وصلت الحالة الفلسطينية مع اليهود أنها تجاوزت الهزيمة القاتلة، والكيان الصهيوني لن يصل إلى النصر النهائي، ويقرر الكاتب الصهيوني باروخ كمرلنك أن «مصير الدولة الإسرائيلية والشعب الفلسطيني، بغض النظر عن المواقف الأمريكية والأوربية سوف يقرر على الأرض في الشرق الأوسط، أما الحقائق الثابتة فهي أن الشعب الفلسطيني موجود، ولا يهم منذ متى، وأن إمكانية تصفيته - أو تطهيره الإثني من البلاد - دون نتائج خطيرة على إسرائيل معدومة»، وأما بيني موريس فهو يرى أن «في الجيل الحالي لن يحل السلام، ولن يكون الحل، وقدرنا أن نعيش على حرابنا، وأنا كبير السن ولكن بالنسبة لأولادي، هذا أمر بائس على وجه الخصوص، ولا أعرف إن كانوا سيرغبون في مواصلة العيش في مكان لا أمل فيه، وحتى إذا لم تدمر إسرائيل فإن الحياة الجيدة، والعادية لن تكون هنا في العقود المقبلة».

إن إشكالية السلام لدى الصهاينة تنطلق من خطرها على الهوية إلى مصادمتها للتربية العسكرية، إلى ضيق المساحة الفلسطينية، مروراً على الخشية من تحول الحكم الذاتي للفلسطينيين إلى دولة، تقول صحيفة الصنداي تايمز: «بمجرد أن يصل الفلسطينيون إلى الاستقلال فسوف يفعلون ما فعله اليهود عندما شكلوا دولتهم»، ولذا تتراوح خطوات السلام بين دولة واحدة ثنائية القومية، أو دولتين لشعبين، وبين فك الارتباط المؤدي إلى شرخ وطني، وتأجيل قضية القدس، واللاجئين والمستوطنات، وكسب الوقت، وتقييد العرب عن أي حرب، وإطلاق إسرائيل ضد الفلسطينيين والعرب، وجعل أمريكا وسيطاً منفرداً، وغياب الند الفلسطيني المناسب لهم في التوصل إلى سلام، أو اضطهاده، والاحترازات الأمنية الكثيرة.

