المديح النبوي موضوع مهم وعام من موضوعات الشعر العربي الهندي قديمه وحديثه، وهو موضوع مفضل ومحبوب لدى معظم الشعراء الهنود، وهو من الموضوعات الأساسية التي شكلت العمود الفقري للشعر العربي الهندي. حتى إنه قلما نجد شاعراً هندياً نظم الشعر في اللغة العربية وهو لا يدلي بدلوه في هذا المجال. «وفي هذا المجال نجد الشعراء الهنود قد أكثروا في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إنك لا تجد شاعراً إلا وله في ذلك أكثر من قصيدة.. وقد حظيت شخصية النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لدى الشعراء الهنود باهتمام بالغ، وعناية فائقة، منذ أن دخل الإسلام هذه البلاد، واستمرت هذه العناية على مرّ العصور، في توهج عاطفي، وفيض وجداني، وذلك يعكس مدى حب المسلمين الهنود للرسول صلى الله عليه وسلم. فالشعراء الهنود الذين مدحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، عددهم كبير ولا حصر لهم»[1].

وبما أن معظم الشعراء الهنود كانوا من جماعة علماء الدين والدعاة الصالحين ولم يكونوا ممن يحترفون الأدب أو يتفرغون للأدب والفن وحدهما، من أجل ذلك نرى معظمهم يهتمّون بالمديح النبوي اهتماماً بالغاً، ويجنحون إلى مثل هذا الفن جنوحاً كبيراً. حتى صار هذا النوع من الشعر سائداً وغالباً على الأنواع والموضوعات الشعرية الأخرى. ومن العوامل التي دفعتهم إلى قرض المديح النبوي الإيمان الصادق والقوي بنبوة الرسول صلى الله عليه وسلم ورسالته. فشعرهم جاء مفعماً بالروح الدينية القوية والحماسة الإسلامية الشديدة. ومنها حبّهم العميق لشخصية الرسول باعتباره رحمة للعالمين وقدوة للمسلمين إلى يوم الدين. فإنهم وجدوا في سيرته خير دليل يدلهم على طريق الحق والصواب ويرشدهم إلى سبيل الرشد والهدى. ومن العوامل التي حدتهم إلى قرض المديح النبوي بعدهم عن مكان مولد النبي الكريم وشوقهم دائماً للقياه يوم القيامة. فهم يتحرّقون شوقاً لرؤيته ويذوبون حبّاً لصحبته.

أغراض المديح النبوي:

إظهارهم حبّهم الصادق والثابت والقوى للنبي الكريم عن طريق قرض الشعر، فقد غلبت عليهم روح إيمانية قوية وتملكتهم مشاعر دينية جياشة وبدوا فرحين مستبشرين بما أتى به النبي الكريم، وقلوبهم تنتشي فخراً وسروراً بما أوتوا من حظ موفور لأن يكونوا من أمّته وأفئدتهم تذوب حنيناً وحناناً لما قرأوه في السنن بأنه سيكون شفيعاً لهم يوم القيامة.

يقول الشيخ عبد الرحمن السيوهاروي في قصيدته:

من يدفع الهم عن ذي الهم حينئذ

 ويجمع الشمل حيث الشمل في بدد

أنت الشفيع لمن قد فاته أمل

 عند العزيز الجليل الملك الأحد[2]

إنهم وظفوا فن الشعر كونه لغة العواطف والوجدان ليستثيروا بذلك مشاعر الناس، ويأسروا به أذهانهم ويسحروا قلوبهم اعتباراً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من الشعر لحكمة وإن من البيان لسحراً»، محققين بذلك أنبل وأعظم وأكبر غاية لحياتهم وهي دعوة الناس إلى دين الرحمة ونشر التعاليم السمحة وبث الرسالة الغراء للدين الحنيف. إنهم وضحوا بذلك للناس رسالة الرسول الكريم وبيّنوا لهم طريق الرشد الذي دعاهم إليه النبي الحبيب وأوضحوا لهم الصعوبات التي واجهها النبي الكريم لإسعاد أمته وتبليغ رسالة الله إليهم.

