في طريق الدعوة والعبادة لا تنقاد للمرء نفسه بيسر، بل لا بد من المغالبة الدائمة، وقد تغلب النفس صاحبها في طريق الطاعة والعبادة والسعي، وبعضهم مهما سمت همته وعظمت أهدافه وغاياته تقف له نفسه كالعقبة كؤود، إما مثبطة في أثناء الطريق أو قرب النهاية، وقد يصل إلى مرحلة تتمكن منه نفسه، فتقعده عن العمل وتحوله عن الجادة، وقد تجعله يتولى بالكلية عن الطريق، وقد جاءت الأحاديث تحذر من الفتور بعد الحرص والنشاط، قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِكُلِّ شَيءٍ شِرَّةً وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ فَارْجُوهُ، وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ فَلاَ تَعُدُّوهُ»[1].

لقد اتصف عمل النبي صلى الله عليه وسلم بالديمومة المتصلة، فحين سُئلت أم المؤمنين عائشة: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختص من الأيام شيئاً؟ قالت: «لا؛ كان عمله ديمةً»[2]، ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والهرم وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات»[3]، ومن تأمل ما استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث وهو: العجز، والكسل، والجبن، والهرم؛ وجدها كلها من مثبِّطات العمل.

وذكرت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا عمل عملاً ثبت عليه فلا يتركه، حيث قالت: «كان رسول الله إذا عمل عملاً أثبته»[4]، أي: دام عليه ولم ينقطع عنه، وكان ينهى عن قطع العمل وتركه بعد العهد به والمواظبة عليه، فقد قال لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: «يا عبد الله لا تكن مثل فلان؛ كان يقوم الليل فترك قيام الليل»[5].

في طريق الدعوة ينشط كثير من الدعاة في بدايات الطريق، ويظل كثير من منهم مثابراً على العقبات، لا تصرفه الشواغل ولا تحبطه النتائج، إلا إن هناك من تقعد بهم الهمم، ويعتورهم الفتور، فإما تركوا الميدان بالكلية، وأصيبوا بالإحباط، وإما كلَّت جهودهم وخارت عزائمهم، فأصبحوا لا يبذلون إلا القليل من الوقت والجهد، وربما بخلوا بالقليل من البذل، وهذا له أسباب منها:

1- ربط الدعوة بالنتائج:

إن دعوة الناس تقوم على بذل الخير، والحضِّ عليه دون أن يرتبط ذلك بالنتائج المتحصلة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في بعض ما حصّله بعض الأنبياء مع أقوامهم: «يجيء النبي ومعه العصابة والنبي ومعه الخمسة والستة والنبي وليس معه أحد»[6]، إن الأصل هو ربط النجاح بالبلاغ المبين، وحيث كان؛ فالأجر حاصلٌ لا محالة، أما استجابة الناس فليست شرطاً في حصول الأجر والجزاء، وإلا لما استأهل نبي لم يستجب له أحد أجراً.

2- استطالة الطريق:

بعض الدعاة يرسم لطريقه غايات محددة، إن لم يبلغها خارت عزيمته، وربما أصابته كآبة اعتزل بها الناس من حوله، لكن من تصدى لدعوة الناس وجعل وجه الله غايته، فلا تخور له عزيمة أبداً، يقول ابن القيم: «مطلوب الأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين؛ هو الجنة، ومهربهم من النار»[7]، فالجنة هي تمام غاية المرء، وفي سبيل طلبها والسعي في إدراكها يبقى عمله وسعيه هو المحدّد الأول لصدق مطلبه، فمن ربط دعوته وعمله بمرضاة الله فإن عزيمته تتصل ولا تنفصم مهما ألمّ به، ففي يوم أحد انتهى أنس بن النضر إلى جماعة من الصحابة قد ألقوا بأيديهم بعد لحوق الهزيمة، فقال لهم: ما يجلسكم؟! قالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال لهم: ما تصنعون بالحياة بعده؟! قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله[8]. وهكذا أثار الصحابي همتهم بربطهم بمبدأ يموتون دونه، والمبادئ لا تموت، حتى ولو مات حملتها المؤسسون لها.

3- الانشغال بالناس والحرص على الظفر بثنائهم:

بعض العباد والدعاة تشغله قضية متابعة الناس له، وتحدثهم في مجالسهم عن نشاطه وجهده، وحين لا يجد لهذا أثراً تخور همَّته، وتصاب نفسه بالفتور، فربما أصيب بالكسل، وربما انقطع بالكلية، وملاحظة الناس مدخل من مداخل الشيطان على الإنسان، قد تحبط عمله بالكلية. عن شيبة بن نعامة قال: كان علي بن الحسين يبخل، فلما مات وجدوه يقوت مئة أهل بيت بالمدينة[9]، لم يعبأ رضي الله عنه بقول الناس فيه، والبخل ليس من شيم ذوي الأحساب، فكيف إذا كان سليل بيت النبوة! لكن لما كانت مرضاة الله مبتغاه، تجرع اتهام الناس صبراً لله حتى مات، فانكشف للعالمين عطاؤه.

