عندما يجري الحديث عن القراءة العلمانية للتاريخ الإسلامي فإن الأمر يتجاوز الحديث عن وقائع معينة تمت روايتها وتدوينها في كتب التاريخ، ليجري الحديث عن الأرضية التي يجري على أساسها تحليل واستنباط النتائج من الوقائع، كما أن هذا يشمل المنهج المتبع في التحقق من تلك الوقائع، إنه في المقام الأول حديث عن فلسفة التاريخ، عن المنهج الذي يسلكه المحلل في قراءته وتوظيفه للأحداث التاريخية في نسقه التحليلي، قبل المنهج المتبع في التحقق من صدق الرواية التاريخية.

تتفق العلمانية في الجانب السياسي على حد أدنى من عدم اعتبار تأثير الدين في الجانب السياسي إلا أن يكون عاملاً ثانوياً[1]، وكما هو الحال في السياسة، فإن الأمر يتعلق بقراءتها للتاريخ، ولكن تتفاوت في إقصائها لتأثير الدين، فتصل بعض الرؤى العلمانية إلى إقصاء الدين تماماً عن التاريخ، لتجعل المحرّك في التاريخي هو أي شيء إلا الجانب الديني، فبعضهم يرد الأمر إلى الجانب الاقتصادي، أو البيئي، أو العرقي، والبعض يجعل للدين تأثيراً إلا إنه في حدود التأثير الثانوي.

ولما يجري الحديث عن قراءة العلمانية للتاريخ الإسلامي فهو في المقام الأول حديث عن تاريخ مرتبط بدين، وهو الإسلام، فقد تنوّعت الرؤى العلمانية في النظر إليه، ويمكن تقسيم زاوية النظر العلماني إلى التاريخ الإسلامي إلى إطارين أساسيين:

الإطار الكوني: الذي يرى الانطلاق من فلسفة مطلقة، تحمل رؤية عامة للكون، للأخلاق، للسياسة، والتاريخ... إلخ.

الإطار التحليلي والتفكيكي: الذي تأثر بخط فلسفات ما بعد الحداثة التي شاعت في أوربا، كأثر على انهيار الفلسفات الكونية التي شكلت الماركسية آخر معاقلها[2].

أما الجانب الكوني، فمن أمثلته:

1- الحركة القومية: تلك التي تُرجع الحركة التاريخية إلى عوامل عرقية، أو لغوية، أو جغرافية، أو كل ما سبق، وقد تُدخل الدين باعتباره منتجاً قومياً ورسالة تعبر عن طموحات ورؤى الجانب القومي في أمة معينة، على سبيل المثال سلك جوزيف نسيم يوسف هذا المسلك في قراءته للحرب الصليبية، وكان يكتب في العصر الذهبي للقومية العربية أيام جمال عبد الناصر، حيث إنه رأى في مقاومة الغزو الصليبي لديار الإسلام «فكرة الوحدة العربية، وحركات البعث واليقظة بين العرب»[3].

لقد رأى أن العامل الديني للحروب الصليبية لم يكن سوى حركات مسرحية، القصد منها إثارة الغرب الأوربي ضد العالم العربي، وكان المستهدف منها بشكل أساسي العرب تحديداً، وفق العامل القومي[4].

وحتى لما تكون بعض الوقائع منغِّصة على هذا النسق الذي يتحرك في إطاره الكاتب، مثل كون صلاح الدين من أصل كردي، فإنه يتعامل معه لا بوصفه متديناً بالإسلام وأن الإسلام كان العامل الأساسي في حركته، بقدر ما يرى أنه كان يحمل مشروعَ حركةِ اليقظة العربية، ومجيِّش القوى المصرية الناهضة[5].

إنه بهذا يصبغ التاريخ بالمفهوم القومي الحديث، ويرى أنه المؤثر الأساسي في الحركة التاريخية، بخلاف الدين الذي لم يكن عاملاً أساسياً لا في أوربا التي تجهزت الحرب الصليبية في أحشائها، ولا في المناطق الإسلامية التي تحرك عربها وعجمها للدفاع عنها بوصفها أرض الإسلام، في وجه غزو رأوا أنه كافر يعتدي على ديار الإسلام.

2- الحركة الاقتصادية: تُرجع هذه الرؤية حركة التاريخ بمجمله إلى تأثير الجانب الاقتصادي، وقد استشرت هذه الفكرة بين الماركسيين العرب في نظرهم إلى التاريخ الإسلامي، على أن أحداثه جاءت في إطار صراع بين الثروات، وإن كان يعلوها فوقياً أي في الجانب الثقافي بناءٌ على شكل صيغ دينية، ومن أشهر القراءات التي توضع في هذا الإطار كتاب «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية»، لكاتبه حسين مروة، حيث يحلل الكاتب التاريخ الإسلامي من هذه الزاوية، فيرى أن قريشاً استمدت سيادتها على باقي القبائل قبل الإسلام باعتبار العامل الاقتصادي بشكل أساسي، فيقول: «إن تعاظم ثروة قريش كان يزداد تأثيراً في تغيير القيم القَبَليّة، وفي إنتاج قيم جديدة تقوم على قاعدة مادية - اقتصادية هي المرجع الأول، برغم استمرارية الكثير من الاعتبارات القَبَليّة التي أصبحت في المركز الثانوي من التأثير، في مجرى الحياة العامة لأهل الجاهلية، بذلك أصبحت مكة في المركز المسيطر على عملية تفكيك البنية الاقتصادية الاجتماعية للمجتمع القبلي من أساسها»[6].

