة البحث عن إجابات مقنعة كانت تراود خلده وخلد كل المفكرين العرب، بل كان هذا القلق قد تشكل من خارج ذاته أي مما أنتجه المستشرقون الأوربيون الذين كانت تحركهم دوافع أخرى تتصل بعملية التشكيك في أن القرآن كتاب سماوي أنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولعل ما نتج عن هذا القلق الخارجي الذي تلبست به شخصية جعيط حالة من الحيرة العامة في إيجاد إجابة عميقة لهذا القلق الكامن في مساراته الفكرية والأكاديمية. ونحن بمجرد أن نقوم بتفحص لجل كتب هشام جعيط نجد أنه لم يتناول قضايا جديدة بل هو يتناول ما طرحه المستشرقون الغربيون بداية من القرن الثامن عشر والتاسع عشر حتى إننا نلمح أن جعيط يسكن في داخله مستشرقون يوحون إليه بما يريدون.

ولست هنا أتهجم عليه ولكن أقول إن جل العناوين لكتبه لا تخلو من وجود حكم مسبق أولي مستورد من خارج المنظومة المعرفية والفكرية والحضارية لهذه القضايا مثل عنوان كتابه «أزمة الثقافة الإسلامية» أو كتابه «الفتنة الكبرى» وغيرهما، وهذه عناوين لا توحي إلا بخلل في المنهجية وفي أدوات التحليل التي انطلق منها هشام جعيط، وحتى المبررات التي توصل إليها هي مبررات تخلو من معقولية وتوحي بأنها استنتاجات قطعية في نظره برغم أنه يلمح إلى نسبية الحقيقة في البحث العلمي. هذا القلق غير النابع من الذات والمستورد من خارج ذاته وحالة الحيرة التي تلمحها في فكر جعيط حوّل قراءته إلى قراءة منبتة عن جذورها وعن تربتها الحقيقية مثلما هو الحال لدى محمد أركون وعبد المجيد الشرفي ومحمد شحرور ونصر حامد أبو زيد وغيرهم من المفكرين العرب.

منهج جعيط وجملة الأسئلة المطروحة

قراءة فكر جعيط على مستوى المنهج:

   اعتمد الدكتور جعيط في أبحاثه على علم التاريخ أو المنهج التاريخي الذي يرى أنه بلغ درجة من المصداقية قربته كثيراً من العلوم الصحيحة، وهو يستعمل علم التاريخ بتداخل مع مجموعة أخرى من العلوم والمعارف مثل الأنثروبولوجيا (علم الأجناس) والفيلولوجيا.

ويلخص جعيط منهجه في التعامل مع هذا الموضوع بقوله: «إنه استقراء الماضي متسلحاً بمعرفة دقيقة بالمصادر والمراجع وبالتعاطف اللازم مع موضوعه وبرحابة صدر وثقابة الفكر»، ويضيف قائلاً: «ما سنحاوله هنا هو إعطاء نظرة أنثروبولوجية للثقافة العربية قبل الإسلام أولاً، واستقراء للنص القرآني وتتبع التأثيرات الخارجية والنظر النقدي في المصادر التاريخية والبيوجرافية».

والحقيقة إن ميل جعيط إلى المنهج التاريخي يعود بالدرجة الأولى إلى تأثره بالمدارس الاستشراقية التي أوجدت هذا المنهج من أجل البحث عن أي أخطاء داخل الإسلام خصوصاً على مستوى نصوصه المركزية وبالأخص القرآن، المُشَكِّل للبنية المعرفية والفلسفية للإسلام، كما ركزت هذه المدارس الاستشراقية على شخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم ودرست تاريخه ظناً منها أنها قادرة أن تكشف أن النبي صلى الله عليه وسلم قد يكون استقى القرآن من عند قسيسين ورهبان أو من اليهود أو السريانيين.