 ومن ناحية أخرى فإن أسس الكيان الصهيوني، ومبررات وجوده، ومنطلقات التدين والتربية والتعليم والإعلام فيه لا تلتقي أبداً مع مفاوضات السلام، ولا مع الحدّ الأدنى من الحلول والاقتراحات، وإن قبلوا به - مؤقتاً أو مداراة - فسوف تتمخض عنه حرب يهودية داخلية على الأرجح، وكل هذه الحجج والعقبات تمنح الصهاينة فترات زمنية طويلة تحول بينهم وبين السلام والإدانة، قاربت المئة سنة، أي منذ عام 1919م وفي كانون الثاني منه، حيث اتفاقية فيصل - وايزمان، وأرى أنها أطول مفاوضات في التاريخ، إذا ما شاهدناها من بداية مفاوضات الصهاينة مع آخر خلفاء الدولة العثمانية، والكاتب الصهيوني ألوف بن، يرى في انحصار السلام الصهيوني - العربي في أثناء كل الانتخابات الأمريكية، وبروز أهمية أمن الشرق الأوسط ومعالجة الفظائع الصهيونية ضد الفلسطينيين، وإيقاف التدهور مؤشر على استحالة السلام، ثم يتساءل: «كم من الوقت يمكن لمناورات التملص هذه أن تستمر؟»، أو متى يتم التحرر من الذرائع الصهيونية ضد السلام، إنها كثيرة جداً، لا تحصى، وغير منطقية، منها الأمن، وبناء الثقة، والقضاء على الإرهاب، وكبت المقاومة، ورفع المقاطعة، والمشاريع المشتركة، ووجود الشريك، وإظهار النية، وإلغاء القوانين، وتعديل المناهج، وتهميش الإسلام، وبقاء الاستبداد، والاعتراف بالكيان، وجودة المفاوض، والشروط المسبقة، والاحتفاظ بالقدس، والاعتراف بيهودية الدولة، وبناء المستعمرات، والمماطلة. وكان إسحاق شامير من القلة الذين صرحوا برفضهم عملية السلام، حيث قال: «إنه سيماطل في المسألة لعشر سنوات، ومن ثم عشر أخرى»، وكل ذلك مع وجود التربية الصهيونية القتالية، والمناهج العسكرية، والإعلام المتوحش، والجدار العازل، والمستعمرات، والاعتداءات على الأقصى، واستهداف الأطفال، وعسكرة القطاعات والمجتمع، والقوانين العنصرية، ويختزل أ. ب. يهوشواع (أديب يهودي معاصر) الحقيقة بقوله: «إننا نشعر في قرارة أنفسنا بالخوف من السلام، لأن تاريخنا استند على نموذج الصراع بيننا وبين الآخر، فالصراع مع غير اليهود يشكل أحد مكونات هويتنا المميزة»، ويصرح شارون: «إن إسرائيل ولدت في رحم الحرب، ولا يمكن لها أن تعيش بغير الحرب؛ لأن السلام يقتلها»، ويصب في هذا الشأن قناعات المستشرق اليهودي إيلي فودا، ففي كتاب له جديد يؤكد: «إسرائيل أهدرت 32 فرصة، لحل الصراع مع الشعب الفلسطيني»، وكيف لا تهدرها؟ والسلام الحقيقي لا يلتقي مع الإستراتيجية الصهيونية، ولا مع المجتمع اليهودي في فلسطين، ولا مع التوراة والتلمود، فالسلام يقيدها، أو يذيبها في المحيط العربي، أو يشتتها، أو يضعفها، وينقل الصراع إلى داخلها، ولا يضيف إليها ما يجعلها نامية مستقرة، قادرة على تحقيق أهدافها اللاقانونية، واللاإنسانية، ثم هي - وهذا الأخطر - في عجز عن السلام مع ذاتها، فكيف تعطي ما لا تملك؟ ولذا ترى الثقة بالعربي من المحرمات، وقاصمة الظهر حينما ينشغل الصهاينة في تحديد عدوهم واختياره، والمكر به في أثناء جولات السلام، فيُقتل ياسر عرفات حقيقة بمبررات تحريك عجلة السلام، ويُقضى على عباس معنوياً، ويتهكم المستشار الصهيوني فايسغلاس، ويلغي وجود الفلسطينيين قائلاً: «إننا ربينا العالم على أنه لا يوجد شريك في الطرف الآخر، وحصلنا على شهادة خلو من الشريك»، ويضيف واصفاً عنصريتهم بسخرية: «هذه الشهادة ستزول عندما يتحول الفلسطينيون إلى فنلنديين»، ويلي ذلك سؤال اعتراضي خطير، عمن من ينفذ العقوبات على الكيان الصهيوني، ومن يلزمه بتعهداته، ففي عمليات السلام المتكررة (مثل: خريطة الطريق، أنابوليس، كامب ديفيد) ما يدعوها إلى إخلاء المواقع الاستيطانية، وبدل ذلك أخذت بالنمو! ويرى الصحفي الصهيوني سميدار بيري أن «المشكلة ليست العقلية القديمة لشارون، ولا تصريحاته، بل طريقة تنفيذ الاتفاقيات، إذا نفذها أصلاً»، وتصريح آخر يعاكس ويعانق التوجهات الصهيونية يدلي به موشيه يعلون، مفاده: «لن تقوم دولة فلسطينية، وسنعطيهم حكماً ذاتياً منزوع السلاح، وسنواصل السيطرة على أراضي وأجواء الحكم الذاتي»، وثالثة الأثافي حينما يكون الوسيط أمريكاً، وهي عقبة أمام السلام، يقول الباحث اليهودي نعوم تشومسكي: «ما زالت الولايات المتحدة تحول دون التوصل إلى تسوية دبلوماسية للاحتلال الإسرائيلي، منذ أكثر من ثلاثين عاماً»، ورابعة الدواهي حينما تُعزز قيم الحرب داخل الكيان الصهيوني، وتُؤصل في كل أطراف المجتمع وفروعه وزواياه، فتكون محور التربية والتعليم والإعلام، فلا معنى لكل خطوات السلام بدون بنية قوية صادقة، وقد أشار إلى ذلك أدير كوهن، بدعوته القائلة: «يتوجب علينا أن نكون الجهة المبادرة والفعَّالة في مجال تدريس السلام، ويجب أن نبدأ ذلك من رياض الأطفال، والبيوت والأسرة، ونحن نضيف قائلين: وفي كتب الأطفال أيضاً»[1]، ولكن الحال عكس ذلك تماماً، بينما الواقع يصب في حشو عقول الناشئة اليهود في فلسطين بحتمية الحرب، وأبديتها وحيويتها، المبنية على الكراهية والاستخفاف بالفلسطينيين والعرب، ووصفهم بنعوت سيئة في محصلتها النهائية تجريدهم من إنسانيتهم، وتأكيد «سوبرمانية» الصهاينة وشجاعتهم، وأن فلسطين خيارهم الأول والأخير، وهدفهم المباشر وغير المباشر، كما أن الحرب خط الدفاع الأول عن الكيان المحتل، وتم صياغة أهداف التربية والتعليم من خلاله، وتوّجوا في نهايته كل التصورات والأسس التي يتمحورون حولها بابتهاجهم وترحيبهم بالرعب، والعنف، والقتل، والإرهاب، ثم جاء مشروع التغول الديني بكل أنانيته وعنصريته، ففي كتاب «ملائكة في سماء يهودا» للصهيوني دانيل كرلي، ما يؤكد توجه التيار الديني اليهودي في فلسطين إلى التحكم في الكيان، والهيمنة على الجيش، وإقامة دولة أصولية من خصائصها استبعاد الفلسطينيين، وهدم الأقصى، وبناء الهيكل، وهذه التصورات تواترت من العديد من الباحثين والمفكرين الصهاينة، وأصبح لها أثر ملموس على أرض الواقع، وتنمو، وتظهر في الانتخابات، ومفاوضات السلام، والاحتياطات الأمنية، وإلحاح الخطاب السياسي الصهيوني إلى تحويل كيانهم إلى دولة يهودية.