وفي إطار تفسيره للنبوة التي جاء بها محمد # فإنه يضعها في إطارٍ طبقي اقتصادي، إذ يرى أن ظهوره كان شكلاً من التعبير عن التغييرات المستجدة في أسس العلاقات لمجتمع الجاهلية، تلك التغيرات التي كان أساسها الأول اقتصادياً بنظره[7].

ويرد حسين مروة عقائد الإسلام إلى أهداف اجتماعية سعى لها هذا الظهور، فتوحيد الله عز وجل هو مجرد انعكاس لفكرة التوحيد الاجتماعي، فالدين الواحد كان يعني شعباً واحداً[8] في وجه تفكك المجتمع القبلي القديم، والسبب الأساسي في هذا هو تعاظم ثروة قريش، ومن هنا يحكم مروة بأن الإسلام «جاء تطويراً لما كان يتحرك في المجتمع الجاهلي من اتجاهه اجتماعياً ودينياً وفكرياً نحو تغيرات تاريخية»[9]، أما القرآن فيقول فيه: «إن للنص القرآني صفته التاريخية، أي الاستمرارية التطورية لإحدى الظاهرات الموجودة فعلاً في حياة الجاهلية»[10].

إن هذا التحليل جاء في إطار نسق لا يرى وجوداً موضوعياً لإله حقيقي، إنما جاء باعتبار الإله منتجاً من التصور البشري، ذلك التصور المحكوم بالظرف الاقتصادي في المقام الأول، ويعبر عن طموحٍ هو بناءٌ فوقي لهدف اقتصادي تحتي، وهذه النظرة الميكانيكية، والوضعية للمجتمع، تجعله يحصر التأثير في التاريخ الإسلامي بالمجتمع الذي يشكل العامل الاقتصادي أساسه الأول.

على أي حال هذه النظرة مجرد اختزال في العامل الاقتصادي، ولا يرتضيها حتى بعض الماركسيين الذين يتفقون مع مروة على نفي الإله، يقول صادق جلال العظم: «النزعة الاقتصادية: ومن المعروف أن خطر هذه النزعة يكمن في أنها تؤدي إلى الذيلية بحيث يصبح قسم من التركيب الاجتماعي العام (البنية الفوقية) وكأنه مجرد تابع ميكانيكي سلبي وغير فعال لقسم آخر (البنية التحتية) من التركيب نفسه»[11].

3- التوجهات الليبرالية: ترى في نظرتها إلى التاريخ أن المعايير الأخلاقية الليبرالية هي الأساس لمعيار الصواب وأنها مطلقة في كل عصر، ومن هنا فإنها تنظر بعين الإدانة لما لا يتفق مع التوجهات الليبرالية، ويجري تقييم الوقائع التاريخية المناقضة للمعايير الليبرالية على أنها جرائم، ومن هنا تكون القراءة التاريخية لتلك الأحداث بإرجاعها رأساً إلى الطغيان السياسي، والخلافات العرقية، ونحو هذا، وفق هذا المسلك يجري اعتبار قتل المرتدين مثلاً على أنه في إطار «تصفيات بالجملة وتذرّع بالدين»[12]، ويجري التعامل مع المقتولين على أنهم ضحايا طغيان سياسي[13]، بدون أي افتراض أن قانون الحكم في التاريخ الإسلامي جرى عليهم، وبالتالي يتم صبغ هؤلاء المقتولين بما لم يخطر لهم على بال، بأن آراءهم العقدية كانت جزءاً من مقاومة الطغيان السياسي، وأنهم شهداء الكلمة، وحرية الفكر، واعتبار هؤلاء كأنهم مقاتلون في سبيل الحرية بمفهومها الليبرالي، في تجاوز لحقيقة أطروحاتهم العقدية التي لو انتصرت في معاركها لأباد أنصارها خصومهم من منطلقات إدانة دينية.

هذه بعض الأمثلة على النظرة الكونية لفلسفات علمانية في نظرتها إلى التاريخ الإسلامي، أما على صعيد الإطار التحليلي والتفكيكي، الذي جاء على إثر انهيار الفلسفات الكونية في ما عرف بما بعد الحداثة، فمن روادها ميشيل فوكو، الذي كان يرى أن الأفكار نتاج المجتمع، والعقل يتحرّك داخل المفاهيم التي يستعملها مجتمع ما، بحيث إن عارض شخص ما تلك المفاهيم لم يكن ممكناً وصف موقفه بالعادل مهما كان، حيث إن العدالة مفهوم مأخوذ من المجتمع نفسه الذي يعارضه، وإنما الأمر سلطة في مواجهة سلطة أخرى[14].