يذكر الشاه ولي الله المحدث الدهلوي في قصيدته المعروفة بالقصيدة البائية حسن معاملة النبي الكريم مع القوم والرجال الذين آذوه وساموا أصحابه سوء العذاب وأذاقوهم أنواعاً من الظلم والاضطهاد والتعذيب. ويذكر المتاعب التي تحمّلها النبي في سبيل الدعوة إلى الدين الحنيف فيقول:

  وآذاه قوم من سفاهة عقلهم

                        ولم يذهبوا من دينه بمذاهب

فما زال يدعو ربّه لهداهم

 وإن كان قد قاسى أشد المتاعب

وما زال يعفو قادراً عن سيئهم

 كما كان منه عند جذبة جاذب

أتانا مقيم الدين من بعد فترة

 وتحريف أديان وطول مشاغب[3]

شعراء المديح النبوي اعتنوا بإبراز الجوانب الخلقية للنبي الكريم اعتناءً كبيراً. فذكروا مكارم الأخلاق التي تحلّى بها النبي الكريم وأكثروا من ذكر شمائله الحميدة وخصاله الحسنة التي جعلته أعظم إنسان على وجه الأرض وبه تشهد الآية الكريمة: {وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: ٤]. فالشعراء الهنود اهتموا بالجانب الخلقي والسلوكي للحياة النبوية داعين بذلك المسلمين إلى أن يتأسوا بالنبي امتثالاً لأمره واقتفاءً لأثره واتباعاً لسنته الشريفة واقتداء بسيرته.

يقول الشاعر عبد المقتدر الكندي الدهلوي عن الأخلاق الفاضلة للنبي الكريم:

محمد خير خلق الله قاطبة

 هو الذي جلّ عن مثل وعن مثل

له المزايا بلا نقص ولا شبه

 له العطايا بلا منّ ولا بدل

المكارم أبهى من نجوم دجى

 له العزائم أمضى قنا البطل[4]

وللشاعر الهندي الشهير الشيخ باقر بن مرتضى المدراسي ديوان باسم «العشرة الكاملة» في المديح النبوي وفي إحدى قصائده يمدح النبي الكريم مشيراً إلى سجاياه الكريمة ومعجزاته الخالدة وشمائله النبيلة، فيقول:

ليس من قابله قسوة

 أمن من قاتله بالقنا

بشرّ من أنذره جاهلا

 واصل من هاجره بالجفا

أوضح كالشمس براهينه

 شيد كالمجد منار الهدى[5]

اتخذ شعراء الهنود المديح النبوي وسيلة للدفاع عن النبي الكريم ودعوته إلى الحق ببيان محاسن الإسلام وإيضاح رسالة الأمن والسلام التي أتى بها النبي الكريم. وكم نحن اليوم أحوج ما نكون إلى مثل هذه المحاولات الجادة والمخلصة لنزع التهم التي ألصقت بديننا الحنيف. فالشعراء الهنود بالمديح النبوي أضاءوا للناس جوانب مهمة من سيرة الرسول ورسالته. وقد حاولوا بذلك مناضلة ومحاربة التهم والشكوك والخرافات التي وجهت إلى مقام النبي الكريم ودعوته ورسالته. وذكروا المعجزات والوقائع التاريخية الكبرى التي صدرت على يده الكريمة.

 فيقول الشاعر الشاه ولي الله المحدث الدهلوي في إحدى قصائده:

ودرت له شاة لدى أم معبد

 حليبا ولاستطاع حلبة حالب

وقد ساخ في أرض حصان سراقة

 وفيه حديث عن براء بن عازب[6]

ويذكر الشيخ حبيب الرحمن العثماني معجزات النبي الكريم في قصيدته المعروفة بـ«لامية المعجزات»، فيقول:

وانتدوا للمكر فارتاءت له

 ثلة من كل مقدام بطل

أعميت أبصارهم لما أتوا

 غار ثور في شفاء ودغل[7]

 المشاهير من الشعراء في المديح النبوي:

 سبق أن ذكرنا أن عدداً لا بأس به من الأدباء الهنود قرضوا الشعر في المديح النبوي منذ الزمن القديم حتى العصر الحديث أمثال عبد المقتدر الكندي وأحمد بن محمد التهانيسري، والشاه ولي الله محدث الدهلوي والسيد غلام على آزاد البلكرامي وعبد العزيز الدهلوي والشاه رفيع الدين الدهلوي والشيخ باقر بن مرتضى المدراسي وفضل الحق الخير آبادي والشيخ حبيب العثماني والنواب صديق حسين خان القنوجي والعلامة أنور الشاه الكشميري والشيخ محمد إدريس الكاندهلوي وآخرين كثيرين.

