الشرق مصدر النور، ومولد الحضارات، وأصل الديانات، وملتقى القارات القديمة، ومجمع الحكايات، ومنطلق البدايات، ومفترق النهايات، ومصدر المعرفة، ومنبع الحكمة.. فيه يتحرك «بندول» ساعة الزمان، فيتحرك التاريخ معه من الشرق إلى الغرب، لتظهر حضارات وتفنى أخرى!

ولا يخفى أن شمس الحضارة الإسلامية حينما أشرقت غيرت معالم البشرية وأثرت في مسارها فأنارت الدنيا بعدلها وعلومها، فهي تميزت بكونها حضارة تتفاعل مع محيطها، وتتحرك بانسيابية مثل انسيابية الماء الذي يعلو أرضاً يبست فتمزقت، ليحولها إلى خضراء يانعة، تؤتي أكلها كل حين؛ وبعضها لا يقبل الماء لكونها أرضاً سبخة لا تنبت شيئاً[1]، فكان للإسلام أثره فقد نقلتْ القيم الإسلامية العرب والعجم من حياة محدودة إلى حضارة منشودة، ومن عصبية التفكير إلى عالمية التأثير، لتكون قيم الإسلام هي الغاية التي تسعى إليها الإنسانية[2].

ولهذا فإن الحضارة الإسلامية حكم على غيرها، لكونها حضارة عامة لكل الناس شاملة لكل الفنون، متسلسلة في مسارها، عميقة من حيث جذورها، أصيلة في منطلقها، شاملة بتأثيرها، حضارة بشرية استمدت قوتها من عقيدة الإسلام، ومن فتوى الفقهاء، وتجارب أهلها، فينزل الفقه إما لتحقيق مصلحة أو دفع مفسدة[3].

ولذلك كانت الحضارة الإسلامية أول ميدان يستهدفه المستشرقون من الغرب، والمستغربون من الشرق، فيخضعونها من حيث الحكم إلى نتائج قامت على مقدمات دراسية لحضارة أخرى أوربية كانت أو شرقية، وهي لا ترقى أن تكون مثل الحضارة الإسلامية من حيث الرفعة والعلو، فضلاً أن تكون تلك الحضارة حَكَماً عليها، ثم ينطلق المستشرقون وأتباعهم من بعد استهدافهم للتاريخ إلى استهداف الفقه ثم الحديث ثم القرآن الكريم، فتنهار منظومة الحضارة الإسلامية بانهيار قيمة الفقه الإسلامي لكون الحضارة الإسلامية هي المخرج التطبيقي والعملي لحركة الفقه الإسلامي الاستنباطية من تفاعل جمع نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية مع التفكير.

والفرق بين ذات المستشرقين والمستغربين يكمن في جغرافيا المكان من حيث النشأة، مع بعض الفروق المنهجية في طرق النظر في الحضارة الإسلامية.

نجد الأستاذ إدورد سعيد يبين «الاستشراق» بقوله: «أسلوب تفكير يقوم على التميز الوجودي والمعرفي بين ما يسمى الشرق، وبين ما يسمى - في معظم الأحيان - الغرب»[4].

وأما التعريف الخاص للاستشراق بأنه: «تعبير يدل على الاتجاه نحو الشرق، ويطلق على كل من يبحث في أمور الشرقيين وثقافتهم وتاريخهم؛ ويقصد به ذلك التيار الفكري الذي يتمثل في إجراء الدراسات المختلفة عن الشرق الإسلامي، والتي تشمل حضارته وأديانه وآدابه ولغاته وثقافته»[5]، وقد نشأ الاستشراق مبكراً بعد الحروب الصليبية بعوامل سياسية ودوافع دينية[6].