وقد تم اعتماد منهج فوكو في قراءة التاريخ الإسلامي من محمد أركون، حيث يرى أن نزاع السُّلطات في التاريخ هو الذي شحن النصوص الشرعية بدلالاتها، فهو الذي صنع كثيراً مما وصف بالعلوم الشرعية، وعن طريقه تمت «بلورة الشريعة»[15]، فالشريعة المنظور إليها على أنها حكم إلهي ليست في النهاية سوى نتاج السلطات المنتصرة المتعاقبة.

فكل سلطة شكلت فرقة دينية، افترضت أن الحقيقة المطلقة واحدة لا تتجزأ[16]، وفي تصويرها لهذا، قامت بالنزاع مع السلطات الأخرى التي ادعت نفس الادعاء، وهمشتها، وقامت بحذف التراث المنافس الذي يشمل التاريخ، فتم حذف ما لم يحظ بدعامتين أساسيتين: الدولة الرسمية، والكتابة.

ومن هنا أبقت على تفسيرها للنصوص الذي لم يكن في الواقع سوى ما أنتجته تلك السلطة[17]، ليشكل بنفسه سلطة على غيره، لقد كانت الفرق تتصارع على التاريخ والتراث لتضمن له «السيادة العليا للتبرير، تبدو بالنسبة للمحكومين شيئاً مقدّساً متعالياً على السلطة السياسية المقتنصة عن طريق القوة من قبل أحد الفريقين»[18].

ومن هنا فهو يقوم بتحليل وتفتيت ما يَعتبر أنه في أذهان كثيرين لم يفكر فيه بعد[19]، ويقوم بتحطيم الهالة الكونية للأفكار التي زعمت صحتها المطلقة بكشف جذورها السلطوية عبر الصراع التاريخي الطويل، إن هذا يعني في مجمله أنه لا حقيقية مطلقة، وأن التاريخ الإسلامي إنما كتبته سلطات متنازعة انتصرت ومررت رؤيتها عبر الكتابة، ولا يمكن رفع ذلك التاريخ المسجل إلى مصاف اعتباره الحقيقة الثابتة، بقدر كونه معبراً عن رواية رغب المنتصر في إظهارها، كما أن لهذا دلالته في النصوص الشرعية، بأنها مفتوحة على احتمالات وقراءات كثيرة، والإبقاء على معنى واحدٍ إنما هو سلطة في مواجهة غيرها، أو أنه خضوع لمنظومة صنعتها سلطات سابقة، وبهذا تكون النظرة إلى التاريخ الإسلامي مفرغة من أي دعاوى تمجيد أو إدانة، فلا تحمل في دلالتها صيغة الإطلاق، كما أنه يجعل الشريعة مجرد منظومات متنوعة تمت بلورتها عبر التاريخ، لا أنها منهجيات علمية للكشف عن معاني النصوص الشرعية.


 


[1] انظر: الدين في الديمقراطية، مارسيل غوشيه، ترجمة: شفيق محسن، المنظمة العربية للترجمة، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى: 2007م، ص157.

[2] انظر: فلسفات عصرنا: تياراتها، مذاهبها، أعلامها، وقضاياها، جان فرانسوا دورتيي، ترجمة إبراهيم صحراوي، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، ص265.

[3] من مقدمة: العرب والروم واللاتين في الحرب الصليبية، جوزيف نسيم يوسف، دار النهضة العربية، بيروت - لبنان، الطبعة الثالثة: 1981م، ص(ز).

[4] انظر: العرب والروم واللاتين في الحرب الصليبية، ص70.

[5] انظر: العرب والروم واللاتين في الحرب الصليبية، ص77.

[6] النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، حسين مروة، دار الفارابي، بيروت - لبنان، 1978م، ج1، ص222.

[7] انظر: النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، ج1، ص232.

[8] انظر: النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، ج1، ص381.

[9] النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، ج1، ص457.

[10] النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، ج1، ص457.

[11] نقد الفكر الديني، صادق جلال العظم، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية: 1970م، ص11.

[12] حرية الاعتقاد في الإسلام ومعترضاتها: القتال، الذمة، الجزية، وقتل المرتد، عدنان إبراهيم، معهد الاستشراق، جامعة فيينا - النمسا، إشراف: روديغر لولكار، ص1131.

[13] انظر: حرية الاعتقاد في الإسلام ومعترضاتها، ص1144.

[14] انظر: تناقضات منهجية، يوسف سمرين، مركز دلائل، الرياض - السعودية، الطبعة الأولى: 1428هـ، ص10.

[15] من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي، محمد أركون، ترجمة: هاشم صالح، دار الساقي، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى: 1991م، ص69.

[16] انظر: الفكر الإسلامي.. قراءة علمية، محمد أركون، ترجمة: هاشم صالح، مركز الإنماء القومي، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية: 1996م، ص25.

[17] انظر: الفكر الإسلامي.. قراءة علمية، ص24.

[18] تاريخية الفكر العربي والإسلامي، محمد أركون، ترجمة: هاشم صالح، مركز الإنماء القومي، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية: 1996م، ص18.

[19] انظر: تاريخية الفكر العربي والإسلامي، ص9.