قال عبد الله بن وهب رحمه الله تعالى: «ما نقلنا من أدبِ مالكٍ أكثرُ مما تعلمنا من علمه»[1].

عبد الله بن وهب هذا من أجلِّ طلاب إمام المدينة مالك بن أنس رحمه الله تعالى، سمع الحديث وحفظه ووعاه ودوَّنه، حتى أصبح من كبار أوعية العلم في عصره، قال ابن القاسم رحمه الله تعالى: «لو مات ابن عيينة، لضُربت إلى ابن وهبٍ أكبادُ الإبل؛ ما دوَّن أحدٌ تدوينه».

وقال أبو زرعة رحمه الله: «نظرتُ في نحو من ثلاثين ألف حديث لابن وهب، ولا أعلم أني رأيتُ له حديثاً لا أصل له»[2].

هذه بعض شهادات القوم من الفقهاء والمحدثين عن سعة علمه وحفظه، أما بخصوص استفادته الفقهية من الإمام مالك رحمه الله؛ فيقول أبو مصعب الزهري رحمه الله: «مسائله عن مالك صحيحة»[3]. بل كان الإمام مالك يعرف له هذا القدر؛ قال الذهبي رحمه الله: «بلغنا أن مالكاً الإمام كان يكتب إليه [إلى عبد الله بن وهب مفتي أهل مصر]: ولم يفعل هذا مع غيره»[4].

وهو هنا يلخص تجربته العلمية ومسيرته التربوية في جملة واحدة، قصيرة المبنى عميقة المعنى، وهي رسالة ينقلها للأجيال التي تقع عليها المسؤولية التعليمية والتربوية، تبين بجلاء أنَّ الأدب قضية متصلة تماماً بقضية العلم، قال أبو زكريا العنبري رحمه الله: «عِلمٌ بلا أدبٍ كنارٍ بلا حطب، وأدبٌ بلا علم كروح بلا جسم»[5].

لقد كان مفهوماً واضحاً لدى سلف الأمة أنَّ الأدب محور تأثير في تعليم الناس، وتوالت توجيهاتهم المسددة في ذلك، يقول مخلد بن الحسن لابن المبارك رحمهما الله: «نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من الحديث». وهو يقصد بالحديث: طلبه وتلقيه وحفظه وتدوينه. وقال ابن سيرين رحمه الله: «كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم». وقال حبيب بن الشهيد لابنه إبراهيم: «يا بني! ايت الفقهاء والعلماء، وتعلم منهم، وخذ من أدبهم وأخلاقهم وهديهم؛ فإنَّ ذاك أحب إليَّ لك من كثير من الحديث»[6].

لم تعد القضية مجرد إجراءات تعليمية وأداء للأنشطة اللازمة للمقررات وإنهاء للواجبات، إذْ يمثل الأدب روح التعلم ووهجه ورواءه.

تمدين التربية

حين دعا سلفنا الصالح إلى الأدب فإنهم ولا شك يعنون أدب المدينة النبوية، الأدب الذي عمل نبينا صلى الله عليه وسلم على صبغ تلك البقعة وساكنيها به، حتى أصبح أهل المدينة نسيجاً اجتماعياً جديداً فريداً له صبغته الأخلاقية الخاصة ومفاهيمه المتفردة.

وحين نقول: أدب المدينة، فإننا نعني بالأصالة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ هي منبع الأدب والفضائل بما منّ الله على أهلها من الشريعة الغراء، وكذلك هي بمعناها المقابل للحضارة، وبمعناها المقابل للقرية والبادية.

لقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم واضحاً منذ البداية في الفرادة والسمو اللذين ينتهجهما للمهاجرين والأنصار، فحين كتب وثيقته مع اليهود في المدينة؛ افتتحها بقوله: «هذا كتاب من محمد النبي، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم: إنهم أمة واحدة من دون الناس»[7].

وهذا النموذج الفريد في السمو والأدب كان له لوازمه، إذ أصبح لأهل المدينة من المهاجرين والأنصار الذين قطنوا المدينة بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم امتياز خاص بهم من الحقوق والواجبات، يختلف نوعاً ما عن حقوق الأعراب الذين أسلموا، لكنهم فضلوا البقاء في مواطنهم خارج المدينة.

لقد عمل نبينا صلى الله عليه وسلم على تربية أصحابه المدنيين وتهذيب أخلاقهم والارتقاء بمستوى سلوكهم إلى أنْ صاروا نماذج رائعة يحتذى بها، فأصبحوا عناوين للصدق والأمانة وسلامة القلب والبراءة والحب والمواساة والإحسان.

لم تكن البشرية حينها - وإلى الآن - بحاجة إلى تشييد العمران والتباهي بالأرقام، وإنما كانت - وما زالت - بأمس الحاجة إلى تربية تطبع النفوس بطابع المدينة، فتتحول إلى كائنات ملائكية، طائعة نافعة أمينة.