والحقيقة إن هذا المنهج يتميز بصرامة كبيرة في البحث والتنقيب لكن برغم ذلك فإن المستشرقين أخضعوه إلى جملة أحكامهم المسبقة وإلى نواياهم المعادية للإسلام، لكن هذا لا يعني أن كل المستشرقين كذلك، فمنهم من التزم بهذا المنهج وخرج بنتائج مبهرة تثبت أحقية الإسلام والقرآن.

ومهما يكن من نية هؤلاء إلا إن هذه المدرسة التاريخية انتشرت في أوربا وصار لها رواد كثيرون حتى في العالم العربي، ولعل هشام جعيط من هؤلاء الباحثين الذين وجدوا ضالتهم في هذا المنهج من أجل تقديم قراءات جديدة للتاريخ الإسلامي.

صحيح أن التزام جعيط بهذا المنهج الصعب أمر مطلوب وجيد غير أن جملة الإشكاليات التي تعرض لها بل حتى الاستنتاجات التي وصل إليها هي في الحقيقة استنتاجات قديمة وصل إليها المستشرقون وعملوا على ترويجها وأوهموا الناس بصحة استنتاجاتهم، لذلك فنحن نرى جعيط لا يستطيع أن يجزم بشكل مطلق بما وصل إليه من استنتاج، وهنا تكمن حالة القلق والحيرة لدى جعيط التي ذكرناها في البداية.

غير أن هذا المنهج بقدر ما يحتوي على فاعلية للوصول إلى جملة من الحقائق إلا أنه يلغي المنهج الخاص الذي يتضمنه النص القرآن مثلاً، فالقرآن ليس بالنص العادي الذي يمكن أن يطبق عليه مثل هذا المنهج لأنه في حد ذاته نص متعدد الأبعاد والدلالات والأوجه، وهذا التعدد يحتاج إلى منهج ينسجم مع بنيته النصية والدلالية، ولا أعتقد أن المنهج التاريخي الذي استورده جعيط من المستشرقين قادر على أن يقتحم أعماق محيطات القرآن.

فالنص القرآني هو نص من عند الله الذي بين أنه سيحفظ كتابه من أي تحريف أو نقصان أو زيادة، فإذا كان جعيط يؤمن بأن الله هو صاحب الكتاب تعهد بحفظ كتابه فكيف يمكن أن يحدث في القرآن نقص أو زيادة أو تحريف، ألا يدل هذا على تناقض بين ما ينطلق منه المنهج التاريخي وبين ما يوجد في القرآن من حقائق تتجاوز المنهج التاريخي وكل المناهج الأخرى.

إن حيرة جعيط وقلقه لا يقف في حدود المنهجية التي تناول بها بل يمس أيضاً جملة القضايا التي طرحها وجملة الاستنتاجات والخلاصات التي وصل إليها، فهي أيضاً أصابها القلق والحيرة بل وقعت في التناقض وظلت رهينة الاحتمال، وهذا ما يعترف به جعيط عندما يستخدم لفظ «ربما» كدليل على أنه لم يستطع الجزم بذلك. فكيف كان قلقه وحيرته على المستوى المضموني؟

قراءة فكرة جعيط على المستوى المضموني:

في ما يخص ما كتب عن حياة الرسول اعتبر جعيط أن المصادر التاريخية مثل سيرة ابن إسحاق أو ابن هشام أو غيرهما «لا تعطي إجابات علمية دقيقة؛ نظراً لتأخر تدوين هذه السير ولغلبة النزعة الوعظية عليها». أما الكتابات الحديثة فقد اعتبر أن «أغلبها لا يرقى حتى إلى ما كتبه القدامى من حيث القيمة العلمية»، واستثنى من هذا الحكم كتاب «حياة محمد» لمحمد حسين هيكل، الذي اعتبره «آخر الكتابات المحترمة». وأكد على أن غرض الباحث دائماً هو «مناقشة المسلمات» وأن «المعرفة التاريخية تبقى نسبية ومتغيرة بتغير المصادر والوثائق»، كما أشار إلى أن هناك نقاط استفهام عديدة تطرح حول معرفتنا عن تلك الحقبة؛ لأن هناك نقصاً في هذه الوثائق، وهو نقص أدركه كل من اشتغل على الشأن الديني أياً كان هذا الدين. إلا إن وجود هذه الصعوبات لا ينفي إمكانية إنشاء معرفة تاريخية عن الدين مستقلة ومختلفة عن الأبحاث الفقهية.