ويعرف الاستغراب أو التغريب بأنه: «تيار فكري كبير ذو أبعاد سياسية واجتماعية وثقافية وفنية، يرمي إلى صبْغ حياة الأمم بعامة، والمسلمين بخاصة، بالأسلوب الغربي، وذلك بهدف إلغاء شخصيتهم المستقلة وخصائصهم المتفردة وجعلهم أسرى التبعية الكاملة للحضارة الغربية»[7]، ولهذا ولد من «الاستغراب» الأفكار الليبرالية والعلمانية وغيرها، وهي بذلك تمهد لنظرية النظام العالمي الجديد[8]، لتكون القيم الغربية «الأمريكية» أصلاً تحتكم إليه الشعوب، وتحكم أمريكا به، والمعيار الذي يقاس عليه الرقي والتقدم[9]، فتوضع الخطط والبرامج لدول الشرق بحسب ما يوافق القيم الأمريكية الخاصة بالشرق، وتقوم السياسة على قراءة التاريخ بما ينسجم مع تلك القيم[10].

ويمكن أن نحدد المنطلقات الذاتية الدافعة والمحركة لحركة المستشرقين والمستغربين من خلال تحليل البيئة المؤثرة في تكوين المستشرق والمستغرب، كما يلي:

١- الموقف من الدين: نجد أغلب المستشرقين ينطلقون من كونهم ينتمون إلى دينهم، فالعقيدة المسيحية وقراءة الكتاب المقدس بشقيه القديم والجديد، هي محور الدائرة التي ينطلق منها المستشرقون في الغالب، ويفترقون في كيفية التعامل مع مادة القراءة، لكنهم يحتكمون إلى قواعد حاكمة ملزمة لنتائج الدراسة[11].

وأما المستغربون فنجدهم ينطلقون من منطلقات ليست لها علاقة بالإسلام في أصلها، فهم في بحثهم لا ينطلقون من دائرة العلوم الإسلامية، ولا يعتمدون الرؤية الإسلامية في دراساتهم، لذلك نجدهم وإن اختلفوا في تعاطيهم للجوانب الحضارة الإسلامية بين لبراليين وعلمانيين وحداثيين وغيرهم، فهم متفقون في أهدافهم ويصلون لنتائج متقاربة؛ من رفض لنظريات الحكم في الحضارة الإسلامية، مع التشكيك في صلاحية الفقه الإسلامي في إدارة منظومة الحياة!

 ٢- الموقف من النص: نجد أغلب المستشرقين يأخذون بالنص دون النظر إلى صحته، وإذا صح عندهم فلا ينظرون إلى مصداقيته من حيث الموضوع، وذلك يرجع إلى تأثير الكتاب المقدس فيهم، فهم لا ينظرون إلى سند الكتاب المقدس، ولا ينظرون إلى مصداقية النص من حيث انطباقه على حقائق الأمور!

ومثلهم وقع المستغربون من الباحثين في ذلك فلم يتأثروا بمنهج القرآن الكريم مثل المستشرقين، بل كانوا في ذلك في مقام التابع لأي إثارة للشبهات دون مقام المتشبه في تقدس النص! ليكون مقام المستشرقين - برغم تعصبهم - أعلى من مقامه القائم على تشكيك المقدس، والفرق بين ثبوت النص القرآني وثبوت نصوص الكتاب المقدس معروف[12]، كما أخذوا بمنهج المستشرقين في النظر إلى الحديث، وكيفية إسقاط الخبر التاريخي الذي يفتقد إلى التثبت على الحضارة الإسلامية[13].

٣- مناهج البحث في المؤسسات المعرفية الغربية: قامت على دراسة الشرق من زاوية مبدأ «الشك المطلق» في كل شيء، مع التسليم الكلي لمسلك الغرب في التفكير، فيظهر دور أغلبهم كأستاذ ناقد، وليس كباحث متجرد، لكون طرق البحث في هذه المؤسسات في الغالب يتعامل مع معطيات الشرق بحسب التفسير المادي للتاريخ[14]، مع إهمال مقصود للبعد الروحي للقيم التاريخية الموجودة في المشرق المسلم[15].

ونجد المستغربين كذلك يسلك أغلبهم مسلك الشك والنقد والحكم المجرد على الأصول الواضحة [16] دون أن يستند في ما ينتج عنهم إلى قواعد تفكير ومعتبرة وأساليب بحثية مقررة.