وهو هذا الهدي الذي كان سلفنا الصالح يضربون أكباد الإبل لكي يتعلموه ويتصفوا به؛ فيعدوا من المرتقين في مدارج السمو، وهذا السمت الصالح الذي جعلته الشريعة جزءاً من النبوة، قال صلى الله عليه وسلم: «السمت الحسن، والتؤدة والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءاً من النبوة»[8]. قال الصنعاني رحمه الله تعالى: «أي حسن الهيئة والمنظر وأصل السمت الطريق ثم استعير للزي الحسن والهيئة المثلى في الملبس وغيره»[9]. وقال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: «الوقار والحياء وسلوك طريقة الفضلاء»[10].

وكان أشبه الناس هدياً برسول الله صلى الله عليه وسلم - وكل الصحابة يتشبهون به - هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال حذيفة رضي الله عنه: «إنَّ أشبهَ الناس دلاً وسمتاً وهدياً برسول الله لابن أم عبد، من حين يخرج من بيته إلى أن يرجع إليه»[11]. قال أبو عبيد رحمه الله تعالى: «الهديُ والدلُّ متقاربان، يقال في السكينة والوقار وفي الهيبة والمنظر والشمائل. والسمت يكون في حسن الهيئة والمنظر من جهة الخير والدين لا من جهة الجمال والزينة، ويطلق على الطريق، وكلاهما جيد بأنْ يكون له هيئة أهل الخير على طريقة أهل الإسلام»[12]. وللتنبيه؛ فإنَّ قول أبي عبيد: لا من جهة الجمال والزينة، لا يعني تنافيهما مع السمت، وإنما ينفي التلازم بينهما، والله أعلم.

ثم اجتهد أصحاب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في الكوفة في اقتباس سمته وهديه وأدبه المدني، فكان علقمة في الرأس من ذلك، وهكذا كان السلف يتربون على تلك الأخلاق والآداب المدنية، كابراً عن كابر، قال رباح أبو المثنى رحمه الله تعالى: «إذا رأيت علقمة فلا يضرك أن لا ترى عبد الله، أشبه الناس به سمتاً وهدياً، وإذا رأيت إبراهيم النخعي فلا يضرك أن لا ترى علقمة، أشبه الناس به سمتاً وهدياً»[13].

وهكذا يتربى أهل الإسلام على أدب المدينة في أصقاع الأرض، ويبنون بهذا الأدب والسمت عمود حضارتهم، ثم لا نعجب بعد ذلك حين نعلم أنَّ بلداناً وأقاليم في طرفٍ من الأرض دخلت الإسلام بمجرد معايشتها لأهل الإسلام الذين وفدوا إليها بغرض التجارة والاكتساب.

إنها شريعة المكارم التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها: «إنما بُعثت لأتمم صالح الأخلاق»[14]. والحديث واضح في كون الآداب الفاضلة مقصداً محورياً في البعثة النبوية، إذ لا تجمل الديانة بدونها، قالت عائشة رضي الله عنها: «مكارم الأخلاق: صدق الحديث، وصدق الناس، وإعطاء السائل، والمكافأة، وحفظ الأمانة، وصلة الرحم، والتذمم للصاحب، وقرى الضيف، والحياء رأسها، وقد تكون مكارم الأخلاق في الرجل ولا تكون في ابنه، وتكون في ابنه ولا تكون فيه، وقد تكون في العبد ولا تكون في سيده، يقسمها الله لمن أحب»[15].

ألا تستحق هذه المكارم أن تكون سمة شباب الإسلام؟! ألا يحسن أن تكون المروءات أساساً يبنى في الحضارات قبل اللوائح والأنظمة؟!

أوَّلُ الآداب

لقد ألِف الناس أن يكون أول خطاب زعامي يلقيه الرؤساء والملوك ذا أهمية بالغة، إذ يرسم هذا الخطاب الخطوط العريضة للمنهج والطريقة والسياسة والسيرة، وقد حفظتْ كتب التاريخ والوثائق خطابات كثير من الحكام والولاة والملوك والزعماء، فيا ترى ما هو أول خطاب ألقاه نبينا صلى الله عليه وسلم حين دخل المدينة النبوية، والتقى بالناس؟ وما هي الخطوط العريضة التي رسم بها صورة الشريعة التي بعث من أجلها وهاجر إلى المدينة من أجلها؟ دعونا نتعرف على ذلك من مصادرنا الأصيلة: عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: «لما قدِم رسول الله المدينة انجفلَ الناسُ إليه، وقيل: قدِم رسول الله فجئتُ في الناس لأنظر إليه، فلما استبنتُ وجه رسول الله عرفت أنَّ وجهه ليس بوجه كذاب، وكان أول شيء تكلم به أن قال: يا أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا والناس نيام؛ تدخلون الجنة بسلام»[16].

