في ظل الحصار الصهيوني والحروب المدمرة التي شهدها قطاع غزة، وما نتج عن ذلك من تردٍ في الأوضاع الصحية والبيئية والاقتصادية، تزايد عدد الإصابات بمرض السرطان بين سكان القطاع حتى وصل إلى أكثر من 16 ألف حالة بين الأطفال والرجال والنساء، بحسب إحصائية وزارة الصحة الفلسطينية لعام 2017م، حيث يعاني هؤلاء المرضى من المنع من السفر ونقص الأدوية والمعدات الطبية والحرمان من العلاج.

الكيماوي غير متوفر

من داخل مستشفى الرنتيسي لمرضى السرطان، قالت السيدة أمل الصباغ (38عاماً)، وقد بدت شاحبة الوجه متهالكة الجسد: «منذ ثلاث سنوات اكتشفت إصابتي بالسرطان، ومنذ ذلك الحين وأنا أموت موتاً بطيئاً، فعملية الاستئصال التي أجريتها في قطاع غزة تحتاج إلى متابعة علاج كيماوي غير متوفر إلا في مستشفيات القدس، والاحتلال يرفض إعطائي التنسيق للدخول إلى القدس لاستكمال العلاج».

وأضافت الصباغ أنها لا تستطيع إجراء العديد من التحليلات اللازمة لعدم توفر المال لذلك، إضافة إلى عدم تمكنها من شراء كافة الأدوية التي تحتاجها، ما أدى إلى تفاقم المرض، وتأثير ذلك على دورها كأم ترعى ثمانية أبناء بينهم أربعة صغار.

مع ضابط المخابرات الصهيوني

أفادت المواطنة منى أبو رحمة (52 عاماً) أن ضابط المخابرات الصهيوني على معبر بيت حانون الواصل بين قطاع غزة والضفة الغربية يقوم بسؤالها عن بعض الأسماء، طالباً منها تقديم معلومات استخباراتية، كما يقوم بتهديدها بعدم السماح لها باستكمال العلاج إذا لم تقدم تلك المعلومات.

وتصف منى مكان المقابلة مع ضباط المخابرات الصهيونية على معبر بيت حانون بأنه غرفة مرعبة تعمل على التسبب بالتوتر والضغط النفسي، وصولاً للتحطيم المعنوي وفقدان الأمل في العلاج.

وأوضحت أن الاحتلال يقوم بترسيخ مفاهيم يهودية الأرض المحتلة، والتقدم الحضاري للكيان الصهيوني، كقوله لها: «دولة إسرائيل هي من ستقوم بعلاجكم».

رهينة المعبر

قال الشاب محمد أبو عمرة (27 عاماً)، الذي يعاني من سرطان الرئة، إن الاحتلال رفض إعطاءه تصريح الدخول للعلاج في الداخل، فاضطر إلى استكمال العلاج في مصر، وهذا ما جعل حياته رهينة لفتح معبر رفح، على حد تعبيره.

ماذا حدث للطفلة بعد انفجار الصاروخ؟

أكد المواطن الجريح محمد السوافيري أن ابنته المتوفية بمرض السرطان عن عمر (3 سنوات) أصيبت بالمرض بعد الحرب الأخيرة على قطاع غزة، حيث استنشقت طفلته الغازات السامة الناتجة عن انفجار صاروخ ألقته طائرات الاحتلال على بيتٍ بجوارهم.

الأسلحة والمواد المشعة

للوقوف على تداعيات هذه المشكلة، قال الدكتور محمد أبو سلمية مدير مستشفى الرنتيسي لمرضى السرطان: «لا شك أن ما استخدمه الاحتلال من أسلحة فتاكة تحتوي على اليورانيوم المنضب والفسفور الأبيض والبارود وغيرها من المواد المشعة أدى إلى تنشيط الخلايا السرطانية لدى أهالي قطاع غزة، وهذا ما شهدناه بعد الحروب لاسيما الحرب الأخيرة عام 2014م، حيث أصبحنا نستقبل الكثير من حالات الإصابة بالمرض شهرياً، خصوصاً من سكان المناطق الحدودية التي تعرضت لكميات كبيرة من الإشعاع».

الأكثر انتشاراً

أشار د. أبو سلمية إلى أنه يتم اكتشاف ما يقارب المئة والعشرين حالة شهرياً مصابة بالسرطان، حيث يعتبر سرطان الثدي الأكثر انتشاراً بين النساء بنسبة 35%، وسرطان القولون عند الرجال بنسبة 19%.