والجدير بالذكر أن هؤلاء وأمثالهم كانوا مشتغلين بفنون ومجالات أخرى علمية وفنية غير فن الشعر والأدب كالشاه ولي الله المحدّث الدهلوي الذي كان محدثاً ومفسّراً وفقيهاً في عهده، والنواب صديق حسن خان والذي كان محدثاً وفقيهاً وفيض الحسن السهارنبوري فإنه كان من علماء المنطق والفلسفة. وبرغم ذلك خدماتهم في الأدب والفن محمودة ومشكورة وشعرهم في المديح النبوي هو الموضوع المحبب لديهم. فما من شاعر إلا وله قصيدة أو قصيدتان في مجال المديح النبوي. ومما سهل لهم الأمر في ذلك هو معرفتهم الكبيرة بالسيرة النبوية وقراءتهم الواسعة لكتب السير والشمائل، وأيضاً لأنهم كانوا ممن درسوا الشعر العربي في عهوده القديمة واطلعوا على اتجاهاته في العصر الحديث وكانت أمامهم نماذج وصور لشعر المديح الذي ظهر في العصور المختلفة، فقصائد حسان بن ثابت وكعب بن زهير رضي الله عنهما ومن بعدها قصيدة البوصري والقصائد الأخرى العربية كانت نماذج قرضوا شعر المديح على منوالها وأيضاً أفادتهم من الناحية الفنية فكتبوا الشعر على أساليبها.

الانحراف العقدي والفكري في المديح النبوي:

شعراء المديح النبوي في الهند كانوا على إلمام تام بسيرة النبي الكريمة وفضائله الحسنة، فلم يخرج معظمهم عن الحدود التي رسمها القرآن الكريم والحديث النبوي اللهم إلا البعض منهم الذين بالغوا في ذلك وأخرجوا النبي الكريم من إنسانيته ورفعوا به إلى مقام الألوهية انجرافاً وراء رغبتهم الجامحة في حبّ النبي الكريم وميلاً قويّاً إلى إظهار حبّهم له، ففرّطوا في الأمر، وانحرفوا عن الصواب، غلواً في الدين والعقيدة. إنهم لم يراعوا في ذلك شرطاً أساسياً للمديح النبوي وهو القدرة على استخدام الأساليب اللائقة بشخصية الرسول لا يكون فيه إفراط أو تفريط. ويقول الأستاذ أبو الحسن على الحسني الندوي بهذا الصدد: «قد تورط عدد من أصحاب المدائح في بعض المزالق بتأثير بعض البيئات الموبوءة، أو ضعف الثقافة الدينية، أو بسبب الاتجاه إلى الغلو والمبالغة التي اعتبرت من سمات الشعر ومحاسنه في كثير من الآداب واللغات والعهود والأدوار، وقد أبدى العارفون لروح الدين والغيارى على الإسلام في كل زمان ومكان استنكارهم لذلك واعتبروه شيئاً دخيلاً طارئاً على المديح النبوي»[8].

 وهنا أذكر بعض الأمثلة بهذا الصدد. يقول رفيع الدين الدهلوي:

يا أحمد المختار يا زين الورى

 يا خاتما للرسل ما أعلاكا

يا كاشف الضرّاء من مستنجد

 يا منجياً في الحشر من والاكا[9]

نعرف أن الله وحده هو يكشف الضر عن عباده فكيف بالشاعر ينادي النبي ويدعو منه كشف الضر! وهذا لا ريب خطأ في العقيدة. ويقع في نفس الخطأ الشاعر عبد العزيز الدهلوي فيقول:

وإن جرتم عليَّ فلي غياث

 بباب المصطفى خير الأنام

فمدحك رقيتي وشفاء دائي

 إذا ما خضت في لجج السقام

فمن لي بعد ما وهنت عظامي

 إذا ما اشتد البلاء سواك حامي

وإن أك ظالماً عظمت ذنوبي

 فحبّك سيّدي ماحي الآثام[10]

منعنا ديننا الاستغاثة بغير الله، وعلمنا ألا ندعو أحداً إلا الله، والشاعر هنا يستغيث بالنبي ويرى بأنه سيحميه - والعياذ بالله - من البلاء والشدة ويعتقد خطأ وغلواً بأن حب الرسول هو ماحي الآثام.

وقد وقع في مثل هذه الورطة الشيخ باقر بن مرتضى المدراسي فيقول:

يا ملجأ الكونين في الدارين يا

 خير الأنام وسيد السادات[11]

فنبينا هو خير الورى صحيح لكنه ليس ملاذاً لأحد غير الله.