وما دام أن أسس الحوار ومحاور القوة الصهيونية (قوة الكيان العسكرية) فهذا مؤشر على رفضه للسلام، وخوفه من السلام، وعدم حاجته إلى السلام، فإذا أضيف إلى هذه الخاصية معاهداته الإستراتيجية مع دول كبرى فهنا تبيض العنجهية ويفرخ العناد والغرور، فثقافة السلام بعيدة عن كل الحكومات الإسرائيلية وبعيدة عن التوجهات الاجتماعية فيها، وعن وسائل الإعلام والتربية والمناهج الدراسية، وعن الثقافة والأدب، ومؤشر ذلك مقتل رابين، ونتائج كل أنواع المفاوضات، برغم تهيئة الفلسطينيين والعرب له على كل الأصعدة، فأصبح السلام في نظر الكيان الصهيوني خطراً عليه، وثمنه باهظ، ومن المستحيل قبوله، لما فيه من اعتراف بفلسطين وذوبان في العرب، وتنازل عن سلاحه ورضاه بأن تكون دولته كالدول، وشعبه كالشعوب، ويشير إلى ذلك يعقوب شريت قائلاً: «لو كانت هناك في إسرائيل حكومة سلام أو إذا أرغمت حكومة إسرائيل من قبل الدول العظمى على السير إلى مؤتمر دولي لكي يعمل على إحلال السلام مقابل الأرض، وحتى لو صودق على هذا السلام في استفتاء شعبي سيتدهور المجتمع الإسرائيلي لدرجة حرب أهلية، لن تغير شيئاً من الواقع أية جهة تنتصر في هذه الحرب أو تخسر، وستخرب البلاد ولن يكون هناك قوة لولادتها من جديد»، ويؤكد أيضاً: «إسرائيل تقف الآن خارج إطار مسيرة السلام العالمية وهي عملياً ترفضها إذ إن السعي إلى تحقيق سلام إقليمي وعالمي معناه بالنسبة لإسرائيل السير نحو التسوية والاعتراف بالفلسطينيين، وبحقهم في تقرير مصيرهم في إطار المسيرة العالمية مسيرة التسليم والمصالحة»، وهذا ما صرح به نتنياهو لصحيفة يديعوت أحرنوت قائلاً: «المبادرة العربية للسلام عام 2002م أصبحت جزءاً من الماضي»، بل وكل المبادرات إلا ما فيها من فقرات تخدمهم، لأن الأمر يعتريه عقبات قاتلة في نظر الصهاينة، عقبات داخلية، يتساءل عنها أري شبيط، في مقاله «إسرائيل سفينة حمقى..»، يقول فيه: «كيف يمكن الانسحاب من أرض إسرائيل دون زعزعة أركان وجود دولة إسرائيل؟!»، ويتحدث عن أخرى خارجية: «نحن نجد صعوبة في مواجهة حقيقة أن الأصولية الفلسطينية تتغلب علينا»، أما إذا أصرت دولة الاحتلال على غلوها بقوتها، واعتمدت على سلاحها فإنها «حتى لو استطاعت البقاء لجيل أو جيلين آخرين لن تتمكن من القيام بذلك إلا في إطار هيكل أو كيان سياسي، أشبه بإسبارطة أشرار، وإسرائيل بهذه الصفة هي بمثابة عملية صيرورة، وليست فقط هدفاً لعمليات تاريخية تصوغ حيز الخيارات الإسرائيلي - الفلسطيني في هذه اللحظة التاريخية»، ويفند شيمعون بيريز الأمر الواقع: «بأننا نستطيع أن نستمر إلى ما لا نهاية في حالة الشلل المسماة باللاحرب واللاسلم»، مؤكداً: «أن الإبقاء على الوضع الحالي لا معنى له، بل إن هذا الوضع القائم لا يمكن له أن يستمر بأي حال بفعل ارتفاع معدل الولادة والهجرة، إن الاعتراف بالحقيقة الصعبة معيار لنجاح عملية السلام»، ولا يطيقون ذلك، وللكاتب متاي شتا ينبرغ (رجل مخابرات صهيوني) كتاب عنوانه «يقفون أمام مصيرهم»، ينتقد فيه موقف حكومته من عمليات السلام، ويرى «أن امتناع إسرائيل، أو التهرب من دفع الثمن الذي تطلبه التسوية [الانسحاب إلى حدود 1967م] ينطوي على مخاطر على وجود دولة إسرائيل»، وانتقد دعاوى شارون، في «عدم وجود شريك للتفاوض معه»، ورفض شعار «الكي» لكي يستيقظ العرب ويقبلوا ما يمليه الكيان الصهيوني.