فتكون نتيجة المنهجين، أن كل ما أنتجه الشرق الأصل فيه الشك والظن ما لم يقم دليل على قبوله! وعلى الضد منه أن كل ما أنتجه الغرب الأصل فيه القبول ما لم يقم دليل على إعمال الشك فيه! فنجد الباحثين المستغربين يجعلون من أقوال المستشرقين والغربيين مصدراً يلهمهم ويرشدهم، عندها تكون الدراسة معتبرة من حيث الجودة، ولها أثرها من حيث التطبيق[17]!

٤- أثر الدولة على نوع الدراسة[18]: نجد أثر القرار السياسي يظهر في نوع الدراسة ونوع الطلاب الذين يدرسون الشرق (الإسلام)، ولهذا نجد أن هناك فرقاً بين التفسير «المثالي للتاريخ» متمثلاً بما كتبه هيجل، والتفسير «المادي للتاريخ» متمثلاً بما كتبه ماركس، والتفسير «الحضاري للتاريخ» متمثلاً بما كتبه تونبي[19]، مما يولد لنا نظريات لا تقوم على أصول يحتكم إليها، وهذا ما توصل إليه أوزوالد شبنجلر وأرنولد توينبي[20]، وكذلك باول شمتز[21].

ومثل ذلك نجد حركة الاستغراب، والتي تأثرت أيضاً بالقرارات السياسية، والمؤسسات البحثية الموجهة فكرياً، فأغلب البعثات التي أرسلت إلى الغرب رجعت وهي متأثرة بالغرب وتدين له بالولاء[22]، ليولد جيل من خريجي الغرب كجيش يحتل مقاعد التدريس في الجامعات العربية[23].

ويمكن أن نحدد عناصر الافتراق بين المنهج الاستشراقي والاستغرابي من جهة والمنهج الإسلامي في التعامل مع التاريخ بما يلي:

١- المنهج الإسلامي ينطلق من ضوابط تضبط مصادر المعرفة من حيث أصلها ونشوئها، وكذلك يضبط القواعد المؤسسة للبحث في هذه المصادر؛ فنجد علم الحديث وضبط الرجال أصلاً في ضبط نقل النص؛ وقواعد الاستنباط هي المرجع في تخريج الحكم من النص، وكل خبر تاريخي يفتقد إلى شروط الخبر الصحيح لا يعد ولا يعتبر في الحكم، لكون مصداقيته محط نظر، وقابلة للأخذ والرد؛ بينما نجد الباحثين المستغربين والمستشرقين ينظرون إلى النص التاريخي على أنه أصل يرجع إليه في الحكم على الإسلام وحضارته، مهما كان هذا النص ومهما كانت فحواه.

ولهذا وجب إعمال قواعد التحري التي وضعها أهل الفقه وعمل بها القضاة في تحري الدعوى، فكل دعوى من باحث لا تخضع لضوابط معتبرة فهي مردودة مرفوضة، وهذا الأصل لا يدركه من سلك منهج الغرب في بحثه، فنجد مثلاً الإمام الغزالي يضع قاعدة تحكم الأخذ بالتاريخ (الزمن) في ضبط النتائج قائلاً: «إِنْ أَشْكَلَ التَّارِيخُ، فَيُطْلَبُ الْحُكْمُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ»[24]، فمثل هذه القواعد التي تناثرت في كتب الفقه الإسلامي تحتاج إلى جمع، ولهذا يدخل التاريخ كضابط للحركة المعرفية للأحكام، قال الإمام السرخسي: «طلب التَّارِيخ ليعلم بِهِ النَّاسِخ من الْمَنْسُوخ، وَإِذا لم يُوجد ذَلِك يَقع التَّعَارُض بَينهما»[25]، وإذا وقع التعارض دون مرجح ذاتي هنا يُبحث عن مرجح خارجي؛ هذا في ما يخص ترجيح الأحكام بكيف، فما يشترط في ثبوت النصوص من القرآن والسنة النبوية أشد من غيرها من النصوص، والحكم من على غيرها من حيث التدوين، فلا يقدم المظنون على الثابت، كما لا يقدم الشك على اليقين؛ ومثل هذا لا نجده في المنهج الغربي فالنص يثبت عندهم لكونه مقدساً مع غياب لمنهج ثبوته ونقده.

