تعاني الأقليات المسلمة في العالم مشاكل كثيرة تهدد هويتها ووجودها، من بينها الجالية المسلمة في أوكرانيا، بشقيها الأصلي والوافد، وقد ازدادت معاناتها بعد نشوب الصراع العالمي على أرضها بين روسيا وأمريكا، حيث كان المسلمون أكبر ضحية له، لأسباب جغرافية، وأخرى دينية واقتصادية، وقبل الدخول في تفاصيل حياة المسلمين في هذه الدولة الأوربية يُستحسن التنويه بقدم الإسلام في هذه الأرض، على عكس ما يعتقده الكثير من المسلمين من حداثة عهد هذه الأرض بالإسلام، حيث تشير المصادر الأوكرانية والسلافية وحتى التركية إلى وصول الإسلام إلى أوكرانيا في النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي، إلا إن هناك ممن كتب عن هذا الأمر يرجع دخول الإسلام إلى التجار المسلمين، وهي مغالطة كبيرة، فالحقيقة التي اتفق عليها أكثر من كتب عن هذه الفترة هي أن ملك الخزر لما حاصره المسلمون من جهة، والبيزنطيون من جهة - باعتبار مملكته مملكة وثنية - أرسل إلى اليهود والنصارى والمسلمين يطلب منهم إرسال من يشرح دينه لشعب الخزر، واختار الملك في الأخير اليهودية، وسمح للفقيهين المسلمين اللذين أرسلا إلى المملكة بالبقاء فيها، ودخل على أيديهم جمع من الخزر الإسلام، وتذكر بعض المصادر التاريخية الأوكرانية أن مدينة لوهانسك شرق البلاد شهدت بناء أول مسجد للمسلمين في تلك الفترة، ما يعني أن عمر الإسلام هناك يصل إلى ألف سنة بإقرار بعض الكتاب من القفقاس أيضاً.

المسلمون الأوكران والجالية العربية:

وفقاً لمعطيات مركز دراسات الشرق الأوسط الأوكراني فإن عدد السكان بالبلاد يبلغ 47 مليون نسمة، منهم 400 ألف مسلم أصلي تقريباً، بينما ترى بعض الإدارات الدينية أن عدد المسلمين أكبر من ذلك بكثير، حيث يصل إلى مليوني مسلم باحتساب مسلمي القرم المحتل.

 يعيش المسلمون الأصليون أساساً في المدن الشرقية التالية: خاركوف، وزاباروجيا، وبالأخص في مدينتي دونيتسك ولوغانسك، وأغلبها اليوم واقع تحت سيطرة الانفصاليين الموالين لروسيا.

ومع أن المسلمين تقل نسبتهم عن أربعة بالمئة من إجمالي عدد السكان في أوكرانيا إلا إنه لديهم 6 دور إفتاء، منها دار إفتاء «تتر القرم» قبل احتلاله من روسيا، وفقاً للتوصيف الأوكراني والغربي، وتشير اللجنة الحكومية لمسلمي أوكرانيا إلى أن عدد الأبنية الدينية في أوكرانيا وصل إلى 81 مبنى، أما المنظمات الإسلامية فبعد أن كان عددها 133 منظمة، وصل في سنة 2011م إلى 199 منظمة معترفاً بها، وهذا يدعونا إلى الحديث عن الانقسامات الحادة بين المسلمين بسبب العرقيات والخلافات المذهبية والولاء السياسي.

أما الجالية العربية في أوكرانيا فقد أشارت صحيفة أوكرانيا برس إلى أن عددهم يبلغ 81 ألف نسمة، تشمل الطلاب، والعائلات، ورجال الأعمال إضافة إلى الأسر المختلطة بالزواج من أوكرانيات، فيما تمثل الجالية السورية أكبر الجاليات العربية، بعد لجوء عدد من الأسر السورية، يليها الفلسطينية والعراقية والأردنية، وهم يتواجدون عادة في المدن الكبرى.

أما المهاجرون المسلمون غير العرب؛ فهم يتشكلون أساساً من القادمين من آسيا الوسطى، أي الطاجيك، والأوزبك، والكازاخ والأذر، وقد ظهروا في هذه الأماكن نتيجة للتهجير القسري أثناء الحكم الشيوعي أيام ستالين؛ الذي عمل على اصطناع مجاعات رهيبة في المواطن الأصلية لهم، مما اضطرهم إلى الهجرة والبحث عن لقمة العيش وسط الروس والأوكران، فخرج الكثير منهم خروجاً اضطرارياً إلى هذه المناطق، دون أن ننسى ذكر هجرة الآلاف من المسلمين إلى أوكرانيا هرباً من المجازر التي ارتكبها السوفييت في حقهم.