وهكذا نرى أن غير واحد من الشعراء الهنود صدرت منهم أخطاء في العقائد، إما لأنهم لم يفهموا عقيدة الإسلام فهماً صحيحاً أو أن هذه الأخطاء صدرت منهم على وجه المبالغة والغلو في المدح. مهما كان السبب إلا إن مثل هذا الاعتقاد ليس له أي أساس في ديننا الحنيف الذي محا الشرك والضلال ودعا إلى ترك الخرافات والأوهام. وما كان أحرى بشعراء المديح النبوي لو تركوا هذا السبيل وهذا الاعتقاد الخاطئ الضال المضل. ويقول الدكتور صدر الحسن الندوي في كتابه بهذا الشأن: «قد قرر العلماء أن من آداب المديح النبوي عدم الغلو والإطراء في وصفه صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز لنا أن ننسب إليه الأمور التي لم تثبت بالرواية الصحيحة كما لا يجوز أن نخلع عليه خلعة الألوهية كما يفعله بعض الجهلة الذين أرادوا مدح الرسول صلى الله عليه وسلم فوقعوا في الشرك. أعاذنا الله منه»[12].

 الميزات الأدبية والأساليب الشعرية في المديح النبوي:

الشعراء الهنود في مديحهم النبوي حاكوا الشعراء الأوائل في عهد النبي ومن بعدهم. حاكوا شعراء المعلقات السبع والشعراء الجاهليين الآخرين في الأسلوب الشعري والبناء الفني والشكلي للقصائد. فنراهم يقفون على الديار ويبكون على الآثار، يتذكرون ويتألمون، يتناجون ويتباكون، وهم يسلكون في ذلك مسلك الشعراء القدامى ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أن الأدباء الهنود الذين قرضوا الشعر على هذا المنوال كانوا قد تأثروا بما قرأوه في المدارس الإسلامية من شعر الشعراء الجاهليين والشعراء الأوائل في عصر صدر الإسلام وبعده، فانتهجوا منهجهم في بناء القصيدة، ونحوا منحاهم واقتفوا أثرهم، ولا غرابة في ذلك لأن المرء هو ابن بيئته، فإذا كانت البيئة التي نشأوا فيها وترعرعوا تركن وتجنح إلى قراءة الشعر القديم والاهتمام به، فإنهم أيضاً مالوا إليه واحتذوا حذو أهله، وهم في كل ذلك ألقوا كلامهم في ضروب البيان المختلفة، وقرضوا شعرهم وفق الأساليب الشعرية التي توارثوها.

المحاكاة:

لنرى أولاً محاكاة الشعراء الهنود للشعراء القدامى في بناء القصيدة والبكاء على الأطلال وبدء القصائد بالتشبيب والتغزل. فها هو الشاعر الهندي القدير القاضي عبد المقتدر الكندي الدهلوي الذي له إسهامات كثيرة وقيمة في المديح النبوي يستهل قصيدته المعروفة بـ«لامية الهند» بذكر الأطلال والديار على غرار الشعراء الأوائل، فيقول:

يا سائق الظعن في الأسحار والأصل

 سلّم على دار سلمى ثم سل

عن الظباء التي من دأبها أبدا

 صيد الأسود بحسن الدل والنجل[13]

و«حسان الهند» غلام على آزاد البلغرامي يبدأ قصيدته بالتشبيب فيقول:

رمت أسماء قلبي في الصلاء

 تشمم منه رائحة الشواء

طلبت عناية منها فسلّت

 على أمنيتي سيف الإباء[14]

هذا غيض من فيض وقليل من كثير مما قرضه الشعراء الهنود فاستهلوا قصائدهم بالتشبيب والتغزل لكن المهم أن نعرف أن جميع الشعراء الهنود ليسوا هكذا، فمن الشعراء من احترزوا من التغزل ونصحوا الآخرين وطلبوا منهم أن يتركوا التشبيب واعتبروه من الأمور الجاهلية، فها هو الشاه ولي الله المحدث الدهلوي يستهل قصيدته الهمزية في المديح النبوي فيقول:

وإن بينت في المنظوم وحدا

 فحاشا أن تشبّب بالنساء

فتلك شرائع للشعر قدما

 وقد نسخت بختم الأنبياء[15]

المعارضات الشعرية:

ومن الشعراء من عارضوا قصائد الشعراء القدامى، على سبيل المثال عبد المقتدر الكندي الذي عارض لامية العرب للشنفرى ولامية العجم للطغرائي وعرفت قصيدته بـ«لامية الهند»، واحتذى حذوه غلام علي آزاد البلكرامي فأتى بقصيدة معروفة بالقصيدة اللامية إلا إن البلغرامي والشريحي كليهما لم يستطيعا أن يرفعا بقصيدتهما إلى مقام ودرجة قصيدتي الشنفرى والطغرائي، لا من حيث الموضوع ولا من حيث بناء القصيدة الفني والشكلي.

