الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:

هل تجد نفسك من هؤلاء الذين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن شدة حبهم له؟ ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «من أشدِّ أمتي لي حباً ناسٌ يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله».

وليس هذا بمستغرب، فمن عرف سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه، وما كان عليه من صفات حسنة، وأخلاق حميدة، وما اتسمت به حياته من رحمة وعفو وحب للخير، وإنفاقه عمره كله في سبيل دعوة الناس إلى رسالة الإسلام، وهدايتهم إلى الله، وإرشادهم إلى الحق، وتحمله في سبيل ذلك المتاعب والمشاق وشديد الأذى، من عرف ذلك كله فإنه سيجد في نفسه حباً عظيماً له صلى الله عليه وسلم، وهو ما يجده كل مسلم من نفسه ضرورة.

غير أن هذا الحب الشريف للنبي صلى الله عليه وسلم لا يبقى على درجة واحدة، فهو يزيد وينقص، ويضعف ويقوى، وأهل الإسلام في ذلك ليسوا سواء، وهو ما يحتم بذل الأسباب التي تزيد من محبته صلى الله عليه وسلم حتى تبلغ المكانة التي تليق بحقه العظيم.

من ها هنا يجري سؤال في ذهن كل مؤمن ومؤمنة: كيف أربي أبنائي وبناتي على حب النبي صلى الله عليه وسلم؟ كيف أنجح في تعميق هذا الحب في أنفسهم حتى يكون محمد صلى الله عليه وسلم أحب إليهم من كل شيء؟

إنه سؤال عظيم، وستبقى كل إجابة قاصرة عن الإحاطة به، إنما يكفي أن يتردد صدى هذا السؤال في أنفسنا، وأن نتحدث عنه كثيراً، ونذكر أنفسنا به، وننشر النصائح فيه، ونضع الحلول، ونبتكر المقترحات حتى يبقى الحب حياً، ويزداد يوماً بعد يوم، ونضع هنا بعض النصائح والمقترحات المهمة:

 تشجيع الاطلاع المستمر على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم  قراءة واستماعاً وكتابة ومناقشة، وتنويع الأساليب وابتكار الوسائل المشوقة حتى تكون تفصيلات سيرته حاضرة في النفس، حية في الذاكرة، فهذا مما يقوي حب النبي صلى الله عليه وسلم في نفوس الأولاد، فمن يحب النبي صلى الله عليه وسلم لا بد أن يعرف الكثير من حياته وتفصيلات سيرته، فالجهل بذلك سيبقى حجاباً كثيفاً يحول بين المسلم وبين كمال الحب للنبي صلى الله عليه وسلم.

 الحرص على الامتثال العملي لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فحين ينشأ الأولاد وهم يرون والديهم يحرصون على اتباع أقوال أو أفعال محددة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك أو فعل ذلك فإن هذا يعمق في نفس الناشئة حب النبي صلى الله عليه وسلم، فحين يصحب الأب ولده إلى أداء العمرة مثلاً فيحرص الأب على أن يتتبع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في إحرامه، وفي تلبيته، وفي طوافه، ويقف حيث وقف النبي صلى الله عليه وسلم، ويدعو بكلمات قالها النبي صلى الله عليه وسلم، ويسرع حيث أسرع، ويفعل ذات ما فعل، وحين يراه يدخل المسجد يقدم رجله اليمنى وينطق بكلمات معينة، وحين يلبس حذاءه فإنه يتعمد أن يبدأ اللبس باليمنى ويبدأ الخلع باليسرى، ويعتاد الولد على كثيرٍ من ذلك، حين يشاهد الولد مثل هذه المتابعة الدقيقة لتفصيلات هدي النبي صلى الله عليه وسلم مشفوعة بكلمات صادقة من والديه عن سبب هذه المتابعة وثمرتها فإن هذا سيغرس في نفسه حباً عظيماً للنبي صلى الله عليه وسلم.

إبراز ما تحمله النبي صلى الله عليه وسلم في سبيل إيصال رسالة الإسلام لنا، فيقف ناشئة الإسلام على تفاصيل الألم والشدة والتعب الذي لاقاه النبي صلى الله عليه وسلم في سبيل دعوة الناس، وما لقي من كفار قريش من سب وسخرية وأذى جسدي ونفسي وكيف تحمل كل هذا صابراً محتسباً، بذل كل هذا لله، ولم يسألنا ولم يسأل أحداً في سبيل ذلك مالاً ولا أجراً: {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلَّا الْـمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى: 23]، كل ذلك مما يغرس في القلب حبه صلى الله عليه وسلم.

معرفة خصاله الحميدة التي كان عليها قبل الإسلام وبعده، فالمحبوب يزداد قدره في النفس إذا ظهرت خصاله الحميدة وأفعاله المجيدة، فأن يعرف الفتى المسلم كرم النبي صلى الله عليه وسلم وحلمه وعفوه وتواضعه وشجاعته وذكاءه ورحمته وحكمته وحياءه وحسن خلقه وما يعجز القلم عن تعداده، كل هذا مما يزيد القلب له مهابة ومحبة وإجلالاً.