وسنلتزم في هذا المقال الحديث عن مسلمي أوكرانيا دون مسلمي القرم المحتل، مع التركيز على المشاكل والتحديات التي يعيشونها، والتي نذكر منها:

مشكلة الحجاب في أوكرانيا:

لا توجد مادة صريحة في القوانين الأوكرانية تمنع العمل بالحجاب، غير أن الواقع يشهد طرد المسلمات من العمل بعد اعتناقهن الإسلام، وارتدائهن الحجاب، ويتم الطرد أحياناً بصورة مباشرة، وفي بعض الأحيان يتم التضييق على الموظفة المسلمة في الوظائف الحكومية، حتى تُدفع إلى الاستقالة والانسحاب.

كما يتعرض الكثير من المسلمات الأوكرانيات المتحجبات في المدن الأوكرانية الشرقية الأرثوذكسية إلى مضايقات عنصرية من العديد من السكان؛ حيث توصف الأوكرانيات المعتنقات للإسلام بخيانة الوطن وترك دين الآباء والأجداد، كما يقاطع الكثير من السكان الأرثوذكس المسلمين الملتزمين، ويتعرضون لهم بألفاظ تهكمية، وأفعال استفزازية في الأماكن العامة.

مسلمات أوكرانيا وجواز السفر:

في خريف 2015م ناشدت المسلمات الأوكرانيات الرئاسة الأوكرانية السماح لهن بوضع صورهن على جواز السفر وهن متحجبات، وتم تنظيم حملة توقيعات بين المسلمين على شبكة الإنترنت؛ لأجل مساندتهن في مطلبهن، لكن الحملة تعرضت للفشل بسبب غياب التفاعل معها من المسلمين داخل وخارج البلد؛ ولعل أبرز سبب في ذلك عدم وصولها إلى أسماع المسلمين، بسبب الضعف الإعلامي للمسلمين.

وقد بذلت المسلمة «سوزان إسماعيلوف» مجهوداً كبيراً للتعريف بهذه القضية، بعد أن رفعت دعوى قضائية ضد وزارة الداخلية الأوكرانية؛ بسبب منعها من أخذ صورة بالحجاب لجواز السفر، إلا إن إدارة المحكمة المركزية بالعاصمة الأوكرانية «كييف» رفضت الدعوى، وهذا الرفض يناقض قانون «حرية الضمير والمنظمات الدينية»، وكذلك المادة 35 من الدستور، ذات الصلة بضمان حرية المواطنين، هذه المواد تقر صراحة بحق المواطن في اختيار التيارات الدينية التي يريدها بكل حرية.

ويعتزم بعض المسلمين الأوكران رفع دعوى قضائية في المحكمة الأوربية ضد وزارة الداخلية الأوكرانية؛ لانتزاع هذا الحق، وهنا ندعو كل من يقرأ هذا المقال، من المحامين والمنظمات الإسلامية إلى التواصل مع مسلمي أوكرانيا ومنظماتها؛ لأجل المساعدة في حل هذه المعضلة الحقيقية، التي لا تستند إلى أي قانون يؤسس لها.

رمضان والتراويح في أوكرانيا:

مثلهم مثل جميع مسلمي العالم يصوم مسلمو أوكرانيا شهر رمضان الكريم، وتشهد العديد من المراكز الثقافية تنظيم إفطارات جماعية؛ يشهدها غالباً الطلبة العرب وغيرهم، إلا إن الحقيقة المرة هي أن الغالبية من المسلمين لا يمكنهم شهود هذه الإفطارات وصلاة التراويح لأسباب عديدة، نذكر منها: تأخر الإفطار في فصل الصيف، وحتى في بقية الفصول، يجعل الكثير منهم يحجم عن مشاركة إخوانه هذه المناسبات؛ لأن غالبية المسلمين ينتمون إلى الطبقة الفقيرة والضعيفة، والقليل منهم من ينتمي إلى الطبقة المتوسطة؛ وبسبب توقف وسائل النقل عن العمل في ساعة مبكرة خارج العاصمة كييف فإن الغالبية لا تستطيع الحضور إلى المصليات؛ لأنها لا تملك القدرة المالية لاستئجار سيارات الأجرة ولو لمرة واحدة، وهي حقيقة مرة، لم يجد لها المسلمون هناك أي حل حتى الآن.