٢- مصادر المعرفة في الحضارة الإسلامية تنطلق من حركة العلوم الشرعية، والتي بدورها تؤثر في حركة العلوم الأخرى، وخير شاهد على أثر العلوم الشرعية في ازدهار العلوم الأخرى أننا لا نكاد نجد عالماً في الفقه إلا وكان عالماً في علم آخر من هندسة وطب وفلك وغيرها[26]؛ كما يظهر أثر هذه العلوم في تشريعات الحكم والدولة بشكل تراكمي وكمّي ونوعي من قوانين وطرق حكمية مع بيانها.

٣- عدم قدسية المنتج البشري الفردي الخاص، والحكم عليه من خلال نتاج الجهد البشري العام، المؤيد بظواهر النصوص؛ فلا قديسة إلا للنص.

فنجد أثر الاجتهاد البشري في إدراك العلوم معتبراً، لكن مدى قبوله يعتمد على الأثر، ولهذا فقدسية الأشخاص غير معتبرة، وعلى العكس من هذا نجد أن المستشرقين والمستغربين يقدسون بعض الأشخاص على حساب مصداقية المنتج الخاص بهم!

٤- الجزء ليس أصلاً في الحكم على الكل، فدائرة الحاكم ليست هي المعيار الذي نحتكم لما ينتج منه فيكون أصلاً في الحكم على الحضارة الإسلامية، لكون الحضارة الإسلامية هي منتج «جمعي» من جهة، وهي أيضاً منتج «كمي» تراكمي، فالسلطة للأمة من حيث العموم، وإدارة الدولة للحاكم من حيث الخصوص، والحكم على الخاص «خاص» من قبيل الاستثناء، والحكم على العام «عام» من قبيل القاعدة القابلة للقياس؛ فمفهوم السلطة في الحضارة الإسلامية لا ينحصر بالخليفة أو السلطان، فهو يتعدى إلى غيرهم، فمسؤولية العمل والحركة نابعة من ذات المجتمع، تؤثر بالسلطان، والسلطان يؤثر في جانب من الجوانب، لنجد أثر الفقهاء والمفكرين في حركة الحضارة الإسلامية، واستمراريتها واضح، هذا الأثر هو بمثابة خط التصحيح لمسار الدولة، وهو قريب من المجتمع أكثر من قربه من المؤسسة الرسمية.

هذا الفارق يغيب عند قراءتنا للحضارة الأوربية مثلاً، فقد ارتبطت بالدولة ومؤسساتها الرسمية والدينية، ولهذا يستخدم المستشرقون والمستغربون وحدة القياس الأوربية في الحكم على الحضارة الإسلامية، وهذا شذوذ في المنهج وخروج عن أصول البحث العلمي المتجرد، وهذا فارق يستحق الوقوف عنده.

يبقى هذا الموضع موضوعاً قابلاً للبحث والتوسع، فنحن بحاجة لقراءة قواعد للتاريخ شبيهة بالقواعد الفقهية، مع إدراك طرق استنباط أصيلة تساهم في مخرج يناسب العصر وحاجة الأجيال.


 


[1] ينظر: زيغرد هونكه، شمس العرب تسطع على الغرب، ترجمة: فاروق بيضون، دار الجيل، بيروت، الطبعة الثانية: 1993م.

[2] ينظر ما كتبه: الشيخ إبي الحسن الندوي، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟، مكتبة الإيمان، المنصورة - مصر؛ أحمد علي الملا، أثر العلماء المسلمين في الحضارة الإسلامية، دار الفكر، دمشق، الطبعة الثانية، 1981م.

[3] يقول ديونت: «إن قيام الحضارة الإسلامية واضمحلالها لمن الظواهر الكبرى في التاريخ. لقد ظل الإسلام خمسة قرون من عام 700م إلى عام 1200م يتزعم العالم كله في القوة، والنظام، وبسطة الملك، وجميع الطباع والأخلاق، وفي ارتفاع مستوى الحياة، وفي التشريع الإنساني الرحيم، والتسامح الديني، والآداب، والبحث العلمي، والعلوم، والطب، والفلسفة» وِل ديورَانت، قصة الحضارة، تقديم: الدكتور محيي الدين صابر، ترجمة: الدكتور زكي نجيب محمود وآخرين، دار الجيل، لبنان، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، 1988م، ج13، ص382.