لم يستبعد الدكتور هشام جعيط في كتابه المعنون بـ«تاريخية الدعوة المحمدية في مكة» أن تكون بعض العبارات والآيات زيدت في النص القرآني عند تدوينه. واعتبر أن التأثيرات المسيحية على القرآن لا يمكن إنكارها. وعن محمد صلى الله عليه وسلم قال إنه ولد في حدود سنة 580م، وإنه كان يدعى «قثم» قبل بعثته، وتزوج وهو في الثالثة والعشرين وبعث في الثلاثين، وإنه لم يكن أبداً أمياً. ويذهب جعيط إلى أن النتائج التي تم التوصل إليها في دراسته للسيرة النبوية هي ثمرة «عشرات السنوات من البحث والدراسة وفق مناهج علمية صارمة»، وأنه إذ ينشرها فلأنه على يقين بأن ما يورده من «حقائق ينشر لأول مرة».

ويثبت الكاتب بالنسبة للقرآن أنه جمع في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأنه سهر شخصياً على جمعه وكتابته. غير أن هذا لم يمنعه من إيراد احتمال أن تكون هناك آيات أو كلمات سقطت من القرآن وأخرى زيدت فيه. ويضرب مثلاً على ذلك بقوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38] ، ويرى جعيط أن هذه الآية لا تنسجم مع نسق الآية التي وضعت فيها، إضافة إلى أن {أَمْرُهُمْ} أي حكم المسلمين لأنفسهم في زمن النبي عن طريق الشورى غير مقبول، «فاعتماد مبدأ الشورى يكون مقبولاً بعد النبي، أما في حياته فلا؛ لأنه هو ولي الأمر حينها». كما استغرب الكاتب أن يرد الخطاب بصيغة الغائب في حين أن الرسول كان بينهم.

والحقيقة إن ما طرحه جعيط من جملة الإشكاليات سبق أن طرح معظمها مستشرق ألماني في القرن الـ19 الميلادي.

إن الخطأ المنهجي الذي قام به جعيط وهو يحلل النص أنه أهمل تحليل النص من داخله واعتمد على تأويلات وتفسيرات من خارجه، وهذا في الحقيقة أفرز استنتاجات مبهمة وغير دقيقة بل متناقضة فالقرآن في داخله يطرح تحدياً على كل من يريد أن يجد فيه خطأ إلا إن جعيط ومن قبل المستشرقين يتجاهلون هذا ويخسرون المعركة ضد التحدي القرآني ويخرجون باستنتاجات قائمة على التأويل والاحتمالات والفرضيات، وهذا في الحقيقة ليس تحليلاً علمياً قائماً على الحجة والبرهان.

وبالنسبة إلى شخصية النبي صلى الله عليه وسلم يزعم جعيط أنه ولد 580م وليس سنة 571، ويعتقد أن ولادته ليست مرتبطة بهجمة أبرهة الحبشي على جزيرة العرب ويرى أن ربط المسلمين ولادة النبي بعام الفيل هو ربط غيبي يحمل بعداً رمزياً دينياً. كما يرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم نزل عليه الوحي في سن الثلاثين وليس في سن الأربعين. كذلك يزعم أن الاسم الحقيقي للنبي هو قثم وليس محمداً وأن هذا الاسم حصل عليه في المدينة.