الإعلام الإسلامي في أوكرانيا:

شهدت سنة 1997م ظهور أول صحيفة عربية أوكرانية إلكترونية، وسرعان ما تعثرت بعد ظهور شبكات التواصل الاجتماعي، والتي عجل ظهورها بظهور مواقع عربية عديدة، كان أغلبها بيد اليسار العربي، ولم تشهد الساحة ميلاد أي صحيفة إسلامية، ما عدا صحيفة ورقية صغيرة اسمها «الرائد»، كانت تصدرها منظمة الرائد الإسلامية بشكل دوري، كان يتم توزيعها في المصليات والمراكز الإسلامية التي تشرف عليها، مع وجود بعض المواقع الإسلامية التي لا تسد الحاجة؛ بسبب عدم تمكنها من اللغة الأوكرانية؛ حيث تعد استنساخاً لمواقع إسلامية روسية. ويمكن القول إن العمل الإعلامي الإسلامي في أوكرانيا ضعيف جداً، حيث لم يصل إلى مرحلة التأسيس فضلاً عن الرسوخ.

مسلمو أوكرانيا والمدارس:

إن أحد أخطر المشاكل التي يواجهها المسلمون الأوكرانيون والوافدون غياب مدارس تتوافق مع الهوية الإسلامية؛ وحتى تتبين خطورة هذه النقطة يحسن بنا أن نشير إلى أن العاصمة كييف تأوي 100 ألف مسلم بحسب إحصاءات أخيرة، صادرة في أوكرانيا عن بعض المنظمات الإسلامية العربية، تتوفر على مدرسة نظامية واحدة، افتتحتها منظمة الرائد الإسلامية قبل سنة من الآن. وترجع أسباب غياب المدارس الخاصة بالجالية المسلمة إلى أسباب قانونية ومالية بحتة، وفي هذا الشأن يعلق عماد أبو الرب، مدير مركز الحوار الأوكراني بقوله: «المدارس العادية فيها اختلاط فاضح إضافة لانتشار الأمراض الاجتماعية والأخلاقية المختلفة والتي تؤثر سلباً على أبنائنا وبناتنا خاصة هدمها لمفهوم العفة والحياء، حيث تختلف نظرتنا نحن المسلمين عن نظرة غير المسلمين في كيفيتها وأشكالها، والقانون الأوكراني لا يمنع إنشاء مدارس للأقليات لكن هناك صعوبات كثيرة للأسف بعضها من القانون الذي يطلب الكثير من التراخيص، ويلزم بشروط تحتاج وقتاً طويلاً لتوفيرها، إضافة للمبالغ الباهظة التي يجب توفيرها لبناء أو شراء مبنى مناسب وإيجاد مصاريف تسيير المدرسة، حيث إن قدرات الآباء تعجز عن تسديد الرسوم الحقيقية لدراسة أبنائهم. ونأمل في المستقبل القريب أن نحصّل الأوراق القانونية اللازمة وأن يقدّم لنا أهل الخير يد العون والمساعدة لتوفير محضن تربوي آمن لأبنائنا».

هل يمكن بناء مسجد في أوكرانيا؟

ليس من السهل على المسلمين بناء مساجد في هذا البلد؛ بسبب العراقيل الإدارية، والمماطلة في النظر في طلبات بناء المساجد، وكان المسلمون في الانتخابات الرئاسية الأخيرة قد رفعوا رسالة إلى المترشحين، يطالبونهم فيها بتخصيص بعض الأراضي لبناء مساجد ومصليات، وكفالة حرية العبادة للمسلمين. أما الأسباب الأخرى فهي قلة حيلة يد المسلمين هناك، وضعف الدعم المالي الذي يتلقاه المسلمون الأوكران والعرب، وكانت نتيجة هذه المعاناة ارتداد العديد من المسلمين، كما أن غياب المساجد أدى إلى ضعف أو غياب حلقات تحفيظ القرآن الكريم، وتعليم اللغة العربية، ففي مسابقة حفظ القرآن التي نظمتها الهيئة العالمية لتحفيظ القرآن الكريم لم يشارك سوى 60 مشاركاً. كما أن الكثير من المسلمات بعد اعتناقهن الإسلام لا يجدن حتى من يساندهن ويتابع مسيرتهن، وأدت مشكلة غياب المساجد أيضاً إلى ضآلة فرص المسلمة في الزواج بسبب عدم اجتماع المسلمين عادة.