4- دخول المرء في ما لا يحسن:

بعض الدعاة يظن أن مواهبه تصلح لكل ميدان، فهو يريد أن يناظر، ويكتب، ويؤلف، ويخطب فيجد في ذلك كله إقبال الناس وتهافتهم على ما يصنع، فإذا اقتحم ميداناً من ذلك وأخفق أو لم يتحصّل على ما يريد فترت همته، وكلّت نفسه، فهو لا يدرك أن النجاح والتميز في ميدان لا يعني بالضرورة تحقيق الشيء نفسه في الميادين الأخرى، بل قد ينجح المرء في مكان ولا يستطع في مكانٍ مغاير تحقيق النجاح ذاته، لقد طلب أهل المدينة من رسول الله معلِّماً، فأرسل لهم الصحابي الجليل مصعب بن عمير، وكان في أصحابه من هم أسن منه أو أكثر قراءة، لكن كان لمصعب خصائص ربما لم تكن في الآخرين من أصحابه، استطاع مصعب بحسن عرضه لقضيته أن يدخل فيها أهم رجلين بالمدينة، وبهما أسلم أكثر أهل المدينة[10]، وكان صلى الله عليه وسلم يختار لقيادة السرايا أشخاصاً دون آخرين، ثم لا يعاود اختيارهم مرة أخرى، ربما لأنَّهم كانوا يصلحون هنا كقادة ولا يصلحون هناك إلا أفراداً ضمن النافرين.

مظاهر الفتور وعلاجها

تتبدى مظاهر فتور الداعية جلِّية في تركه ميدان الدعوة وتولِّيه عنه منسحباً منه، وعدم اهتمامه بقضايا مجتمعه المسلم من حوله، كما تتبدى في نزول الدعوة من سلم أولوياته، فبعدما كانت في قمة ما يهتم به تصير آخر ما يفكر فيه أو يهتم له، تتبدى أيضاً في انشغاله بالسفاسف والقضايا الفرعية، والحوم حول غرائب ما في بطون الكتب وإشاعته وجعله قضيته، كما تتبدى في دخوله ميادين المناظرات حول الفرعيات، أو ترديد التكفير كثيراً في كلامه وأحاديثه، وتناوله للأغلوطات وهي شرار المسائل، وقد روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «أنذرتكم صعاب المنطق»،  يريد المسائل الدقاق والغوامض[11].

تتبدى أيضاً في تحويله المسائل إلى قضايا، فهناك من المسائل ما لا يستأهل الانشغال به إلا عرضاً، فلا ينبغي على الداعية أن يقيم خطبة عصماء، أو يؤلف رسالة تطبع بالآلاف من أجل قضية ليس في إقرارها أو نفيها كبير فائدة.

أما فتور العابد فيتجلى في عدم التجرد بألَّا يكون وجه الله مراده فيفتر ولا ينشط للعبادة، ويتأخر عن المبادرة والإسراع في الطاعة، ويفتش عن الرخص والمباحات، ولا يهتم بخبيئة العمل الصالح، ولا يستديم عملاً، ولا يداوم على ورد، ولا يصطفُّ إلا في الساقة.

إن من أهم ما يعين السائر - داعيةً كان أو عابداً - هو التجرد لله تعالى، وجعل مطلوبه في سعيه وعمله هو وجه الله والدار الآخرة، وتجنب مظاهر الفتور السابقة، وأن يستعين بالله تعالى في كل خطواته التي يخطوها.. حينئذ يظل على الطريق، ويعيش في صلب الحياة، ولا يعتريه ملل، ولا يتطرق إليه الفتور إلا بقدرٍ يمكنه تجاوزه.


 


[1] أخرجه الترمذي برقم (2453)، وحسنه الألباني. والشِرّة: الحرص والنشاط. والفترة: الوهن والضعف والسكون.

[2] متفق عليه بنحوه.

[3] متفق عليه.

[4] أخرجه مسلم برقم (746).

[5] متفق عليه.

[6] أخرجه أحمد (15) وحسنه الأرناؤوط .

[7] مدارج السالكين (2/ 81).

[8] الدرر في اختصار المغازي والسير (ص149).

[9] صفة الصفوة (2/ 96).

[10] انظر: البداية والنهاية (3/ 185).

[11] شرح السنة (1/ 308).