وربما كان لنتائج الصلح في كامب ديفيد دورها في التعنت، والتطلع، وإملاء الشروط، فقد قدم للغزاة الصهاينة الشرعية الرسمية، وحيّد مصر، ومكنهم من العدوان على غيرها، وتسويغ المستوطنات، والهيمنة على القدس، ونمو هجرة اليهود إلى فلسطين، ومراقبة المناهج والإعلام المصري، والتنسيق الأمني بين الدولتين، واختراق دول عربية عن طريقها، ومن لا يعرف النفسية اليهودية، وبنيتها العقلية، وأساليب حوارها، وحيلها، وخداعها، وقتلها، وانطوائها، وتخندقها، وصراعها، وطلبها للمستحيل، وتوظيفها للشائعات، وحضور المال لديها، وتأثير الأساطير عليها، فلا يدخل معها في مفاوضات، ولا يبادرها في حوار، ويشير عكيفا إلدار إلى شيء من ذلك، ويصف عقيدة نتنياهو بأنها تهرب من السلام، وتسعى إلى «تخويف العالم بداعش، والتحالف مع العرب يمكن أن يقبر الحاجة لإجراء مفاوضات سياسية لإنهاء الصراع»، فالسلام بعدما يقارب القرن، وبعد كل الاتصالات والحلول، والضغوط والتدخلات يقف أمام طريق مسدود، ودروبه ملغمة دائماً بالشروط والمطالب المتصادمة، وبعد تجاوزها تصطدم بالصيغ والكلمات، وبعد تهميشها تعاني من الضعف والضمانات، وبعد طيها تقع في فخ الالتزامات المختلف عليها، وبعد حلها تكون أسيرة إجراءات التنفيذ والتأجيل، وكل ذلك يحيط به قضية الأمن والمبالغة الصهيونية فيه، والحساسية العالية منه، الأمن الذي ليس له سقف ينتهي إليه، ولا طاقة للفلسطينيين والعرب به، ومن معالمه المستحيلة: خطر الديمقراطيات العربية على إسرائيل، واستحالة التفاهم النهائي مع الدكتاتوريات، وانتشار الإسلام في أوربا، والصحوة الإسلامية، والنمو الاقتصادي في الخليج، والأسلحة الدفاعية الفاعلة لدى الجيران، وتطبيق الشريعة، والتجنيد الإجباري لدى العرب، وعلاقة دول الخليج بأمريكا، وخطر السلام على الكيان الصهيوني، وخطر الحرب عليه، ثم يأتي بعد ذلك وقبله تصريحات تعجيزية، حيث يقرر نتنياهو أن «الدولة الفلسطينية لن تتحقق إلا من خلال مفاوضات تضمن مصالح أمن إسرائيل»، وأمنها ومصالحها بدون حدود ولا ضوابط، وحينما يختار الصهاينة المراوحة بين السلام والحرب يحتج  ابن كسبيت في صحيفة «معاريف» معلناً: «كوننا نفضل الهدوء على الحل الحقيقي للمشكلة فإننا نلتقي في كل مرة مع حماس، وهي أكثر قوة، أكثر تصميماً، أكثر تسليحاً، وأكثر شدة».