هذا أول خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم في المدينة حين التصقت المناكب ازدحاماً عنده، والنفوس متلهفة إلى سماع أول كلمة يتفوه بها، ولقد كان أول ما وجَّه إليه في حديثه: إفشاء السلام!

وإنه ليتملكك العجب أنْ يكون ذلك أول أدب يدعو إليه نبينا صلى الله عليه وسلم من أدب المدينة، ثم يتملكك العجب مرة أخرى من تساهل الناس اليوم في هذا الأدب العالي، والزهد فيه، وعدِّه من الثانويات!

وفي الحديث الآخر قال صلى الله عليه وسلم: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم»[17].

وتأمل تسلسل المقدمات والنتائج، وكيف جعل إفشاء السلام مؤدياً إلى التحاب بين الناس، وجعل التحاب بين الناس مؤدياً إلى حقيقة الإيمان، وجعل حقيقة الإيمان مؤدية إلى دخول الجنة، وكأن طريق الجنة يبدأ من قول: السلام عليكم!

قال النووي رحمه الله تعالى: «السلام أول أسباب التآلف، ومفتاح استجلاب المودة، وفي إفشائه تمكن ألفة المسلمين بعضهم لبعض، وإظهار شعارهم المميز لهم من غيرهم من أهل الملل، مع ما فيه من رياضة النفس ولزوم التواضع وإعظام حرمات المسلمين، وقد ذكر البخاري رحمه الله في صحيحه[18] عن عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه قال: ثلاثٌ من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار. وروى غير البخاري هذا الكلام مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وبذلُ السلام للعالم والسلام على من عرفت ومن لم تعرف وإفشاء السلام كلها بمعنى واحد، وفيها لطيفة أخرى، وهي أنها تتضمن رفع التقاطع والتهاجر والشحناء وفساد ذات البين التي هي الحالقة، وأن سلامه لله لا يتبع فيه هواه ولا يخص أصحابه وأحبابه به، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب»[19].

إننا مطالبون اليوم بتربية الشباب والناشئة على إفشاء السلام، وبذله للعالم، بكل أدبياته المعروفة، لاسيما وقد تعددت التحايا الوافدة من خارج المدينة واستعذبتها بعض الأفواه والأقلام. وقد كثر التقاء الناس اليوم ببعضهم، في المساجد والطرقات والأسواق والمجامع، وفي الشبكات ووسائل الاتصال المتنوعة، وإنَّ إفشاء السلام فيها مطلب شرعي. عن الطفيل بن أبي بن كعب رحمه الله تعالى، أنه كان يأتي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فيغدو معه إلى السوق، قال: «فإذا غدونا إلى السوق لم يمر عبد الله بن عمر على سقاط ولا صاحب بيعة ولا مسكين ولا أحد إلا سلَّم عليه. قال: فجئت عبد الله بن عمر يوماً فاستتبعني إلى السوق، فقلت له: ما تصنع بالسوق! وأنت لا تقف على البيع، ولا تسأل عن السلع، ولا تسوم بها، ولا تجلس في مجالس السوق؟ وأقول: اجلس بنا ههنا نتحدث. فقال: يا أبا بطن - وكان الطفيل ذا بطن - إنما نغدو من أجل السلام، نسلِّم على من لقينا»[20].

إنَّ التربية على إفشاء السلام نقطة الانطلاق نحو أدب المدينة.


 

 


[1] سير أعلام النبلاء 8/113.

[2] الروايتان في سير أعلام النبلاء 9/225.

[3] المصدر نفسه 9/226.

[4] المصدر نفسه 9/227.

[5] الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 1/122.

[6] انظر هذه الآثار في: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 1/121-122.

[7] السيرة النبوية لابن هشام 2/115.

[8] أخرجه الترمذي 4/366 أبواب البر والصلة، باب ما جاء في التأني والعجلة ح2010.

[9] التنوير شرح الجامع الصغير 5/112.

[10] الاستذكار 8/452.

[11] أخرجه البخاري 4/109 كتاب الأدب، باب في الهدي الصالح ح6097.

[12] فتح الباري 10/526.

[13] سير أعلام النبلاء 4/55.

[14] أخرجه أحمد في المسند 5/182 (ترتيب الشامي).

[15] التمهيد لابن عبد البر 24/334.

[16] أخرجه الترمذي 4/652 أبواب صفة القيامة والرقائق والورع ح2485.

[17] أخرجه مسلم 1/74 كتاب الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، وأن محبة المؤمنين من الإيمان، وأن إفشاء السلام سبب لحصولها ح93.

[18] 1/25 كتاب الإيمان، باب إفشاء السلام من الإسلام.

[19] شرح مسلم 2/36.

[20] أخرجه مالك في الموطأ 2/961 كتاب السلام، باب جامع السلام.