إن الوقوف على الأحداث النبوية من خلال سرد الوقائع أمر مهم، ولكن الأهم منه أن نتأمل هذه الأحداث لأخذ العبر والعظات منها؛ فسيرته وحياته صلى الله عليه وسلم تحمل في طياتها وجدان وعقل الأمة الإسلامية، ومن خلالها تستشرف الأمة الحاضر والمستقبل؛ للتعامل مع الأحداث وفق منهج نبوي قال الله عنه: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى 3 إنْ هُوَ إلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: ٣، ٤].

ومن الأحداث المهمة التي تستوجب منا أن نقف عندها «غزوة الأعاجيب»، وقد سميت بذلك لما وقع فيها من أمور عجيبة، وتسمى غزوة ذات الرقاع[1]؛ لأنه جرحت فيها أقدام الصحابة، فوضعوا الخرق والرقاع على أماكن الجروح، وقيل بسبب ترقيع الرايات بالرقاع، وقيل سميت بذلك لوجود شجرة في مكان المعركة تدعى شجرة ذات الرقاع، وقد حدثت هذه الغزوة في السنة الرابعة للهجرة، بين جيش المسلمين بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم وبين بني ثعلبة الذين ينتمون إلى قبيلة غطفان، وقد كانت الغزوة في ظروف صعبة من أبرزها قلة ما يركب عليه المسلمون، حيث كان كل ستة أو أكثر من المسلمين يتناوبون على بعير أو راحلة واحدة، هذا بالإضافة إلى أن الأرض كانت شديدة الوعورة مما تسبب في جرح أقدامهم كما بينا، كما أنهم يواجهون أعراباً قساة ضاربين في فيافي نجد، والذين ما زالوا يقومون بأعمال النهب والسلب بين آونة وأخرى[2].

ومن خلال القراءة المتأنية في غزوة الأعاجيب استخلصنا منها أهم العبر والعظات، ومنها:

المخابرات العسكرية النبوية في يقظة دائمة:

عندما سمع النبي صلى الله عليه وسلم باجتماع قبائل بني ثعلبة، وبني محارب من غطفان، أسرع بالخروج إليهم في أربعمئة أو سبعمئة من الصحابة، وخلّف على المدينة أبا ذر، وقيل عثمان بن عفان، وتوغل في بلادهم حتى وصل إلى موضع يقال له نخل، ولقي جمعاً من غطفان، فتقابلوا ولم يكن بينهم قتال[3].

إن تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع القوم بهذه الصورة وتوغله في بلادهم يدل على يقظة دائمة للمخابرات العسكرية الإسلامية، وأنه صلى الله عليه وسلم لا ينتظر حتى يأتي إليه الأعداء بل يتعامل معهم بمبدأ المفاجأة، حتى يربك القوم ويجعلهم في حيرة واضطراب، مما يساعد في تحقيق النصر.

فقه الأحكام ومواءمته لفقه الواقع:

 صلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الخوف، هذه الصلاة التي تجمع بين جانبين من جوانب العبودية، جانب إقامة الصلاة بهيئة مخصوصة، وبين الحراسة والدفاع عن الدين والوطن، وهذا يبين الفقه العالي الذي يجمع بين فقه الأحكام وفقه الواقع، فعن جابر قال: «خرج النبي إلى ذات الرقاع من نخل، فلقي جمعاً من غطفان، فلم يكن قتال، وأخاف الناس بعضهم بعضاً، فصلى النبي ركعتي الخوف»[4].

المسلم وتعامله مع الأزمات وقيمة التوكل على الله:

 قلة الركوبة وشدة وعورة التضاريس والأزمات المتكررة في غزوة الأعاجيب لم تمنع الصحابة من استكمال المسيرة بقوة وعزيمة، وتحقيق النصر على العدو، فالصحابة تعاملوا مع الأزمات التي واجهتهم بما هو متاح، ولكن الذي ساعدهم على ذلك توكلهم على الله، هذا التوكل بمفهومه الصحيح من اعتماد على الله وأخذ بالأسباب جعلهم يحولون الأزمات إلى منح وعطايا، وقد كان رائدهم في ذلك المعلم الأول الذي يقص علينا جابر رضي الله عنه كيفية تعامله أيضاً مع الأزمة والحادثة المفاجئة، يقول جابر أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ناحية نجد، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع جابر معه، فأدركتهم القائلة - أي نوم الظهيرة - في وادٍ كثير الهوام، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرّق الناس يستظلون بالشجر، ونام رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة وعلّق بها سيفه، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الصحابة، وإذا عنده أعرابي فقال: «إن هذا اخترط عليّ سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتاً، فقال من يمنعك مني؟ فقلت: الله ثلاثاً فسقط السيف من يده. فأخذه رسول الله فقال: من يمنعك مني؟ فقال: كن كخير آخذ، فقال له رسول الله: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: لا، ولكني أعاهدك أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك. فخلى سبيله، فذهب الأعرابي إلى أصحابه فقال لهم: قد جئتكم من عند خير الناس[5].