مخاطر عقدية يواجهها المسلمون الأوكران:

أولاً: حركة التشيع: يتعرض المسلمون السنة بأوكرانيا إلى تحديات عقدية خطيرة، من بينها مشكلة التشيع، التي بدأت تزداد بينهم، بسبب النشاط المحموم الذي يقوده مركز المصطفى الإسلامي في أوكرانيا، والذي صرّح به المرشد الإسلامي في مركز المصطفى لطيف الزركاني في حواره لشبكة الكفيل في زيارته للعراق طلباً للدعم والمساندة، إذ يقول: «إن الهدف من تأسيس مركز المصطفى الإسلامي هو لغرض توحيد العمل الإسلامي في أوكرانيا ويضم عدداً من المؤسسات والجمعيات والتي تعمل على تنظيم وتنسيق صورة التبليغ الإسلامي في أوكرانيا ويعد المركز الموجه الرئيس لحركة التبليغ في هذا البلد»، ويقصد بالتبليغ الإسلامي هنا نشر التشيع، وهذا أحد أبرز المخاطر التي قد يتعرض لها الشباب السني، الذي لا يجد حظه من التحصين الإيماني والعلمي.

ثانياً: الأحباش: يقودهم اللبناني الأصل أحمد تميم، والذي يقدم نفسه بصفة «مفتي أوكرانيا»، بعد أخذه منصب رئيس الإدارة الدينية التي تعترف بها الرئاسة الأوكرانية، وهو رجل عدواني، لا يدخر جهداً في إيذاء التيار السني، وافتعال المشاكل، ويلخص أحد المسؤولين عن النشاط الاجتماعي في منظمة الرائد ما قام به الأحباش بقيادة أحمد تميم خلال العقدين الماضيين في النقاط الآتية:

- تخويف الشعب الأوكراني من كل إنسان عربي، فكل إنسان عربي عنده إرهابي حتى يبايعه.

- الخروج في القنوات الأوكرانية محذراً من المؤسسات العربية في أوكرانيا ذاكراً إياها بالاسم.

- إرسال أتباعه إلى مصليات السنة لافتعال المشاكل والفوضى حتي تكون المصليات نواة للفتنة وبالتالي تصبح للحكومة حجة في إغلاقها أو مضايقتها.

- طرد كل مسلم لا يكفر شيخ الإسلام ابن تيمية من مصلياته.

- اتهام الجمعيات الإسلامية التي يعاديها بإنشاء معسكرات للتدريب على السلاح، وتم استدعاء جميع رؤساء الجمعيات الإسلامية من قبل أمن الدولة والتحقيق معهم؛ إثر تلقيهم رسالة تحذيرية من أحمد تميم بخصوص المعسكرات التدريبية. وانتهت التحقيقات ببراءة المتهمين من التهمة الخطيرة التي ألصقها بهم زعيم الأحباش بأوكرانيا وإلزامه بالاعتذار عن كذبه وافترائه.

إن الأخطار العقدية التي يواجهها المسلمون في أوكرانيا خطيرة جداً، ولا يمكن إيجادها بنفس الزخم في الدول الأوربية الأخرى، وأبرز دليل على ذلك أن الأحباش حاولوا التعاون مع الروس الذين احتلوا جزيرة القرم، واستولوا على مساجد القرميين، محاولين فرض مذهبهم عبر الدعم الروسي.

وأخيراً، يحتاج المسلمون في أوكرانيا إلى دعم ومساندة لتثبيت إسلامهم، وبناء مدارس ومساجد تحافظ على دينهم، خاصة أن الحرب الدائرة في شرق البلاد قد جعلت الكثير منهم يعاني بشكل لا يقل عن معاناة غيرهم من المسلمين في أقطار الأرض، خاصة أن البلد يعاني من أزمة اقتصادية حادة عصفت بقيمة العملة وأفنت الطبقة المتوسطة. كما تحتاج المسلمات إلى دعم على المستوى القانوني لتمكينهن من حقوقهن، والله نسأل أن تجد هذه الرسالة آذاناً صاغية.