[4] إدورد سعيد، الاستشراق المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة: محمد عناني، رؤية، القاهرة، 2006م، ص45.

[5] ينظر: الموسوعة الميسرة، أصدرتها: الندوة العالمية للشباب الإسلامي، الطبعة: الرابعة، 1420هـ، ج2، ص687.

[6] أول المستشرقين غربرت الفرنسي الذي أصبح بابا الفاتيكان باسم (سلفستر الثاني) (999-1002م، 389-393هـ) حيث درس في قرطبة. ينظر: عمر فروخ، المستشرقون ما لهم وما عليهم، بحث منشور: الاستشراق، دار الشؤون الثقافية، بغداد، العدد: 1، كانون الثاني، 1987م، ص54.

[7] ينظر: الموسوعة الميسرة، ج2، ص698؛ أنور الجندي، أهداف التغريب في العالم الإسلامي، سلسلة قضايا إسلامية معاصرة، يصدرها: الأزهر، القاهرة، ص3.

[8] تقوم نظرية فرانسيس فوكوياما على أن بعد صراع الحضارات سيتم غلبة حضارة الغرب على الشرق، تحت سلطة نظام عالمي جديد، ينظر كتابه: نهاية التاريخ وخاتم البشر، ترجمة: حسين أحمد أمين، مركز الأهرام، القاهرة، الطبعة الأولى، 1993م، مثلاً عند كلامه في مبحث: الثورة الليبرالية على النطاق العالمي، ص51، وكلامه عن الإسلام 56، وكلامه في مبحث: محاولة لكتابة تاريخ عالمي، ص65.

[9] ينظر ما كتبه هنري كسنجر عن المثالية الأمريكية ووجوب الإيمان بها وأنها أساس النظام العالمي الجديد: هنري كسنجر، الدبلوماسية من الحرب الباردة وحتى يومنا هذا، ترجمة: مالك فاضل البديري، الدار الأهلية، عمان - الأردن، الطبعة الأولى، 1995م، ص573 وما بعدها.

[10] فرق السياسي المعروف زيغنيو بريجنسكي بين السيطرة على العالم وقيادة العالم بالنسبة للنظام العالمي الجديد، لتتحقق القيادة للعالم عن طريق نشر العولمة وشيوع القيم، حيث يقول: «لا تمثل العولمة بالنسبة إلى النخبة السياسية والاقتصادية الأمريكية مجرد حقيقة ظاهرة للعين المجردة، بل هي معيار واضح. فهي توفر آلية تفسيرية ووصفة معيارية. وهي ليست مجرد أداة تشخيصية فحسب، بل برنامج عمل أيضاً. وهي النواحي المجتمعية للعولمة، في صيغة منظومة، ترتقي إلى مذهب يستند إلى التأكيد الأخلاقي الواثق من حتميته التاريخية»، الاختيار.. السيطرة على العالم أم قيادة العالم؟، دار الكتاب العربي، بيروت، 2004م، ص161.

[11] وهو يمثل بـ«الطغيان الديني» على الدراسات الغربية. ينظر: سفر الحوالي، العلمانية نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة، دار الهجرة، ص128.

[12] ينظر نقد سند الكتاب المقدس: عثمان سعيد العاني، الأساطير اليهودية حول أرض المسجد الأقصى، دار النهضة، دمشق، الطبعة الأولى، 2010م، ص15-18، 28-41؛ وقد وقع في مثل التيه بعض مراجع الشيعة مثل أبي القاسم الخوئي، حيث ينفي التواتر في ثوابت القراءات القرآنية، ويثبته في القرآن الكريم! وهو لا يدرك طرق التخريج في هذا المسألة. ينظر: أبو القاسم الخوئي، البيان في تفسير القرآن، أنوار الهدى، إيران، الطبعة الثامنة، 1989م، ص156-160؛ ورد كل ما قاله من خلال تحري ما كتب في ضبط النص والقراءات عند سلف وخلف الأمة. ينظر: عبد اللطيف الخطيب، معجم القراءات، دار سعد الدين، دمشق، الطبعة الأولى، 2002م، ويقع في أحد عشر مجلداً؛ وكذلك: غانم قدوري الحمد، رسم المصحف، لجنة الاحتفال بمطلع القرن الخامس عشر الهجري، بغداد، الطبعة الأولى، 1982م.