فالرسول صلى الله عليه وسلم في حرب يتعامل بهذا الفكر الواعي، والقلب المتيقن، وهذا من باب أحرى يحتم علينا الاقتداء به في الأزمات المختلفة، سواء كانت متعلقة بالسياسة أو الاقتصاد، أو بالجانب الاجتماعي أو العلمي أو الثقافي.

الجندية وأداء الواجب الديني والوطني:

في مشهد إيماني ووطني تظهر روح الجندية، فعندما نزل النبي صلى الله عليه وسلم منزلاً في هذه الغزوة قال: من رجل يكلؤنا؟ - أي يحرسنا -، فانتدب رجلاً من المهاجرين ورجلاً من الأنصار، وهما عباد بن بشر وعمّار بن ياسر رضي الله عنهما، فقال: كونا بفم الشعب، فلما خرج الصحابيان إلى فم الشعب قال عباد لصاحبه: «أيٌّ الليل أحب إليك أن أكفيكه، أوله أو آخره؟ - يعني: أي جزء من الليل تحب أن أحرس فيه بدلاً عنك - فقال له: «بل اكفني أوله»، فاضطجع عمار فنام، وقام عباد يصلي، فضُرب عباد بسهم، فنزع السهم ولم يقطع صلاته، حتى رمي بثلاثة سهام وهو مع ذلك قائم يصلي، حتى ركع وسجد، ثم استيقظ عمار... ولما رأى عمار ما بعباد من الدم قال له: «سبحان الله، ألا انبهتني أول ما رمي؟ فقال له: كنت في سورة أقرؤها، فلم أحب أن أقطعها»[6].

هذا المشهد قد يعلق عليه بعض الناس أو يستنكرونه، قائلين كيف يحدث ذلك من عباد بن بشر وكيف يصلى في مكان الحراسة؟!

والحقيقة أن عباداً كان في مواجهة العدو ولم يترك حراسته، وأن السهم كان سيصيبه حتى لو كان خارج الصلاة، بالإضافة إلى أنه لما شعر أن السهام تدافعت عليه وأن ذلك سيأثر على الحراسة أيقظ عماراً ليقوم بالواجب المنوط به.

إن هذا الموقف النبيل من الصحابيين (عباد، وعمار) يدل على أن الجندي المسلم قلبه متعلق بالله في كل وقت، كما أن يده مشغولة بالدفاع عن دينه ووطنه.

القيادة أخلاق ومبادئ وعطاء:

 القيادة العليا المتمثلة في النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن قيادة الفكر الواحد، ولم تكن تعني الانشغال بنفسه ونسيان رعيته، بل هي قيادة الجسد الواحد والفكر الجماعي، فقد كان صلى الله عليه وسلم مهتماً بأمور أصحابه وأمته حتى في أصعب الظروف، يتفقد أحوالهم ويسأل عنهم، ويواسيهم، يقول جابر: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة، فأبطأ بي جملي وأعيا، فأتى عليّ النبي فقال: «جابر؟»، فقلت: نعم، قال: «ما شأنك؟»، قلت: أبطأ عليّ جملي وأعيا فتخلفت، قال: «فأنِخه»، وأناخ رسول الله ثم قال: «أعطني هذه العصا من يدك» - أو قال «اقطع لي عصا من شجرة» - ففعل جابر، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخسه بها نخسات ثم قال: «اركب» فركبت. يقول جابر: فلقد رأيته أكفّه عن رسول الله، أي: من سرعته[7].

 


 


[1] وتسمى غزوة بني ثعلبة؛ لأنهم كانوا يحاربون قبيلة بني ثعلبة، إلى غير ذلك من  الأسماء.

[2] ينظر: الخصائص الكبرى، للسيوطي ص380، والرحيق المختوم ص354.

[3] الرحيق المختوم ص354.

[4] أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع.

[5] مسند الإمام أحمد حديث رقم: 15314، من حديث جابر رضى الله عنه.

[6] سنن أبي داود، من حديث جابر بن عبد الله.

[7] متفق عليه، من حديث جابر بن عبد الله.