معرفة شرف الرسالة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم، فهو الذي بلغنا رسالة الإسلام، التي هي رسالة رب العالمين، وبها النجاة يوم القيامة، والفرقان بين الحق والباطل، ولولا نور الوحي لكنا نتخبط في جاهلية ظلماء ونتيه في ضلالة عمياء، فاستحضار عظمة هذا النور الذي قد نراه من البدهيات لم يكن لولا بعثة هذا النبي صلى الله عليه وسلم، فينبغي أن يظهر الآباء والأمهات في خطابهم لأبنائهم وبناتهم الخير والمصلحة والهدى الذي لم نكن لنعرفه لولا بركة رسالة النبي صلى الله عليه وسلم واتباع هديه.

معرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في علاقاته الاجتماعية، كيف عامل النبي صلى الله عليه وسلم زوجاته، وكيف تعامل مع أولاده، وما حال الأطفال وكبار السن مع النبي صلى الله عليه وسلم، وما هي سيرته صلى الله عليه وسلم مع الأصدقاء والأعداء، وكيف يعود المرضى، ومعرفة حاله صلى الله عليه وسلم مع الفقراء والأغنياء، وحديثه عن الأيتام والفقراء، وموقفه من النساء، وهكذا في بقية العلاقات التي يحيا القلب بمعرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في كل واحدة منها.

حفظ الأذكار التي كان يقولها النبي صلى الله عليه وسلم، فمن أعظم ما يقوي الحب في قلب المؤمن أن يلتزم بترديد الكلمات التي كان يقولها النبي صلى الله عليه وسلم، فيستحضر في قلبه بصدق أن يقول عند نومه، واستيقاظه، وصباحه، ومسائه، ودخوله وخروجه، ولبسه... نفس ما كان يقوله النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون هدي النبي صلى الله عليه وسلم حاضراً في قلبه ولسانه في كل ساعات يومه.

إدراك جوانب التميز في سيرته صلى الله عليه وسلم في الحكم وسياسة الناس والرفق بهم وجمع كلمتهم ومراعاة أحوالهم، حتى أحبته القلوب وتعلقت به النفوس، وقد قال الله فيه: {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]، حتى يدرك الفتى المسلم كمال شخصيته صلى الله عليه وسلم.

تعويد اللسان على الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم دائماً، حتى يكون ذكره حاضراً في القلب لا يغيب، ويحرص أكثر على تعويد نفسه وأولاده على الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الأوقات المشروعة كليلة الجمعة، وعند الدعاء، وعند ذكره عليه الصلاة والسلام.

معرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في أحوال حياته، فلقد كانت حياته صلى الله عليه وسلم تطبيقاً عملياً لحياة مثالية في كل الظروف: في الفرح والحزن، والرضا والغضب، والنصر والهزيمة، والمرض والصحة، والمصيبة والعافية، والزواج والطلاق، والحرب والسلم، والجد والمزاح، والضحك والبكاء، والخوف والرجاء، والجوع والشبع، والضيق والسعة، والنوم واليقظة.. فهي سيرة مثالية مرت بكل تقلبات الحياة وظروفها، وعلمتنا حدود ما يقبل وما لا يقبل في كل ظرف منها، فاستحضار هذا الهدي النبوي في كل موقف منها في تربيتنا لأولادنا وإبراز ما في الهدي النبوي من كمال وفضل وتميز يغرس في نفس الفتى حباً وولاء وتعلقاً عظيماً.

توظيف الأحداث في تعميق حب النبي صلى الله عليه وسلم، فمن أحسن وسائل التربية على أي معنى أن تستغل الحدث المناسب في ترسيخ هذا المعنى، فالتربية على الأحداث أقوى أثراً وأمكن في النفس، فحين تلقي محاضرة عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الأطفال، لن يكون أثرها كأثر كلمة عابرة تذكر بهديه في موقف مناسب يتعلق بالأطفال، فمن يحمل هم تعميق حب النبي صلى الله عليه وسلم في أولاده يجب أن يكون حي القلب يلتقط المناسبات وينتهز المواقف ويستغل الفرص لتعميق هدي النبي صلى الله عليه وسلم من خلالها.

استحضار مكانة النبي صلى الله عليه وسلم عند الله، وأنه خليل رب العالمين، وخصه الله تعالى بخصائص كثيرة، فكان خير رسله، وأفضل خلقه، وأعلى الناس درجة، وله المقام المحمود، وهو سيد ولد آدم، وأن الله تعالى نصره واستجاب دعاءه وهزم أعداءه وانتصر لأتباعه ووعده بالنصر والتمكين.

هذه بعض الأمور المعينة على تعميق حب النبي صلى الله عليه وسلم، وليس فيها في الحقيقة معنى جديد، فمثل هذا مما لا يخفى على أهل الإسلام، فمعرفة هذه الموضوعات لا تكفي في تحقيق هذا الهدف العظيم، إنما التحدي الكبير والنجاح العظيم للأب والأم الذين يحبون الله ورسوله ويرجون أن يتعمق في قلوب أولادهم حب النبي صلى الله عليه وسلم هو في القدرة على انتهاز الفرصة، وابتكار الأسلوب، واستحضار الهدف، والبحث عن كافة الطرق التي تحقق هذا الهدف، ثم الصبر على متابعته، مع الحرص الشديد عليه والصدق في تحقيقه، ومن حمل هذا كله فسيجد الأمر ميسراً، وسيجد عاجلاً في سلوك أولاده بشرى ما بذل: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69].