[13] نجد مثلاً أن محمد أركون يسلك مسلك المستشرقين في كيفية التعامل مع الحديث النبوي، فيقع في سوء بحث وشذوذ تفكير، حيث يجعل ما دونه البخاري ومسلم في صنف واحد مثل ما دونه الكليني والطوسي. وعلم الجرح والتعديل علم خاص بالحضارة الإسلامية لا نجد مثله عند الشيعة أو غيرهم، وقد أدرك مثل هذا النقص المرجع الشيعي (أبو القاسم الخوئي: ت 1899-1992م) في موسوعته المشهورة: معجم رجال الحديث، مؤسسة الإمام الخوئي، النجف، الطبعة الأولى، في المجلد الأول، تحت مبحث «الحاجة إلى علم الرجال»، ص19، و«رواية الكتب الأربعة ليست قطعية الصدور» لوجود الكذابين والوضاعين، ص22، دون أن يدرك آلية كتابة الحديث وكيفية التدوين وكأن البخاري أو مسلماً أو غيرهما دونوا الحديث باجتهاد شخصي منهم وليس أنهم جمعوا ما أنتجه الاجتهاد الجمعي لمن سبقهم، وبقي ما دونه محل أخذ ونقد حتى تحول إلى مصدر من مصادر النصوص وليس مصدراً من مصادر الفتوى، لكون الفتوى تعالج النص بتحليل وضوابط استنباطية وأصولية، ثم يستخدم مصطلحات نصرانية للحكم على المخرج العلمي الإسلامي! مثل مصطلح اللاهوتية ومبدأ الأرثوذكسية في التدوين! هذا نموذج من خروجه عن المنهج العلمي الإسلامي. ينظر: محمد أركون، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، ترجمة وتعليق: هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، الطبعة الرابعة: 2007م، ص107 وما بعدها.

[14] ينظر: سالم البهنساوي، تهافت العلمانية في الصحافة العربية، دار الوفاء، مصر، الطبعة: الأولى، 1990م، ص142.

[15] هو ما يسميه الدكتور عماد الدين خليل بـ«البعد الثالث»، الذي يتحرك بين ثنائيات متضادة أو متقاربة، فيكون بمثابة العامود الحامل لكفتي الميزان فيحقق التوازن المطلوب في التصور والحكم. ينظر: عماد الدين خليل، تهافت العلمانية، دار ابن كثير، دمشق، الطبعة الأولى، 2008م، ص118؛ يقول الدكتور عماد الدين خليل عند كلامه عن الحضارة الإسلامية: «إنها الحضارة التي قدرت، انطلاقاً من رؤيتها هذه، على أن تجمع في كل متناسق واحد: الوحي والوجود، والإيمان والعقل، والظاهر والباطن، والحضور والغياب، والمادة والروح، والقدر والاختيار، والضرورة والجمال، والطبيعة وما وراءها، والتراب والحركة، والمنفعة والقيمة، والفردية والجماعية، والعدل والحرية، واليقين والتجريب، والوحدة والتنوع، والإشباع والتزهد، والمتعة والانضباط، والثبات والتطور، والدنيا والآخرة، والأرض والسماء، والفناء والخلود». عماد الدين خليل، مدخل إلى الحضارة الإسلامية، المركز الثقافي العربي، المغرب، الطبعة الأولى، 2005م، ص59.