ويؤكد د. أبو سلمية أنه بعد الحرب الأخيرة ظهرت بشكل واضح أنواع من السرطان في قطاع غزة، مثل سرطان الغدة الدرقية، إضافة إلى زيادة انتشار أنواع أخرى مثل سرطان البنكرياس والبروستاتا والدماغ والرئتين والرحم.

رحلة العلاج

بين د. أبو سلمية أن رحلة العلاج لمرضى السرطان تتم أولاً في مستشفيات داخل غزة، حيث يتم تشخيص المرض وإجراء عمليات الاستئصال في بعض الحالات، ثم يكون المريض بحاجة إلى استكمال العلاج الكيماوي وهو متوفر ولكن بشكل غير دائم، ومن ثم العلاج الإشعاعي، وهذا غير متوفر على الإطلاق داخل قطاع غزة، فيتم إجراء تحويلات طبية للمريض للذهاب إلى مستشفيات الضفة الغربية والقدس والداخل المحتل لاستكمال العلاج.

نقص الأدوية ومنع التصاريح

أكد د. أبو سلمية أن نقص الكثير من الأدوية التي يحتاجها مرضى السرطان يعمل على تراجع حالة المرضى، وكذلك تعنت الاحتلال في عدم إعطاء المرضى تصاريح العلاج في الداخل، حيث بلغت نسبة الرفض 60%.

وطالب أبو سلمية المجتمع الدولي بضرورة إنشاء مركز قومي لعلاج السرطان داخل قطاع غزة، وتقديم الرعاية الصحية المتكاملة للمرضى داخل القطاع دون الحاجة للسفر المرتبط بإخراج تصاريح سفر من الاحتلال أو بفتح معبر رفح.

غياب العلاج الإشعاعي

قال الطبيب زياد الخزندار: «يتم رصد من 12_ 15 حالة وفاة شهرياً من مرضى السرطان في قطاع غزة، حيث لا يمكننا كأطباء في غزة المحاصرة من القيام بكافة المراحل العلاجية للمرضى، فنحن نعاني من نقص حاد في الأدوية والأجهزة، إضافة إلى غياب مرحلة العلاج الإشعاعي والهرموني بسبب منع الاحتلال دخولها».

لا رعاية متكاملة

يشير الخزندار إلى أن مرضى السرطان يفتقرون إلى الرعاية المتكاملة من علاج جسدي وكذلك نفسي، حيث تؤثر الحالة النفسية والاضطراب المستمر الذي يعاني منه مرضى السرطان في زيادة خطر المرض، حيث يحتاج المريض أولاً إلى ضمان إتمام عملية العلاج بدون أي عوائق.

سياسة الاحتلال

لعبت قوات الاحتلال دوراً رئيساً في إنهاك الوضع الصحي لدى مرضى السرطان في قطاع غزة من خلال الحروب ومنع إعطاء التصاريح سواء للمرضى أو لمرافقيهم ومنع دخول الأدوية والمعدات الطبية اللازمة، هذا ما قاله يامن المدهون مسؤول وحدة الرصد والمتابعة في مركز الميزان لحقوق الإنسان، محذراً من استمرار الاحتلال في تنفيذ سياسته بحق المرضى.

استغلال المرضى

أضاف المدهون أنه تم رصد عمليات استغلال يقوم بها الاحتلال ضد المرضى، حيث يساومهم على التخابر معه مقابل السماح لهم بالعلاج، كما يقوم الاحتلال بتأخير إصدار تصاريح الدخول للمرضى، ما يؤدي إلى الإخلال بمواعيد أخذ الجرع الكيماوية، ومن ثم زيادة انتشار الخلايا السرطانية وفتكها بجسم المريض.

وفيات واعتقالات

أوضح المدهون أن عدد الوفيات لعام 2017م بسبب عرقلة وصولهم لتلقي العلاج بلغ 17 حالة بينها 10 حالات من مرضى السرطان، بواقع 2 من الرجال و8 من النساء، كما قام الاحتلال باعتقال 3 من المرضى على معبر بيت حانون إضافة إلى 3 آخرين من المرافقين للمرضى.

وأفاد المدهون أن سلطات الاحتلال تتنكر للمعايير والاتفاقيات الدولية، حيث نصت اتفاقية جنيف الأولى على تحييد المرضى في الصراعات، وتحسين حالتهم الصحية.