ومهما كانت الفرضية التي يطرحها إلا أن جعيط يحاول أن يقنعنا أن ما وصل إليه استنتاجات وصل إليها بعد طويل من البحث وأخفى أن هذه المقولات هي لمستشرقين في الغرب ذكروا مثل هذا ولم يقدموا أي دليل على ذلك مكتفين فقط بتأويلات وتخمينات لا ترتقي إلى درجة العلمية.

إن جعيط كما وقع في قلق وحيرة على المستوى المنهجي فقد وقع أيضاً في قلق وحيرة مضمونية أي على مستوى الإشكاليات والأحداث التي قام بتحليلها، بل إنه وقع في عدة تناقضات فكل الروايات المتواترة تبرز أن الرسول صلى الله عليه وسلم اسمه محمد وهو يذكر اسمه بنفسه إلا أن جعيط ومن قبله المستشرقون يقولون ربما كان اسمه محمد. فلو كان الاسم الحقيقي للنبي قثم فما العيب في إظهاره ولماذا تم تركه؟ كما أن تاريخ ولادة النبي لماذا يتم ربطه بحدث أبرهة الحبشي فقد كان بإمكان العرب أيضاً أن يربطوه بأي حدث آخر ربما أفضل وأشد، ثم إن أغلب الروايات تثبت أن النبي نزل عليه الوحي وهو في الأربعين غير أن جعيط ينكر تاريخ ولادته من ناحية ويعترف بتاريخ نزول الوحي عليه فمن أين تحقق من تاريخ نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم. ويضيف الكاتب جملة أخرى من الاستنتاجات التي توصل إليها بخصوص النبي محمد صلى الله عليه وسلم منها أن والده توفي بعد ولادته وأن زواج محمد صلى الله عليه وسلم من خديجة رضي الله عنها كان في سن الثالثة والعشرين لكن جعيط لا يقدم أية أدلة مقنعة على ذلك ويكتفي بالتأويلات والفرضيات وهذا لا يستقيم في البحث التاريخي بل حتى المنهج التاريخي نفسه لا يقبله ولم يلتزم به حتى المستشرقون الذين تحكمت فيهم أحكام وأفكار مسبقة حولت الاستنتاجات نحو هذه الأحكام.

لم يكتف جعيط بذلك بل اعتبر أن النبي صلى الله عليه وسلم ربما يكون قد تأثر بالنصرانية وتلقى منها تعليماتها خلال رحلاته إلى الشام للتجارة، ويرى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن أمياً بل كان يعرف السريانية بحسب رأيه، ويخلص جعيط بعد أن يحاول تبيين مواطن التشابه بين القرآن وعدد من الكتب المقدسة التي سبقته إلى القول: «كمؤرخين يجب أن نقر بتأثير المسيحية السورية على إسكاتولوجيا (العلم الأخروي) القرآن وعلى قسط وافر من الأفكار والتعبيرات، وأن القرآن كنص من القرن السابع الميلادي ووثيقة من هذه الفترة قد أخذ من موروثها ببراعة فائقة».

ما ذهب إليه جعيط من أن الرسول لم يكن أمياً هو مخالف لما ورد في النص القرآن الذي وضح أن النبي لم يكن يعرف القراءة والكتابة وأن أمية النبي إثبات لمعجزة القرآن فلو كان النبي يعرف القراءة والكتابة لماذا يشبه نفسه في القرآن بالأمي، أليس تشبيه الذات بالأمية نقيصة في حق الإنسان! خصوصاً أن أعداءه في قريش كانوا سيتهمونه بالتحريف والتزوير وبأنه أخذ من ديانات أخرى، فلم لم يدعِ هذا مثلاً ورقة بن نوفل الذي كان عالماً بالأديان في زمن النبي عليه السلام!.

الحقيقة إن النتائج التي وصل إليها جعيط ليست حقائق وإنما تخمينات قائمة على تأويلات ليست من إنتاجه بل استنتاجات سبقه إليها المستشرقون.