وهكذا عمليات السلام تبقى في حلقات مفرغة تحلق فوقها أفكار منحيم بيجن الواردة في خطابه بالكنيست في 17 أبريل 1950م، ومنها: «لن يكون هناك سلام لشعب إسرائيل، ولا لأرض إسرائيل، حتى ولا للعرب ما دمنا لم نحرر وطننا بأجمعه بعد، حتى ولو وقعنا معاهدة صلح»، وللكاتب الصهيوني شالوم بروشالمي مقال في صحيفة معاريف عنوانه «تحسن العلاقات مع العرب مصيبة وجودية» و«أغلب اليهود الإسرائيليين يعتبرون الصراع قدراً محتوماً، وواقعاً لا يمكن تغييره من الأساس، بسبب طابع وعقيدة العرب»، ومن كل ذلك وغيره يتم وضع العصا في عجلة السلام بأعذار واهية أو مستحيلة، مثل «لن نسمح لواقع السلام بأن يخلف وراءه أو يؤجل إلى المستقبل البعيد المشاكل التي تتسم في الأساس بطابع تاريخي أو عقائدي» بحسب رأي أبراهام يهوشو، أما حبيب جور، فيؤكد «أنه لا يوجد مسار واضح نحو استقلال فلسطيني لا يمر من خلال السياسة الإسرائيلية»، ويذهب الحاخام وايس إلى الابتهال والدعاء: «كل يوم للتفكيك السلمي والسريع لإسرائيل فهي عائق أمام السلام، لكي يستطيع المسلمون واليهود أن يعيشوا بسلام معاً»، فالاستقرار معاق بتعنتات الكيان، وبلاءاته المتكررة والمتنوعة: (لا) لعودة اللاجئين، و(لا) لتقسيم القدس، و(لا) لتفكيك المستعمرات، و(لا) للعودة لحدود 1967م، و(لا) للدولة الفلسطينية ذات السيادة، وبالمقابل اندثرت لاءات العرب الثلاث، ولا شك أن «إنشاء دولة فلسطينية ضعيفة اقتصادياً، وعاجزة عسكرياً سيمثل إغراء دائماً للدولة الإسرائيلية»، ومع هذا هم في رهبة منها، وأيضاً لا يريدونها، ولا يستطيعون قبولها، وتصطدم بكل أهدافهم العليا، وبنيتهم الأساسية، وتقلبات الزمن، والحقيقة المرة أن الغزاة الصهاينة في قلق من كل شيء، من الحرب ومن السلام، وفي خوف من وصول أسلحة غير تقليدية لجيرانهم، ومن الاتجاهات الجهادية، ومن المقاومة، ومن الصواريخ، ومن العصيان المدني، ومن الانتفاضات الشعبية، ولا شك أن التغيرات السياسية تؤثر على القوة العسكرية، ومنها:

 سقوط الأنظمة المعتدلة في نظرهم.

 تشكيل دولة فلسطينية تعترف بها العديد من الدول.

 تراجع المشروعية السياسية والقانونية في استخدام القوة.

 ضعف تأييد القوى الكبرى لهم.

 وصول التجاوزات الصهيونية إلى المنظمات الدولية ومحكمة العدل الدولية، والرأي العام العالمي.

 ضمور الهمّ الوطني، وانكماش الولاء، وتراجع القوة المعنوية لدى أفراد المجتمعات اليهودية في فلسطين.

