أزداد يقيناً يوماً بعد أمس أن الناس لا يقبلون على مشاهدة التافهين لميلهم للتفاهة أو لاحترامهم لهؤلاء، بل ولا للضحك ففن النكتة أرقى من التهريج الذي امتهنه معظمهم.

أزداد يقيناً أن شغف عشاق الأفلام بها ليس ناتجاً عن ولهٍ بثقافة ذلك الشعب وحب لرؤية العالم بعدسته.

أمتلئ يقيناً أن شيوع إدمان مشاهدة الرياضة لا ينبع من رغبة حقيقية في سفك الأوقات، وأن انحناء رقاب أولي الأحلام والنهى على هواتفهم يبنون مزارعهم الوهمية على خادم يبعد آلاف الأميال لم يكن لأنها المتنفس الوحيد لفراغهم، وأن تبادل الناس للصور الهزلية والتعليقات السمجة عليها لم يكن بسبب رداءة ذائقة المجتمع.

كلما رأيت انسياح الناس نحو مقطع توعوي ذكي أو تحفة وثائقية مترجمة يزداد يقيني أن الناس لا يرفضون الفائدة ولا يكرهون التعلم - كما يبرر الكثير من بناة القيم ضعف تأثيرهم -، ولن يختاروا سفك الساعات على التفاهات لو أنهم وجدوا من الإنتاج القِيَمي ما يمنحهم جرعتهم اليومية اللازمة من المتعة والاندهاش.

ما لا يدركه كثير من بناة القيم أن عملية التجاذب بينهم وبين هادميها مرتكزة على الشكل أكثر من الموضوع، وأن سلاحها الأمضى هو زخرف القول لا سمينه.

نخطئ حين نعتقد أن اللهو والضحك هو محط اهتمام الإنسان وغاية مرامه، بل الناس يعشقون الإبداع والجمال، والإبداع لا حدود له، بينما الضحك في نهايته شعور ممل، كلما طال خبت لذته.

ولا يزال الناس يتذاكرون إعجابهم بمعلميهم البارعين في إيصال المعلومة، أكثر من إعجابهم بالمعلم البليد الذي يتيح لهم فرصة للهو.

فيا بناة القيم! حب الخير والمعرفة فطري لدى الإنسان، فأي شيء أسهل من استغلال الفطرة؟!