الأسلوب الشعري:

رأينا في ما مضى محاولات الشعراء الهنود لمعارضة القصائد العربية التي قيلت في العهد القديم كأنهم سعوا بذلك إلى اللحاق بما قرضه الأوائل من قصائد غراء شهيرة إلا أنهم لم ينجحوا في ذلك نجاحاً كاملاً كما ذكره الدكتور أحمد إدريس. هذا، ونجد في كلام شعراء المديح النبوي المحسنات البديعية والزخارف اللفظية كثيراً كالتورية والجناس وغيرهما من ألوان البديع. وعن شعر فضل الحق الخيرآبادي يقول عبد الحي الحسني في كتابه «الثقافة الإسلامية في الهند»: «كم له من قصائد وأشعار أتى فيها بكل لفظ لطيف ومعنى بديع لولا أنه أكثر فيها من التجنيس والاشتقاق»[16]. وظهر من كل هذا أن الشعراء الهنود على الأغلب والأعم حاكوا الشعراء الأوائل وعارضوا قصائدهم، واتبعوا الأساليب التقليدية القديمة في قصائدهم. ويقول الدكتور أحمد إدريس في كتابه «الأدب العربي في شبه القارة الهندية»: شعراء العربية في شبه القارة الهندية قلدوا ولم يبتعدوا، وحين فتح الشعر العربي عندهم عيونه ليتعرف على ما حوله كان الموجود أمامه من الشعر العربي جامداً في موضوعاته، ساذجاً في فكره، وأغلبهم فهم - وربما اعتقد - أن المهم في صنعة الشعر هو الأسلوب والألفاظ لا المعاني، وشعراء العربية في شبه القارة لم يخرجوا عن تقليدية الموضوعات فالرثاء ومدح الرسول والسلاطين والأمراء هي الموضوعات الأساسية التي شكلت أكثرية الشعر العربي في شبه القارة، وإن وجدت موضوعات أخرى فهي ثانوية لا أساسية[17].

خاتمة المطاف: مهما يكن من أمر فإن للشعراء الهنود إسهامات قيمة وثرية في المديح النبوي، يتجلى ذلك مما ذكرناه من اهتمامهم بالمديح النبوي وإكثارهم فيه حباً للنبي، وتخليداً لرسالة الحق التي حملها للإنسانية جمعاء. استوحوا الموضوعات والمواد من مصادر السيرة النبوية الأصلية، فنظموها في قالب شعري جزيل رصين. فأتت قصائدهم مفعمة بروح إيمانية سامية، ومليئة بعواطف الحب القوية. انتهجوا في قصائدهم مناهج الشعراء الأوائل فأتوا بنماذج وصور شعرية رائعة. وقد تخللت قصائد بعضهم أساليب ركيكة، ضعيفة وواهنة، ومعان ساذجة وبسيطة، إلا إن معظمهم أتوا بضروب من البيان وأطايب الكلام أظهرت ما لديهم من حب وشوق لرؤية النبي ولقياه، وما تضطرب في جوانحهم من عواطف وحماسة وحرص لدعوة الناس إلى الحق المبين وإيضاح الرسالة الخالدة التي حملها نبينا الحبيب.


 


[1] ثقافة الهند، المجلد 66، العدد 1، 2015م، ص52.

[2] مساهمة دار العلوم بديوبند في الأدب العربي، الدكتور زبير أحمد الفاروقي، ص104.

[3] المدائح النبوية في الهند، صدر الحسن الندوي، ص188.

[4] المرجع نفسه، ص159،160.

[5] المدائح النبوية في الهند، صدر الحسن الندوي، ص212 .

[6] المرجع نفسه، ص190.

[7] مساهمة دار العلوم بديوبند في الأدب العربي، الدكتور زبير أحمد الفاروقي، ص99،98.

[8] الرائد 2-8 جمادى الأولى، 1417هـ من مقال السيد أبي الحسن على الحسني الندوي.

[9] المدائح النبوية في الهند، صدر الحسن الندوي، ص222.

[10] المرجع نفسه، ص230.

[11] المدائح النبوية في الهند، صدر الحسن الندوي، ص213.

[12]  المرجع نفسه، ص55.

[13] المدائح النبوية في الهند، صدر الحسن الندوي، ص156.

[14]  المرجع نفسه، ص198.

[15]  المرجع نفسه، ص185.

[16] الثقافة الإسلامية في الهند، عبد الحي الحسني، ص48.

[17] الأدب العربي في شبه القارة الهندية حتى أواخر القرن العشرين، الدكتور أحمد إدريس، ص226،225.