فالكيان الصهيوني يعاني تناقضات قاتلة، يريد السلام مع احتفاظه بما لديه من عدوانية، ومستعمرات والقدس، والأراضي والجدار، ويطالب بالتطبيع مع وجود التعصب، ويبحث عن الأمن من خلال شروط قاسية، وهوية متطرفة، وجعل في قمة أهدافه التفوق الدائم والأمن المطلق، الذي لم تحققه أو تفكر به أي دولة في العالم مهما بلغت قوتها، أو جنونها، ويعبر عن كل هذه المتناقضات رئيس الكنيست روبي ريفيلن حينما قال: «أنا وافقت على أن يرفع الليكود رايتين في آن واحد، راية الدولة الفلسطينية وراية أرض إسرائيل الكاملة»، كيف يكون؟ لا أعلم، إلا إذا كان المراد راية للداخل، والأخرى للخارج، أما اليسار الإسرائيلي فله موقف جيد من السلام حيث يميل إليه، ويرفض سياسة اليمين، وبقاء المستوطنات «صحيح أنه لم يكن رفضاً منظماً ولا جماعياً وإنما كان هامشياً مقتصراً على حفنة قليلة، رفض ضمير شخصي، غير جارف ولكنه رفض خطير لأن اليمين يستطيع أن يتذرع به»، والإشكالية المعقدة في المتدينين، وهم في طريقهم إلى قيادة الدولة، بل أمسكوا بالعديد من مفاصلها، ومنهم مجموعة «من أجل بلادنا» اليهودية في فلسطين، وقد رفعوا شعارات بقيادة الحاخام أفروم شيمو ليفتز، تقول: «تمتعوا بالحرب، لأن السلام سيكون مريعاً، واحتفوا بالبندقية، والحرب قانون الطبيعة»، ومن كل الزوايا يتضح أن السلام تائه، ومستحيل، وفي دروب مسدودة، وكل ما تقدمه المفاوضات، والضغوط، والاقتراحات، لا يخرج عن كونه تحذيرات للمجتمعات وتأجيل للنهاية.

وقاصمة الظهر أمام كل خطوات السلام، أن مكونات بناء الدولة، وأسسها، وفي ذروتها التهيئة المستمرة - على كل الأصعدة الإسرائيلية - للحرب، وتوظيف كل الوسائل والإمكانيات لإقناع الشارع الصهيوني به، من خلال تمدد الأصولية اليهودية، والتقدم السياسي للصقور، واليمينيين، والجنرالات، وكثافة التحريض على الفلسطينيين بواسطة الأدب والإعلام، وتعبئة المناهج الدراسية بالحقد، والقسوة، وشيطنة أبناء الأرض المسالمين، حتى أصبح الصهيوني ينظر إلى قتل الفلسطيني بعين الواجب والشوق، وقمة البطولة، ويقدس القتلة منهم، وفي هذه الحالة لا يمكن تحقيق السلام في هذه الأجواء، ويؤكد صائب عريقات بعد خبرة عقود من المفاوضات: «السياسة الإسرائيلية خطر حقيقي على السلام»، والوجه الآخر للقضية يعبر عنه نتنياهو، بمقولته القائلة: «إنهاء احتلال الأراضي الفلسطينية خطر على أمن إسرائيل»، وأقول: أيضاً بقاء الاحتلال خطر على كل الكيان الصهيوني المحتل، وإذا مات السلام فلا مفر من الحرب وفي بعض ميادينها يكون الموت للصهاينة، فالأمة العربية تجاوزت مرحلة الإبادة، وتملك أعماقاً جغرافية وبشرية، وتتحمل العديد من الهزائم ثم تنهض، أما رئيس وزراء الكيان الصهيوني، فهو على قناعة تامة بأن «إسرائيل ستنتهي إذا انهار حل الدولتين»، وانهياره في نظره يجعل الفلسطينيين «تحت خيمة الحكم الإسرائيلي»، وهذا يضعها أمام خيارين: إما أن تتيح لهم التصويت في الانتخابات، وهذا يعني انهيار الدولة الإسرائيلية، أو أن يمنعوا من التصويت، وبذلك تصبح إسرائيل دولة أبارتايد [تفرقة عنصرية]، وعندئذ ستصبح منبوذة في العالم، وسيكون أول من يقف ضدها يهود أمريكا، الذين يعتبرون ركيزة أساسية لدعمنا، فهؤلاء لن يدعموا دولة غير ديمقراطية حتى ولو كانت دولة يهودية»، وجميع النتائج والدروب تقول إن الكيان الصهيوني ليس دولة حقيقية، إنه دولة من خارج رحم التاريخ والجغرافيا، له وظائف خارج وظائف الدول الطبيعية، وعمره بحدود وظيفته، تأسس في لحظة اختلالات الدول المحيطة به، وبقاؤه بحجم تفاعل القوى الكبرى معه، ووجود العملاء في ما حوله، ثم إنه تشكل بدون شعب، وعلى أرض لا يملكها، وكل ما فيها لا يمت إليه بصلة، مُدنها، وجبالها، ولغتها، ولباسها، وأطعمتها، وملامح سكانها. ولذا يرى الكيان الصهيوني خطر السلام عليه.


 


[1] كتاب «وجه قبيح في المرآة» تأليف أدير كوهين ص٤٤.