[16] نجد الجابري يحاكم تاريخ الحضارة باعتباره تاريخاً لمنتج مغلق منكفئ على ذاته، لا يقبل الانفتاح! علماً أن واقع المخرج التطبيقي الفقهي يشهد كيف تم استيعاب المتغيرات التي مرت بالحضارة الإسلامية، وهذا ما نتج من طرق إدارة الدولة في الحضارة الإسلامية لكل ما يتعلق بجوانب الحياة، لكن الجابري يجعل من تعميمه حكماً مسلماً به، يفتقد إلى بيان كيف استنبطه! ينظر مبحث «الدين والدولة في المرجعية التراثية»، محمد عابد الجابري، الدين والدولة وتطبيقات الشريعة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة: الأولى، 1996م، ص57-63.

[17] يرصد هذا الاضطراب المنهجي لدى المستشرقين الدكتور محمد عابد الجابري في مبحثه «كيف نعيش عصرنا؟ كيف نتعامل مع تراثنا؟»، ليقع في اضطراب آخر! فيسلك مسلك المستغربين، ينظر: الجابري، نحن والتراث.. قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي، المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة: السادسة، 1993م، ص14-26.

[18] وهو يمثل بـ«الطغيان السياسي» على الدراسات الغربية. ينظر: سفر الحوالي، العلمانية، ص133.

[19] ينظر: عماد الدين خليل، التفسير الإسلامي للتاريخ، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الأولى، 1975م، ص23، 40، 70؛ فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ وخاتم البشر، كلامه في مبحث:«محاولة لكتابة تاريخ عالمي» عن هيجيل وماركس، ص65- 74.

[20] حيث كتب أوزوالد شبنجلر كتابه «أفول نجم الغرب»، فنجد أثر هذا الكتاب في أفكار توينبي وفي كتابه «دراسة التاريخ». ينظر: فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ وخاتم البشر، ص75.

[21] حيث كتب «الإسلام قوة الغد العالمية»، ترجمة: محمود شامة، مكتبة وهبة، القاهرة، 1973م.

[22] يروي لنا الدكتور عمر كيف عرض عليه المستشرق وليم مارسيه (1872-1956م) وولويس ماسينيون (1883-1962م) أن يعلموه مجاناً في باريس ويترك ألمانيا، «ثم إذا رجعت إلى بيروت.. وجدت منصباً ينتظرك»، فكان رد الدكتور عمر فروخ شديداً. ينظر: عمر فروخ، المستشرقون ما لهم وما عليهم، بحث منشور: الاستشراق، دار الشؤون الثقافية، بغداد، العدد: 1، يناير، 1987م، ص62.

[23] هناك مصادر يرجع إليها لبيان حركة التغريب، منها: محمد محمد حسين، الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، المطبعة النموذجية، القاهرة، الطبعة الثانية، الجزء1، ص224-348، وقد ذكر فيها حركة التغريب وقادتها؛ أحمد فهد بركات الشوابكة، حركة الجامعة الإسلامية، مكتبة المنار، الأردن، الطبعة الأولى، 1984م، ص105-115؛ صابر طعيمة، أخطار الغزو الفكري على العالم الإسلامي بحوث حول العقائد الوافدة، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأولى، 1984م، ص207-219.

[24] أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي حجة الإسلام (ت: 505هــ)، المستصفى، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، 1993م، ص254.

[25] شمس الأئمة السرخسي: محمد بن أحمد بن أبي سهل (ت: 483هـ)، أصول السرخسي، دار المعرفة، بيروت، ج2، ص12.

[26] ينظر مثلاً متحف الحضارة الإسلامية في إسطنبول، وأثر حركة الفقهاء في تطوير العلوم. فؤاد سزكين، متحف إسطنبول لتاريخ العلوم والتكنولوجيا في الإسلام نظرة عامة، شركة إسطنبول، بلدية إسطنبول الكبرى، الطبعة الأولى، 2010م، حيث ذكر سزكين الصفات التي تميز الحضارة الإسلامية، وذكر منها: النقد المنصف، والاستعداد لذكر المصادر (الأمانة العلمية)، والتدوين المبكر، والموازنة بين النظري والعملي، والرصد المستمر، وتحصيل العلم من الكتاب والأستاذ معاً.